وكالة مهر للأنباء- نجاح محمد علي: أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار مع حكومة صنعاء بوساطة سلطنة عُمان، يهدف إلى تأمين الملاحة في البحر الأحمر. ورغم أن الاتفاق ينص على توقف الضربات الأميركية ضد أهداف في اليمن مقابل عدم استهداف السفن الأميركية، أكدت صنعاء بوضوح، وأيد ذلك ترامب، أن الاتفاق لا يشمل كيان الاحتلال، مما يعني استمرار العمليات ضد السفن المرتبطة به.
هذا التطور يكشف ملامح مشهد إقليمي جديد تعاد فيه صياغة الأولويات الأميركية بقيادة الرئيس دونالد ترامب، ويؤكد أن من يسيطر على مضيق باب المندب اليوم ليس واشنطن ولا حلفاؤها، بل المقاومة التي باتت تفرض شروطها من موقع قوة.
الاتفاق بين صنعاء وواشنطن لا يعكس انسحاباً أميركياً من دعم كيان الاحتلال، بل يترجم رغبة إدارة ترامب في تقليل انخراطها العسكري في اليمن، وتحقيق استقرار نسبي في ممر بحري حيوي يشهد اضطرابات متكررة منذ أن بدأت عملية “طوفان الأقصى”. فقرار وقف المواجهات المباشرة مع صنعاء يعكس مقاربة براغماتية تحكمها مصالح أميركا أولاً، بعيداً عن الالتزامات المطلقة تجاه حلفائها في المنطقة ولو كان كيان الاحتلال.
البحر الأحمر: عسكرة ممر حيوي ونتائج عكسية
أُنشئت عملية “حارس الازدهار” أواخر عام 2023 بقيادة واشنطن بزعم حماية السفن من هجمات صنعاء. إلا أن التدخل العسكري الغربي فاقم التوترات وأدى إلى نتائج عكسية، إذ اضطرت أكثر من 18 شركة شحن إلى تغيير مسارها نحو رأس الرجاء الصالح، ما زاد من كلفة التجارة العالمية وأربك سلاسل الإمداد.
في المقابل، أدت الهدنة الأخيرة إلى انخفاض ملحوظ في الهجمات ضد السفن غير المرتبطة بكيان الاحتلال، ما سمح بعودة محدودة لحركة الملاحة، وإن كانت محفوفة بالحذر، نظراً لاستمرار العمليات ضد سفن الكيان الصهيوني أو تلك التي تتعامل معه.
تصعيد رمزي
منذ نهاية 2023، واصلت صنعاء تنفيذ ضربات بالطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية على مدن في عمق الأراضي المحتلة، شملت يافا وإيلات، وصولاً إلى استهداف مطار بن غوريون في مناسبات عدة. رغم أن عدد هذه الضربات لا يصل إلى “الألف” كما يدّعي البعض، فإن تأثيرها النفسي على مستوطني كيان الاحتلال بالغ، إذ أجبر الملايين على الاحتماء في الملاجئ، وأربك النظام الاقتصادي والأمني، ما يعكس عجزاً استراتيجياً عن ردع محور المقاومة.
وقد جاء استهداف محيط مطار بن غوريون دون المساس بالمطار نفسه ليؤكد أن الرسالة لم تكن في عدد الصواريخ أو دقتها فحسب، بل في اختيار الأهداف بعناية. فقد أرادت صنعاء أن تُظهر قدرتها التقنية والاستخبارية على إصابة المنشآت الحساسة في عمق الكيان، مع تجنب سقوط ضحايا مدنيين، لتوجيه رسالة مدروسة: أن مفاعل ديمونا، والمطارات، وكل البنية التحتية الحيوية داخل الأراضي المحتلة، تقع في مرمى النيران اليمنية متى تقرر الرد الحاسم. هذا النوع من الردع الذكي يشكّل تحولاً استراتيجياً في قواعد الاشتباك الإقليمي.
التزام مشروط
رغم استمرار الدعم العسكري الأميركي لكيان الاحتلال، فإن واشنطن لم ترد على الضربات القادمة من اليمن بعد الهدنة، ما دفع البعض للحديث عن “تخلي” أميركي ضمني. الواقع أن إدارة ترامب توازن بين دعمها لحليفتها وبين رغبتها في تجنب التورط في مستنقع يمني جديد. الهجمات المستمرة من صنعاء تُبقي باب التصعيد مفتوحاً، لكن أي رد أميركي واسع سيخضع لحسابات دقيقة تتعلق بالاقتصاد والسياسة الداخلية في عام انتخابي حساس.
مسار التصعيد
رغم القصف الأميركي والبريطاني لمواقع عسكرية، لا تزال صنعاء تحتفظ بقدرات صاروخية متقدمة، تشمل صواريخ باليستية وأخرى فرط صوتية مثل “فلسطين-2” التي استُخدمت في استهداف مطار بن غوريون نهاية العام الماضي . ما يميز أنصار الله عن حركات المقاومة الأخرى هو قدرتهم على الصمود داخل دولة فاشلة مقرها الرسمي عدن، ونجاحهم في فرض معادلات ردع رغم الحصار والتدخلات الخارجية. ورغم التحذيرات من ضربة “زلزالية” مقبلة ضد كيان الاحتلال، تبقى هذه التوقعات ضمن إطار التصعيد الرمزي، دون مؤشرات على ضربة استراتيجية حاسمة في المدى القريب.
صناعة يمنية تحت الحصار
من أبرز ما يميز القدرات العسكرية لصنعاء أنها نابعة من إنتاج محلي خالص، رغم الحصار البري والجوي والبحري المفروض منذ أكثر من تسع سنوات. ورغم الادعاءات المتكررة بأن إيران تزوّد أنصار الله بالسلاح، فإن الواقع يؤكد أن صنعاء لم تتلقَّ أي دعم عسكري خارجي، ليس لأن طهران لا ترغب، بل لأن طبيعة الحصار تحول دون ذلك. كما أن القيادة اليمنية طوّرت ترسانة متقدمة من الصواريخ والطائرات المسيّرة باستخدام الموارد المحلية والخبرات الذاتية، ما يدل على تراكم تكنولوجي متسارع، وقدرة عالية على التكيّف والتطوير المستمر.
في عالم وسائل التواصل، يتردد مصطلح “الصهاينة العرب” في وصف من يؤيدون كيان الاحتلال أو يهاجمون صنعاء. هذه التوصيفات، رغم أنها تعكس مزاجاً شعبياً مناهضاً للتطبيع، تُخفي خلفها تعقيد المشهد الإقليمي، حيث تصطف بعض الأنظمة العربية ضد محور المقاومة، بينما تحاول قوى أخرى النأي بنفسها. توازن الخطاب في هذه المرحلة ضروري لفهم طبيعة التحالفات، بعيداً عن الشحن العاطفي والتعميم.
تهدئة هشة ومعادلات جديدة
الهدنة بين واشنطن وصنعاء لا تعني نهاية المواجهة، بل إعادة ترتيب للأولويات. ترامب، بسياسة “أميركا أولاً”، اختار خفض التصعيد في البحر الأحمر لحماية المصالح التجارية، دون أن يضع كل بيضه في سلة كيان الاحتلال.
أما صنعاء، فتواصل استراتيجيتها القائمة على دعم فلسطين، وفرض حضورها الإقليمي، مع إدراكها لحجم التحديات.
المشهد مفتوح على احتمالات التصعيد، خاصة إذا قرر كيان الاحتلال الرد المباشر أو سعت أميركا لتعديل شروط الهدنة.
فهل يشكل هذا الاتفاق بداية لانكفاء أميركي أكبر في المنطقة؟ أم أنه مجرد استراحة تكتيكية قبل جولة جديدة من المواجهات؟ الإجابة مرهونة بخطوات الأيام المقبلة.
/انتهى/

تعليقك