وكالة مهر للأنباء: أعاد تسريب الرئيس الأمريكي إيمانويل ماكرون لمحادثته الخاصة مع دونالد ترامب، قضية إيران إلى صدارة المشهد الدبلوماسي المليء بالغموض. فقد أثارت عبارة " الامور الكبيرة بشأن إيران" المبهمة التي استخدمها ماكرون في هذه المحادثة تساؤلاً هاماً لدى الرأي العام: ما هو الهدف الدقيق، وفي أي إطار، الذي تسعى فرنسا من خلاله إلى جعل الملف الإيراني موضوعاً للنقاش أو الاتفاق مع ترامب؟
لم يعد تسريب الرئيس الأمريكي لرسالة خاصة مجرد تهور شخصي، بل أصبح قضية دبلوماسية ذات تداعيات سياسية. فبنشره جزءاً من محادثته الخاصة مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، كشف دونالد ترامب عن تصريحات تحدث فيها صراحةً عن إمكانية "أعمال كبيرة بشأن إيران"؛ وهي عبارة غامضة ولكنها ذات دلالة، باتت الآن محط اهتمام الأوساط السياسية والإعلامية.
لا يُعتبر قيام ترامب بنشر محادثة سرية انتهاكًا صريحًا لأعراف الدبلوماسية بين الحلفاء الغربيين فحسب، بل كشف أيضًا عن الصفقات السرية المتعلقة بدول الشرق الأوسط بشكلٍ أوضح من أي وقت مضى. في ظل بيئة لطالما مثّلت فيها "السياسة تجاه إيران" نقطة خلاف، أو على الأقل موضع تفاوض، بين أوروبا والولايات المتحدة، أثار هذا الكشف تساؤلات جدية حول طبيعة هذه "الصفقات الكبرى" ونطاقها وأهدافها؛ لا سيما وأن فرنسا لطالما سعت إلى لعب دور الوساطة والتوازن، أو حتى دور أكثر استقلالية من واشنطن، في علاقتها مع طهران.
والسؤال الأهم الآن هو: ما الذي يسعى إليه إيمانويل ماكرون تحديدًا تجاه إيران، والذي يراه ممكنًا بالتنسيق أو الشراكة مع دونالد ترامب؟ هل هو إعادة تعريف للضغط، أم إحياء للقنوات الدبلوماسية، أم ربما اتفاق جديد في ظل التوترات الإقليمية؟ لقد وضعت خطوة ترامب، التي لم تكن مفاجئة تمامًا، فرنسا، دون قصد، في موقفٍ يُلزمها بالتعبير بوضوح أكبر عن نواياها واستراتيجيتها تجاه إيران.
باريس: من الوصاية التاريخية إلى التهميش الاستراتيجي
تُعدّ فرنسا وريثة دورٍ في الشرق الأوسط يعود إلى اتفاقية سايكس بيكو؛ وهي اتفاقية استعمارية وضعت باريس في موقع الوصاية على سوريا ولبنان. ولعقودٍ بعد استقلال البلدين رسميًا، سعى السياسيون الفرنسيون إلى الحفاظ على هذه "الرعاية السياسية" بأشكالٍ مختلفة. فمن التأثير الثقافي واللغوي إلى التدخل السياسي والأمني، لطالما اعتبرت فرنسا نفسها مُخوّلة بالتدخل في معادلات بلاد الشام؛ وهو رأيٌ استند إلى حنين القوة الاستعمارية أكثر من استناده إلى واقع المنطقة الجديد.
إلا أن التطورات في العقد الماضي أظهرت أن سياسات قصر الإليزيه لم تُرسّخ هذا الدور التقليدي فحسب، بل أدّت أيضًا إلى تآكلٍ خطيرٍ لمكانة فرنسا في الشرق الأوسط. فمن فشلها في إدارة الملف اللبناني بعد انفجار مرفأ بيروت إلى تهميش الأزمة السورية وترك الساحة لجهاتٍ أكثر فاعلية، قلّصت باريس دورها فعليًا من فاعلٍ مؤثر إلى مُراقبٍ غير فعّال. لم يعد الشرق الأوسط الجديد يقبل بالوصاية الرمزية والنصائح الأبوية.
وفيما يتعلق بإيران، لطالما كانت فرنسا في الجانب الخاسر من المعادلة؛ فمن لعب دور "الشرطي السيئ" في المفاوضات النووية إلى الانحياز لسياسات الضغط وتأمين مصالح الغرب الأمنية والتسلحية على حساب تقويض مسار الدبلوماسية، فضّلت باريس مرارًا وتكرارًا اللعب في ساحة الضغط والتهديدات والحسابات قصيرة المدى، بدلًا من استغلال قدراتها كطرف متوازن؛ وهو خيار لم يُحقق مكاسب دائمة لفرنسا فحسب، بل أدى أيضًا إلى تآكل ثقة طهران بها ومصداقيتها لديها.
على الرغم من هذا التاريخ المتوتر، لم تخلُ العلاقات بين طهران وباريس تمامًا من التعاون، وفي بعض الأحيان، سعت فرنسا إلى إقامة تعاون سياسي واقتصادي مع إيران؛ إلا أن هذا التعاون كان أقرب إلى كونه نتاجًا للظروف السياسية والاعتبارات عبر الأطلسية منه إلى تعاون استراتيجي راسخ.
على الصعيد متعدد الأطراف، لطالما فضّلت فرنسا تحديد دورها تجاه إيران في إطار الاتحاد الأوروبي وبما يتماشى مع الولايات المتحدة؛ وهو نهج دفع باريس إلى التراجع سريعًا حتى في اللحظات الحرجة التي كان بإمكانها فيها الوقوف باستقلالية أكبر في وجه ضغوط واشنطن. وقد أظهر انسحاب الشركات الفرنسية من السوق الإيرانية بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، وعجز أوروبا عن الوفاء بالتزاماتها الاقتصادية، بوضوح أن تاريخ التعاون بين طهران وباريس، وإن كان حقيقيًا، إلا أنه كان يفتقر إلى الضمانات السياسية والاستقلالية الاستراتيجية.
الفجوة في الأطلسية: عندما تصبح إيران حلاً وسطًا
في الأشهر الأخيرة، دخلت العلاقات بين أوروبا والولايات المتحدة مرحلة من التوتر وانعدام الثقة، لم يعد بالإمكان اعتبارها مجرد خلافات تكتيكية. في قضية أوكرانيا، تتجلى بوضوح اختلافات بين واشنطن والعواصم الأوروبية؛ حيث باتت الولايات المتحدة أكثر اهتمامًا من أي وقت مضى بمصالحها الداخلية وأولوياتها الداخلية، بينما لا تزال أوروبا تعاني من التداعيات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية المباشرة للحرب. وقد أثار هذا التباين تساؤلات جدية حول مفهوم "الوحدة الاستراتيجية الغربية" الراسخ.
في الوقت نفسه، أعادت قضايا مثل غرينلاند ونظرة أمريكا النفعية إلى حلفائها الأوروبيين إحياء حساسية القارة الخضراء التاريخية تجاه أحادية واشنطن. ويرى العديد من القادة الأوروبيين أن مواقف دونالد ترامب وتصريحاته بشأن غرينلاند لا تُعتبر مجرد نزاع جغرافي، بل رمزًا لتجاهل أمريكا لمصالح أوروبا وخطوطها الحمراء. وفي ظل هذه الظروف، باتت الثقة المتبادلة في العلاقات عبر الأطلسي أكثر هشاشة من أي وقت مضى.
كتب وزير الخارجية سيد عباس عراقجي على حسابه في موقع إكس يوم الأربعاء، ردًا على انتقادات رئيسة المفوضية الأوروبية لنهج الرئيس الأمريكي: "عندما تنتهك الولايات المتحدة الأمريكية اتفاقية وُقِّعت مع الاتحاد الأوروبي قبل ستة أشهر فقط، تتدخل السيدة أورسولا فون ديرلاين فجأة لتؤكد أن "الاتفاق في السياسة، كما في الأعمال، اتفاقٌ ملزم"، وأن المصافحة بين الطرفين تعني بالضرورة صحة الاتفاق.
وأشار رئيس السلك الدبلوماسي إلى أن مأزق الاتحاد الأوروبي الحالي، للأسف، هو ما يُسمى "أثرًا عكسيًا"، قائلًا: "عندما ألغى ترامب الاتفاق النووي الإيراني من جانب واحد خلال ولايته الأولى، سارت معه الترويكا الأوروبية والاتحاد الأوروبي بحزم، بل وساعدوه. وكان ينبغي عليهم، في ذلك، أن يأخذوا في الحسبان عواقب ما يحدث اليوم".
وأكد عراقجي: "يمكن استخلاص درس واضح وجلي من هذه الأحداث: إما أن "جميع الاتفاقات ملزمّة"، أو "المصافحات لا قيمة لها". هذا واضح وضوح الشمس، ولن تكون عاقبة هذا الأمر سوى انهيار النظام الدولي. خير مثال على ذلك تهديد ترامب بالاستيلاء على غرينلاند بأي وسيلة ممكنة، وهو أمر، رغم كونه غير قانوني تمامًا بموجب القانون الدولي، بل وحتى بموجب "النظام القائم على القواعد"، إلا أنه ما تستحقه أوروبا.
في غضون ذلك، يبدو أن بعض العواصم الأوروبية، بما فيها باريس، تحاول تصوير إيران كحل وسط في رأب هذا الصدع؛ قضية يمكن أن تكون ورقة مساومة مع واشنطن، ودليلًا على الشراكة الاستراتيجية بين أوروبا والولايات المتحدة. ويمكن تحليل فكرة "الإيجابيات الكبيرة في إيران" في سياق الحديث مع ترامب.
في مؤتمره الصحفي الاسبوع الماضي، أشار إسماعيل بقائي، المتحدث باسم وزارة الخارجية، إلى الموقف المتشدد للدول الأوروبية تجاه إيران ودعم الدنمارك لهذه الدول في اجتماع مجلس الأمن الدولي، وقال بخصوص موقف إيران من قضية غرينلاند: "بصفتنا دولةً تؤمن بمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وتؤكد على ضرورة احترام وحدة أراضي الدنمارك. موقفنا من غرينلاند واضح. إن وجود اختلاف في الرأي بين أوروبا والولايات المتحدة بشأن غرينلاند وأيسلندا لا يُعد دليلاً على رغبة بعض الدول الأوروبية في رأب الصدع مع الولايات المتحدة عبر وضع علاقاتها مع إيران على جدول الأعمال وإرسال رسائل ودية إلى الولايات المتحدة، ولا منطق في ذلك على الإطلاق."
الكرة في ملعب الإليزيه/ اختبار باريس للشفافية في الملف الإيراني
على عكس ادعائه بـ"الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي"، أدت سياسة إيمانويل ماكرون الخارجية في السنوات الأخيرة إلى إضعاف الدور الدبلوماسي لباريس بدلاً من تعزيز مكانة فرنسا في النظام الدولي. فمن الشرق الأوسط إلى أوروبا الشرقية، تراجعت فرنسا تدريجياً من فاعل مؤثر إلى مجرد طرف منفعل؛ دولة عاجزة عن القيادة المستقلة أو إظهار مبادرة حاسمة ضمن إطار التحالفات الغربية. ونتيجةً لذلك، تهمّشت باريس في قضايا كانت تعتبر نفسها فيها خبيرة ومؤهلة.
في ظل هذه الظروف، لا تُعدّ خطة "الأعمال الكبيرة بشأن إيران" المبهمة دليلاً على مبادرة دبلوماسية، بل انعكاساً لهذا الضعف الاستراتيجي. ففرنسا، التي تراجعت في منعطفات حاسمة عن الوفاء بالتزاماتها ولم تُظهر استقلالاً أمام الضغوط الأمريكية، تحاول اليوم العودة إلى مركز المفاوضات عبر طرح بيانات عامة فارغة من المضمون. لكن التجارب السابقة أثبتت أنه بدون تحديد واضح للأهداف والوسائل والخطوط الحمراء، فإن مثل هذه الأفكار ستخلق مزيدًا من انعدام الثقة بدلًا من الفرص.
والآن، بعد كشف دونالد ترامب عن المحادثة الخاصة، باتت الكرة في ملعب باريس. سيتعين على إيمانويل ماكرون توضيح ما يقصده بـ"الأعمال الكبيرة" تجاه إيران؛ هل هو التعاون الدبلوماسي، أم الضغط السياسي، أم اتفاق في إطار إصلاح العلاقات عبر الأطلسي؟ إن الصمت أو الغموض في هذه المرحلة لن يُحسّن موقف فرنسا فحسب، بل سيُظهر أيضًا بوضوح ارتباك قصر الإليزيه المستمر وضعفه الاستراتيجي في واحدة من أهم ملفات السياسة الخارجية في الشرق الأوسط.
/انتهى/
تعليقك