١٢‏/٠٢‏/٢٠٢٦، ١٠:٥٨ م

الحرب التي لن تكون محدودة

الحرب التي لن تكون محدودة

يغيب عن ذهن الامريكيين عندما يتحدثو عن الحرب ضد ايران ان إيران ليست دولة معزولة بلا وسائل للرد، بل هي فاعل راسخ يمتلك قدرات دفاعية وإقليمية واسعة. أي هجوم مباشر على الأراضي الإيرانية لن يتوقف عند هذا الحد، وسيتجاوز نطاقه سيطرة المخططين الأصليين.

وكالة مهر للأنباء- القسم الدولي: في الأسابيع الأخيرة، عادت الهمسات تتردد حول إمكانية قيام الولايات المتحدة بعمل عسكري ضد إيران. يعتقد البعض في واشنطن أن هجومًا محدودًا وموجهًا بدقة كفيل بتغيير المعادلة واحتواء الأزمة. تستند هذه الفكرة إلى نوع من التفاؤل الاستراتيجي أكثر من استنادها إلى الواقع الميداني. فإيران ليست دولة معزولة بلا وسائل للرد، بل هي فاعل راسخ يمتلك قدرات دفاعية وإقليمية واسعة. أي هجوم مباشر على الأراضي الإيرانية لن يتوقف عند هذا الحد، وسيتجاوز نطاقه سيطرة المخططين الأصليين.

إن البنية الأمنية لمنطقة غرب آسيا شديدة الترابط. فالقواعد الأمريكية منتشرة في دول مختلفة، وتمر خطوط الطاقة والتجارة العالمية عبر ممرات مائية حساسة. في ظل هذه الظروف، لن يُقدم أي عمل عسكري ضد إيران بمعزل عن الواقع. على مدى العقدين الماضيين، بنت إيران شبكة من القدرات الرادعة القائمة على قوة الصواريخ وقدرات دفاعية متنوعة. هذه القدرات ليست استعراضية، بل مصممة لتغيير حسابات العدو. يجب أن يأخذ أي قرار في واشنطن في الحسبان أن أي رد إيراني قد يُؤدي إلى تصعيد الموقف بسرعة.

أكدت إيران مرارًا وتكرارًا أنها لن تبدأ الحرب، لكنها لن تصمت أمام العدوان. هذا الموقف ليس مجرد شعار سياسي، بل هو جزء لا يتجزأ من عقيدة الدفاع لدى الجمهورية الإسلامية. وتلعب قوة الصواريخ الإيرانية، التي شهدت نموًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة، دورًا محوريًا في هذا الردع. فمدى هذه الأنظمة ودقتها يسمحان لها باستهداف مواقع متعددة في المنطقة. وأي قاعدة تشارك في هجوم على إيران ستُعتبر جزءًا من ساحة المعركة، ولن تكون بمنأى عن الرد.

على من يتحدثون عن هجوم محدود أن يوضحوا كيف يعتزمون احتواء تداعياته. فإذا استُخدمت قاعدة في دولة مجاورة لعمليات ضد إيران، فإن تلك الدولة ستدخل فعليًا في معادلة الحرب. في مثل هذه الظروف، لا تستطيع إيران التمييز بين الأراضي الأمريكية وأراضي الدولة التي استضافت العملية. منطق الردع يقتضي تحييد مصدر التهديد. هذا الواقع يعني أن الحرب تتجاوز بسرعة المستوى الثنائي إلى المستوى الإقليمي.

تكلفة لا تقتصر على الحدود

على مدى السنوات الماضية، سعت الدول العربية في المنطقة إلى اتباع مسار التنمية الاقتصادية وجذب رؤوس الأموال. تتطلب المشاريع الطموحة في مجالات الطاقة والسياحة والتكنولوجيا بيئة مستقرة. من شأن الدخول في حرب إقليمية أن يعرقل هذه العملية بشكل خطير. ستصبح البنية التحتية الحيوية، بما في ذلك المصافي والموانئ والمطارات، عرضة لأي توتر واسع النطاق. ستتفاعل الأسواق المالية بسرعة، وسيتم سحب رؤوس الأموال من هذا القطاع المحفوف بالمخاطر. لا يمكن لأي دولة على الخليج الفارسي أن تعتبر نفسها بمنأى عن عواقب مثل هذه الأزمة.

علاوة على ذلك، ستصبح الممرات المائية الاستراتيجية في المنطقة بؤرة لانعدام الأمن في حال نشوب حرب. إن مرور جزء كبير من طاقة العالم عبر هذه الممرات سيجعل لأي اضطراب فيها تأثير عالمي. قد يبدو ارتفاع أسعار النفط والغاز على المدى القصير مغريًا لبعض المنتجين، لكن عدم الاستقرار على المدى الطويل سيضر بالجميع. لقد أظهرت تجربة السنوات الماضية أن استمرار انعدام الأمن يعيق التنمية ويزيد الإنفاق العسكري. في مثل هذه البيئة، لن يكون هناك رابح.

الرسالة الواضحة لدول المنطقة هي عدم السماح بتحويل أراضيها وأجوائها إلى ساحة للهجوم. فالمشاركة المباشرة أو غير المباشرة في أي عمل عسكري ضد إيران تعني التعرض لرد مماثل. هذا التحذير لا ينبع من التهديد نفسه، بل من منطق واضح للمعادلات الأمنية. لن تصمت إيران أمام أي هجوم، وستوسع نطاق الرد ليشمل مصدر التهديد. لذا، يقتضي المنطق أن تتجنب حكومات المنطقة أي عمل يجعلها طرفًا في الأزمة.

في السنوات الأخيرة، ظهرت بوادر تحسن في العلاقات بين إيران وبعض جيرانها العرب. ويمكن للحوار الدبلوماسي والاتفاقيات الأمنية أن تشكل أساسًا لتشكيل نظام إقليمي جديد. إن دخول الولايات المتحدة في مغامرة عسكرية من شأنه أن يدمر هذه العملية ويخلق انقسامات جديدة. يجب على الدول التي تسعى اليوم إلى تنويع علاقاتها الخارجية ألا تسمح لنفسها بالوقوع في فخ التنافس بين القوى العظمى. فالابتعاد عن نار أزمة واسعة النطاق سيعزز استقرارها الداخلي.

شرارة خطيرة في مخازن البارود

بالنسبة للولايات المتحدة، قد تبدو فكرة شنّ عملية منخفضة التكلفة ضد إيران مغرية، لكن التجارب السابقة تُشير إلى عكس ذلك. فمنطقة غرب آسيا أشبه ببرميل بارود يُمكن أن تُشعل فيه شرارة صغيرة. ويُعرّض وجود القوات الأمريكية في مختلف أنحاء المنطقة هذه الدول لردود فعل متبادلة. وأي هجوم على إيران لن يُثير ردًا مباشرًا من طهران فحسب، بل سيُؤدي أيضًا إلى موجة من عدم الاستقرار في جميع أنحاء المنطقة. ولن يكون التعامل مع مثل هذا الوضع سهلًا حتى بالنسبة لقوة كالولايات المتحدة.

إلى جانب البُعد العسكري، يجب أيضًا مراعاة العواقب السياسية. فالحرب واسعة النطاق ستُؤجّج الرأي العام في المنطقة وتضع الحكومات العربية في موقف حرج. وسيزداد الضغط الداخلي للنأي بأنفسهم عن الولايات المتحدة، وستتعمق الانقسامات الاجتماعية. وقد يُمهّد هذا الوضع الطريق أمام اضطرابات جديدة تعجز العديد من الحكومات عن السيطرة عليها. لذلك، لن يكون قرار الهجوم عملًا منفردًا، بل بداية لسلسلة من التطورات غير المتوقعة.

وقد أظهرت إيران أنها تُعزّز تماسكها الداخلي في مواجهة الضغوط الخارجية. أي تهديد خارجي سيعزز إرادتها في الدفاع عن نفسها بدلاً من إضعافها. لذا، على من يظنون أن بإمكانهم إجبار إيران على التراجع بضربة عسكرية أن يعيدوا النظر في حساباتهم. إن رد إيران القوي جزء من استراتيجيتها الردعية، وقد تم توضيح هذه الرسالة جلياً. أي قاعدة تشارك في الهجوم ستكون في مرمى النيران، وهذه حقيقة لا يمكن تجاهلها.

في نهاية المطاف، المنطقة في أمسّ الحاجة إلى السلام والتعاون. مشاريع التنمية وخطط الربط الإقليمي تُصبح منطقية في بيئة آمنة. إن اندلاع حرب إقليمية سيُلقي بظلاله على كل هذه الآفاق. تحذير اليوم هو دعوة إلى التعقل. على أمريكا أن تُدرك أن اللعب بالنار في مثل هذه البيئة قد يُشعل لهيباً لا يُمكن احتواؤه. كما يجب على الدول العربية أن تنأى بنفسها عن أي عمل يُعرّضها لهذا اللهيب، وأن تُراعي مصالحها الوطنية.

رمز الخبر 1968368

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha