وكالة مهر للأنباء: إن الحرب التي كان من المفترض في واشنطن أن تنتهي بالاعتماد على التفوق العسكري الأميركي، دخلت الآن مرحلة أصبحت فيها المسألة الرئيسية لأميركا ليست مجرد مواصلة العمليات العسكرية، بل كيفية إنهاء الحرب؛ حرب لم تحقق بعد أشهر من الصراع الأهداف القصوى لواشنطن، وفي الوقت نفسه ارتفعت تكاليفها العسكرية والاقتصادية على أميركا.
وفي هذا السياق، يعتقد العقيد دانيال ديفيس، الضابط المتقاعد من الجيش الأميركي والمحلل في الشؤون العسكرية، أنه إذا أراد دونالد ترامب الخروج من حرب إيران بما يمكن تسميته "نصراً"، فعليه أن يحقق أهدافاً تتجاوز بكثير توجيه الضربات العسكرية؛ أهدافاً تشمل تغييراً جوهرياً في البنية السياسية والعسكرية لإيران، وإزالة قدرتها على مواصلة الأنشطة الصاروخية والمسيّرة. ومن وجهة نظر ديفيس، المشكلة الرئيسية هي أن الجيش الأميركي لا يمتلك أساساً القدرة على فرض مثل هذه النتيجة.
ولا يمكن اعتبار هذا التصريح مجرد موقف شخصي؛ لأن المسألة التي يطرحها ديفيس تعود إلى أحد التحديات الرئيسية للحرب بالنسبة لواشنطن: الفرق بين "التفوق العسكري" و"النصر السياسي". تستطيع أميركا، باستخدام قدراتها الجوية والبحرية والاستخباراتية، استهداف أهداف مهمة في إيران وإلحاق أضرار كبيرة بالبنى التحتية العسكرية، لكن تحويل هذا التفوق العسكري إلى تغيير مستدام في سلوك أو بنية دولة سياسية، مسألة مختلفة تماماً.
وتشير التقارير الرسمية والإعلامية أيضاً إلى أن الحرب لم تكن دون تكلفة على أميركا. ووفقاً لتقديرات مكتب الموازنة في الكونغرس الأميركي، كلفت العمليات العسكرية الأميركية حتى الأول من أغسطس نحو 38 مليار دولار، ويزداد هذا الرقم بمعدل نحو 3 مليارات دولار شهرياً. كما أفاد تقرير للمفتش العام لوزارة الحرب الأميركية بنقص في الذخائر والعقبات القائمة في قدرة إنتاج الذخائر واستبدالها.
ومن جهة أخرى، يُظهر تقييم خدمة الأبحاث في الكونغرس الأميركي أن الحرب وصلت في سبتمبر 2026 عملياً إلى وضع أشبه بالاستنزاف المتبادل؛ بمعنى أن إيران، رغم الأضرار التي تكبدتها، لا تزال قادرة على مواصلة الهجمات، وأن أميركا وحلفاءها يواجهون أيضاً قيوداً في مجال القدرة العسكرية والتكاليف الاقتصادية والضغوط السياسية. ويضع هذا التقرير أربعة مسارات رئيسية أمام واشنطن: استمرار الوضع الراهن، أو التوصل إلى وقف إطلاق النار، أو تصعيد العمليات العسكرية، أو التفاوض على اتفاق أوسع.
ويوضح هذا الوضع جزءاً مهماً من حجة ديفيس. فإذا كان هدف أميركا مجرد إضعاف جزء من القدرة العسكرية الإيرانية، يمكن لواشنطن أن تتحدث عن مكاسبها العملياتية. لكن إذا كان الهدف هو الإزالة الكاملة لقدرة إيران على الرد العسكري، وتغيير البنية السياسية، وخلق نظام جديد، فإن الفجوة بين ما هو ممكن في الميدان العسكري وما يمكن تحقيقه في الساحة السياسية تصبح أكبر بكثير.
والأهم من ذلك أن استمرار الحرب لا يقلل بالضرورة من هذه الفجوة. فزيادة الهجمات يمكن أن تلحق أضراراً أكبر بإيران، لكنها ترفع في الوقت نفسه تكاليف أميركا وتزيد خطر توسع الصراع في المنطقة. وفي الأسابيع الأخيرة أيضاً، ظلت واشنطن مترددة بشأن استمرار أو استئناف العمليات العسكرية. وقد تحدث ترامب في 17 سبتمبر عن الاقتراب من نقطة قرار مهمة بشأن الحرب، وأعلن أنه يدرس خيارات مختلفة بشأن المسار المستقبلي للعمليات.
وفي هذه الظروف، اكتسب حتى النقاش حول القدرات التسليحية الأميركية أهمية أكبر. فالتقارير الأخيرة تشير إلى تراجع مخزونات بعض الذخائر والضغط على قدرة الإنتاج الأميركية؛ وهي مسألة لا تقتصر على الحرب على إيران، ويمكن أن تؤثر على جهوزية واشنطن لأزمات محتملة أخرى، وخاصة في مواجهة القوى الكبرى.
ومن هذا المنظور، فإن "الانسحاب" الذي يتحدث عنه ديفيس لا يعني مجرد الخروج الفيزيائي للقوات الأميركية من المنطقة. فالمسألة الرئيسية هي تصميم مسار خروج سياسي من الحرب؛ مسار يسمح لواشنطن بإيقاف العمليات العسكرية دون الاعتراف الصريح بالهزيمة، وتعريف نتيجة الحرب في قالب اتفاق أو ترتيبات إقليمية جديدة.
وهذه هي النقطة التي تحولت فيها حرب إيران إلى لغز استراتيجي لحكومة ترامب. فاستمرار الحرب قد يمارس ضغطاً أكبر على إيران، لكنه لا يوفر ضماناً لتحقيق الأهداف القصوى لأميركا. ومن جهة أخرى، فإن الانسحاب أو قبول وقف إطلاق النار يمكن أن يُفسَّر في الفضاء السياسي الأميركي على أنه ابتعاد عن الأهداف المعلنة أولاً.
ونتيجة لذلك، لم يعد التحدي الرئيسي لواشنطن مجرد ما إذا كانت أميركا قادرة على توجيه ضربات أكبر أم لا؛ فالسؤال الأهم هو ما إذا كانت هذه الضربات يمكن أن تؤدي إلى النتيجة السياسية التي تريدها أميركا. وموقف دانيال ديفيس يركز بالتحديد على هذه الفجوة: قد تمتلك دولة تفوقاً جوياً وتسليحياً في ميدان المعركة، لكنها لا تتمكن من استخلاص النتيجة السياسية التي تريدها من هذا التفوق.
ومن هذا المنظور، إذا وصلت واشنطن إلى استنتاج أن الأهداف القصوى للحرب لا يمكن تحقيقها بالأداة العسكرية، فإن الانسحاب يمكن أن يعني لا نهاية الضغط على إيران، بل تغيير أداة الضغط من الحرب المباشرة إلى التفاوض والعقوبات والاحتواء الإقليمي. وهذه مسألة ستحدد في النهاية كيف تنتهي الحرب، ليس فقط مقدار قدرة أميركا على مواصلة الهجمات، بل مقدار الفجوة بين تكلفة استمرار الحرب ومكسبها السياسي القابل للتحقيق.
/انتهى/
تعليقك