وكالة مهر للأنباء: ـ«أرض الصومال» كيانٌ أعلن نفسه من جانب واحد، من دون اعتراف دولي، ويتمتع بهياكل إدارية وحكومية مستقلة، لكنه لا يزال خارج منظومة الشرعية القانونية الدولية. هذا الوضع القانوني الرمادي حوّله إلى مساحة مفتوحة أمام التدخلات الجيوسياسية والأمنية، وبيئة مناسبة لتحركات القوى الإقليمية والدولية الباحثة عن موطئ قدم في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية.
إنّ اعتراف الكيان الصهيوني بأرض الصومال لا يمثّل بداية علاقة جديدة، بقدر ما يكشف عن تعاونات واتصالات سابقة كانت تُدار بعيداً عن الأضواء. فمن منظور تل أبيب، لا تُعدّ أرض الصومال مجرد كيان سياسي ناشئ، بل موقعاً جيوسياسياً ذا قيمة استراتيجية متعددة المستويات.
التهجير السكاني؛ مشروع محكوم بالفشل
من بين أولى السيناريوهات التي طُرحت في بعض الدوائر السياسية، تحويل أرض الصومال إلى وجهة بديلة لتهجير الفلسطينيين قسراً، ولا سيما سكان قطاع غزة. وقد طُرحت هذه الفكرة علناً خلال فترة رئاسة دونالد ترامب، استناداً إلى فرضية مفادها أن تفريغ غزة من سكانها من شأنه إنهاء أحد أعقد التحديات الأمنية التي تواجه إسرائيل.
غير أنّ هذا الطرح اصطدم منذ بدايته بالوقائع التاريخية والاجتماعية والهوياتية للشعب الفلسطيني. فالارتباط الوجودي للفلسطينيين بأرضهم جعل من هذا السيناريو مشروعاً غير واقعي ومحكوماً بالفشل. وهكذا، بقيت فكرة نقل الفلسطينيين إلى أرض الصومال حاضرة في الخطاب السياسي، لكنها عملياً وصلت إلى طريق مسدود.
البحر الأحمر والانسداد الاستراتيجي
التحول المفصلي الآخر في الحسابات الإسرائيلية يتمثل في أزمة الوصول إلى الممرات الحيوية في البحر الأحمر. فقد أدى تدهور الوضع الأمني في هذا الممر، ولا سيما في ظل تطورات الساحة اليمنية والضغوط المتزايدة على الملاحة المرتبطة بإسرائيل، إلى تداعيات خطيرة على الاقتصاد والتجارة والمكانة الاستراتيجية لهذا الكيان.
إنّ تعطل حركة الملاحة في مضيق باب المندب لم يفرض تحديات عسكرية فحسب، بل حمل أبعاداً اقتصادية وسياسية واعتبارية واسعة، ما دفع صناع القرار في تل أبيب إلى البحث عن بدائل جغرافية وقواعد ارتكاز جديدة على سواحل القرن الإفريقي.
في هذا السياق، برزت خيارات عدة، إلا أن مناطق مثل جيبوتي، بسبب قربها الجغرافي من اليمن وارتفاع مستوى هشاشتها الأمنية، لم توفر الاستقرار المطلوب. ونتيجة لذلك، طُرحت أرض الصومال بوصفها خياراً يُنظر إليه على أنه أكثر أمناً وبعداً عن بؤر التهديد المباشر، ما منحها موقعاً متقدماً في الحسابات الاستراتيجية الإسرائيلية.
أرض الصومال ومشروع «إسرائيل الكبرى»
لفهم أعمق لهذه التحركات، لا بد من إدراجها ضمن إطار مشروع «إسرائيل الكبرى»، وهو مفهوم يحتل مكانة مركزية في الخطاب السياسي والأيديولوجي للنخب الحاكمة في إسرائيل. فهذا المشروع لا يقتصر على توسيع الحدود الجغرافية التقليدية، بل يقوم على بناء نطاق نفوذ مستدام في المناطق المحيطة، عبر أدوات عسكرية وأمنية واقتصادية وسياسية.
وفي هذا الإطار، يُنظر إلى الحضور في القرن الإفريقي، ولا سيما في أرض الصومال، باعتباره جزءاً من مخطط بعيد المدى لتعزيز العمق الاستراتيجي الإسرائيلي، بما يسمح بالتأثير في الممرات البحرية والمفاصل الحيوية على مستوى الإقليم.
الضغط الجيوسياسي على مصر والسودان
من النتائج المباشرة لهذا التوجه، تصاعد الضغوط غير المباشرة على كلٍّ من مصر والسودان. فالعلاقات الاستراتيجية التي تربط إسرائيل بإثيوبيا، ولا سيما في ملف سد النهضة، تعكس سعي تل أبيب إلى بناء أدوات ضغط متعددة الاتجاهات على القاهرة. ويُعدّ النفوذ في أرض الصومال والتمركز على سواحل القرن الإفريقي حلقة مكملة لهذا الضغط من الجبهة الجنوبية.
وبهذه المقاربة، يعمل الكيان الصهيوني على إعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمي من دون الانخراط في مواجهة مباشرة مع مصر، معتمداً على شبكة من التحالفات والقواعد المحيطة.
الاتفاق الإبراهيمي؛ إجماع إقليمي غير مكتمل
يمكن النظر إلى ما يُعرف بـ«الاتفاق الإبراهيمي» بوصفه الذراع السياسي والدبلوماسي لهذا المشروع الأشمل، الهادف إلى بلورة نظام إقليمي جديد تتبوأ فيه إسرائيل موقعاً محورياً. غير أن هذا المسار واجه مواقف وقراءات متباينة داخل الإقليم.
ففي حين قبلت بعض الدول بمبدأ التطبيع، فإنها لم تُبدِ استعداداً لتسليم القيادة المطلقة للمنطقة لإسرائيل. في المقابل، ذهبت دول أخرى إلى القبول بدور تابع، ما وضعها عملياً في الفلك الاستراتيجي للولايات المتحدة والكيان الصهيوني. وقد أفضت هذه الازدواجية إلى تعميق التوترات والتنافسات داخل الإقليم.
جنوب اليمن؛ ساحة صراع مسارين
تتجلى هذه الانقسامات الاستراتيجية بوضوح في تطورات جنوب اليمن، الذي تحوّل إلى ساحة صراع بين مسارين مختلفين لمستقبل النظام الإقليمي: مسار يسعى إلى الانخراط في الترتيبات الجديدة مع الحفاظ على قدر من الاستقلال والمشاركة المتوازنة، ومسار آخر يقوم على الاصطفاف الكامل مع محور الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، وقبول الدور القيادي المباشر لإسرائيل في المنطقة.
وقد أدى تصادم هذين المسارين إلى صراعات عسكرية وسياسية طويلة الأمد، تجاوزت آثارها حدود اليمن لتطال الإقليم بأسره.
العراق؛ المتغير المستقل في المعادلة
في خضم هذا المشهد المركّب، يحتل العراق موقعاً خاصاً ومختلفاً. فبنيته الاجتماعية والسياسية، ولا سيما الدور المحوري للمرجعية الدينية بوصفها قوة وطنية واجتماعية وأخلاقية راسخة، جعلته أقل قابلية لأنماط التدخل الخارجي السائدة في المنطقة. وقد فرض هذا الواقع قيوداً فعلية على قدرة القوى الخارجية على التأثير، رغم محاولاتها المستمرة.
وعليه، لا يُعدّ العراق مجرد ساحة تنافس بين أطراف خارجية، بل يشكّل عاملاً فاعلاً ومؤثراً في صياغة توازنات المنطقة المستقبلية.
خلاصة
لا يمكن النظر إلى ما يجري اليوم في أرض الصومال، والبحر الأحمر، واليمن، والقرن الإفريقي بوصفه سلسلة أحداث منفصلة أو ظرفية، بل هي عناصر مترابطة ضمن مشروع شامل لإعادة ترتيب النظام الإقليمي. مشروع يسعى إلى تثبيت التفوق الاستراتيجي للكيان الصهيوني، لكنه يواجه تحديات جدية، من مقاومات ميدانية، وانقسامات داخل معسكر حلفائه، إلى حقائق اجتماعية عميقة يصعب تجاوزها.
وفي ظل هذه المعطيات، فإن مآلات هذا المشروع لا تتوقف فقط على إرادة القائمين عليه، بل ترتبط بدرجة وعي الشعوب، وبمستوى الاستقلالية والذكاء الاستراتيجي الذي تُبديه القوى الإقليمية في تعاملها مع هذه التحولات؛ وهو عامل قد يرسم ملامح مستقبل المنطقة على نحو مغاير لما يُخطط له.
بقلم: الشيخ محمد هادي ملكي محلل في الشؤون السياسية و الدولية:
تعليقك