٠٢‏/٠٩‏/٢٠٢٦، ١٠:٢٣ م

فتح مضيق هرمز في عالم ترامب الخيالي

فتح مضيق هرمز في عالم ترامب الخيالي

في رواية دونالد ترامب، يكاد مضيق هرمز أن يكون قد انتهى. تدخلت الولايات المتحدة، وأزالت الألغام البحرية، وجعلت الممر الملاحي آمنًا، وبات بإمكان السفن الآن المرور عبر المضيق دون قلق. حتى في 27 أغسطس/آب، أي بعد يومين من إعلانه إزالة الألغام، قال ترامب بثقة: " انه مفتوح تمامًا".

لكن ثمة مشكلة؛ فالسفن لم تصدق هذه الرواية. تناولت مجلة "فورين بوليسي" هذا التناقض في تقرير لها، مشيرةً إلى وجود فجوة كبيرة بين ما يقوله الرئيس الأمريكي عن الوضع في مضيق هرمز وما تشهده شركات الشحن على أرض الواقع. أعلن ترامب في 25 أغسطس/آب أن البحرية الأمريكية إما جمعت أو فجرت جميع الألغام في المياه الدولية لمضيق هرمز. وصفت واشنطن هذه الخطوة بأنها إنجاز كبير في استعادة تدفق النفط والتجارة العالمية. لكن بعد أيام قليلة، أظهر الوضع في المياه أن الأحداث على أرض الواقع كانت بعيدة كل البعد عن رواية البيت الأبيض. قبل الحرب، كان ما معدله 129 سفينة تعبر مضيق هرمز يوميًا. بعد إعلان إزالة الألغام، استقر هذا الرقم عند حوالي 30 سفينة يوميًا. بل إن العديد من هذه السفن فضّلت المرور عبر طرق قريبة من سواحل إيران وعُمان، بدلًا من طريق الشحن الرئيسي في وسط المضيق؛ وهو نفس الطريق الذي تدّعي الولايات المتحدة أنه تم تطهيره وأنه آمن. هذا الفرق العددي أهم من أي تصريح سياسي.

فمضيق هرمز لا يُفتح بأمر من رئيس الولايات المتحدة. لا يُفتح المضيق فعليًا إلا عندما يكون مالكو السفن على استعداد للسماح لسفنهم وشحناتهم التي تُقدّر قيمتها بعشرات أو مئات الملايين من الدولارات بالدخول، وتكون شركات التأمين مستعدة لتغطية المخاطر، ويثق مشغلو الشحن بأن الطريق لن يُغلق مجددًا بعد ساعات قليلة. في الواقع، لا يعتمد الأمن البحري على إزالة الألغام فحسب.

لنفترض أن الولايات المتحدة قد أزالت بالفعل جميع الألغام من الطريق الرئيسي. يبقى السؤال مطروحًا: هل يمكن لسفينة تجارية أن تدخل بأمان منطقةً تشهد حربًا مستمرة، وتتعرض فيها السفن للهجوم، وتُزرع فيها الألغام مجددًا، ولا يزال الطرفان يتنازعان السيطرة على المضيق؟

إجابة السوق واضحة: ليس بالقدر الذي تدّعيه واشنطن. تُظهر إحصاءات حركة السفن ذلك بوضوح.

يزداد هذا الأمر أهميةً عند الأخذ في الاعتبار أن مضيق هرمز يُعدّ من أهم ممرات الطاقة في العالم. قبل الحرب، كان يمر عبره أكثر من 20 مليون برميل من النفط يوميًا، أي ما يُعادل خُمس الاستهلاك العالمي للنفط. لكن بيانات أواخر أغسطس/آب أظهرت انخفاض تدفق النفط عبر المضيق إلى حوالي 5 ملايين برميل يوميًا. لذا، حتى لو قامت الولايات المتحدة بتطهير جزء من المضيق عسكريًا، فإن الوضع الاقتصادي للمضيق لم يعد إلى طبيعته بعد. وهنا تحديدًا يختلف مفهوم "الأمن" عن "صورة الأمن". قد تتمكن الولايات المتحدة من العثور على لغم وتفجيره، وقد تتمكن من تسيير دوريات على طول مسار محدد باستخدام أصول عسكرية وجوية. لكن لا يمكن لتصريح أن يقضي على المخاطر الذاتية التي تواجه شركات الشحن.

لا ينظر مالكو السفن إلى كلمات الرئيس، بل ينظرون إلى احتمالية الهجوم، وتكلفة التأمين، وحالة القوات المسلحة، وسلوك أطراف النزاع، ومستقبل الممر المائي. فإذا كان الخطر مرتفعًا، ستبقى السفينة في الميناء أو ستختار طريقًا آخر، حتى لو قال رئيس أقوى دولة في العالم: "المضيق مفتوح تمامًا".

وهذا يحمل أيضًا رسالة سياسية مهمة. يحاول ترامب تحويل قضية هرمز إلى نصر عسكري للولايات المتحدة: أمريكا أتت، وأزالت الألغام، وفتحت المضيق. لكن سلوك السوق يخلق رواية مختلفة. فإذا استمرت السفن في الامتناع عن المرور، واستمر تعطل إمدادات النفط، واستمر مالكو السفن في رفض دخول الممر الرئيسي، فإن الادعاء بأن "المضيق مفتوح" يصبح مجرد ادعاء سياسي أكثر منه حقيقة اقتصادية.

والأهم من ذلك، أن هذا الوضع يُظهر أن السيطرة على ممر مائي استراتيجي لا تتحدد بوجود السفن الحربية وحدها. بإمكان القوة البحرية الأمريكية تسهيل المرور، لكن القرار النهائي بشأنه يعود لشركة الشحن. وهنا تكمن المفارقة الكبرى.

تقول واشنطن: "الطريق آمن". لكن السوق يقول: "لسنا متأكدين بعد". وتشير إحصاءات حركة الملاحة إلى أن الطريق لا يزال طويلاً للوصول إلى مستويات ما قبل الحرب. هذه هي الفجوة التي قد تكون مكلفة لأمريكا؛ لأن الأمر لا يقتصر على مضيق هرمز فحسب، بل يتعلق أيضاً بالمصداقية. فالقوى العظمى لا تستعرض قوتها بالصواريخ وحاملات الطائرات فحسب، بل يعتمد جزء كبير من قوتها على مدى تصديق الآخرين لروايتها للواقع.

إذا صرّحت واشنطن بأن مضيق هرمز آمن، بينما تتردد شركات الشحن الكبرى في عبوره، فإن ذلك يوجه رسالة بالغة الأهمية إلى السوق، بل وحتى إلى حلفاء أمريكا: الضمانات الأمنية الأمريكية وحدها لم تعد كافية للقضاء على المخاطر.

ويحدث هذا في وقت تتواصل فيه الهجمات العسكرية والتوترات، وتتأثر فيه أسعار النفط بشدة بالأخبار المتعلقة بالمضيق. واليوم فقط، تأثرت أسعار النفط مجدداً بمخاوف بشأن الاضطرابات في مضيق هرمز، في أعقاب تصاعد الصراع الأمريكي الإيراني. لذا، ربما لا تكمن المشكلة الرئيسية في عدد الألغام التي فجرتها الولايات المتحدة، بل في ما إذا كانت قد نجحت في استعادة ثقة السوق في انفتاح المضيق. وحتى الآن، تشير الأرقام وسلوك السفن إلى عكس ذلك. في عالم ترامب، يُعتبر مضيق هرمز مفتوحاً؛ لكن في الواقع، بالنسبة للسفن وشركات التأمين وسوق النفط، لا يزال هرمز أحد أخطر المعابر المائية في العالم. ولعل هذا هو الجزء الأكثر خطورة في القصة: عندما تصر قوة عظمى بشدة على نسختها الخاصة من الواقع لدرجة أن الآخرين يضطرون إلى النظر إلى السلوك الفعلي على أرض الواقع، بدلاً من أقوالها، لاتخاذ القرارات.

رمز الخبر 1973519

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha