وكالة مهر للأنباء: النفوذ هو مفهوم تستخدمه القوى الإقليمية والدولية للتأثير طويل الأمد على بيئتها المحيطة، وينقسم هذا المفهوم إلى نوعين: النفوذ الصلب والناعم. على عكس النفوذ الصلب الذي يُمارس بالأدوات العسكرية والاقتصادية، يتشكل النفوذ الناعم في صميم المعتقدات والعقول والمشاعر ويكون أكثر ديمومة. في هذا السياق، تُعد اللغة إحدى أهم وأكثر أدوات النفوذ الناعم فعالية في المجتمعات المستهدفة.
اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل؛ بل هي حاملة للثقافة والقيم ونمط الحياة والنموذج الذهني والرؤية العالمية. عندما تُتعلم لغة ما، فإن الخطوة الأولى نحو القبول التدريجي لثقافة وعقلية منتجي تلك اللغة تدخل أيضاً إلى ذهن متعلم اللغة. لذلك، تجاوزت اللغة مكانة الأداة البحتة وأصبحت أداة استراتيجية في السياسة الخارجية للدول، وخاصة المستعمرين الجدد مثل الولايات المتحدة.
تستخدم الولايات المتحدة الأمريكية اللغة الإنجليزية كخطوة أولى للنفوذ الناعم في البلدان المستهدفة منذ سنوات. لذلك، من خلال المنظمات التعليمية غير الربحية مثل منظمة وورلد ليرنينج (التعليم العالمي)، تروج للغة الإنجليزية بشكل مباشر أو غير مباشر من خلال تنفيذ برامج. البرامج غير المباشرة لهذه المنظمة التي تُنفذ باللغة الإنجليزية في العراق هي: الأطفال قادرون على البرمجة، التوظيف وريادة الأعمال في البصرة، تطوير المهارات المهنية في جنوب العراق، إرشاد مهني بوصلة، الاستثمار في جامعة الأنبار، تلبية احتياجات الناجين، قيادة الزوار الدوليين، شبكة مبرمجي الجيل القادم، منحة تعزيز مهارات القيادة[1]، و آيلب. في الوقت نفسه، لتشجيع وتعليم اللغة الإنجليزية في المجتمع العراقي الذي يتمتع باللغة العربية الغنية والدولية، تنفذ وورلد ليرنينج برنامج أوبن بين مختلف شرائح المجتمع العراقي، وخاصة الفئة المتعلمة.
- برنامج أوبن[2]
برنامج أوبن هو برنامج تبادل ثقافي يركز على تعزيز مهارات اللغة الإنجليزية، ويوفر فرصاً للتعلم عبر الإنترنت للمعلمين ومتعلمي اللغة المحترفين للمشاركة في برنامج تبادل ثقافي مع تعزيز هذه المهارة وتحسين قدرتهم على التدريس. لهذا الغرض، يهدف هذا البرنامج إلى تدريب متخصصين لتعليم اللغة الإنجليزية.
برنامج أوبن هو برنامج عالمي يُقام منذ عام 2017 بدعم من السفارات الأمريكية في البلدان المستهدفة. تتم المشاركة في هذه البرامج من خلال عملية اختيار تُجريها هذه السفارات[3]. يُقام هذا البرنامج في ثلاث فئات: ندوات عبر الإنترنت لمدة ساعة واحدة، ودورات ذاتية التعلم لمدة 5 أسابيع، ودورات تفاعلية لمدة 8 أسابيع[4].
في جميع هذه البرامج، اللغة الإنجليزية ليست فقط منصة للتواصل، بل هي بوابة للدخول إلى مجموعة من القيم الأمريكية مثل نمط الحياة الفردي، والحريات المدنية الغربية، والنظرة الخاصة للدين والسياسة والاقتصاد. الشخص الذي يتعلم اللغة الإنجليزية للدخول في هذه البرامج، يتعرف ويتكيف لا إرادياً مع المصادر الثقافية الأمريكية، ووسائل الإعلام الغربية، وفي النهاية الخطاب المتمحور حول أمريكا.
في هذا المسار، ما يُعلّم هو اللغة أو غيرها من المهارات الناعمة مثل مهارات القيادة، والهدف النهائي منها هو النقل الهادئ والمستمر للثقافة والقيم الأمريكية إلى المجتمعات وتنشئة جيل جديد بلغة وعقلية وقيم غربية مستهدفة. مسار يؤدي إلى ترسيخ نفوذ ووجود الولايات المتحدة المستدام في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية-الاجتماعية في العراق. بلد تولي له أمريكا اهتماماً خاصاً بسبب موقعه الجيوسياسي والجيواقتصادي. يمكن رؤية مثال واضح لهذا النفوذ في نقاط التحول السياسية والاجتماعية مثل احتجاجات أكتوبر 2019، حيث شكل الأفراد المدربون في هذه الدورات، العناصر الرئيسية للسيناريوهات الغربية في العراق. لذلك، يمكن القول إن اللغة في هذا المسار هي سلاح صامت ولكنه فعال بعمق؛ لغة تجعل النفوذ ممكناً ودائماً وبدون تكلفة.
[1]- تمت مناقشة جميع هذه البرامج في مذكرات سابقة.
[2]- The Online Professional English Network Program(OPEN)
[3]- World Learning. (2023) Online Professional English Network Program (OPEN Program). Retrieved from: https://www.worldlearning.org/program/online-professional-english-network-program/
[4]- OPEN. (2023) About the OPEN Program. Retrieved from: https://openenglishcommunity.org/page/about-the-open-program
تعليقك