وكالة مهر للأنباء- الكاتبة والاعلامية، رانيا كامل: مع انطلاق الحرب العدوانية الصهيوالامريكية، يلوح في الأفق إغلاق مضيق هرمز كأخطر رد استراتيجي في التاريخ الحديث. إنها مواجهة كسر العظام التي قد تطفئ أنوار العواصم الكبرى، وتضع العالم أمام زلزال جيوسياسي لم تشهده البشرية منذ عقود.
فقد بدأت فصول الحرب الكارثية بلحظة فارقة تتجاوز حدود الخيال السياسي، حين أعلن العالم الاستنفار على وقع أنباء اغتيال القيادة العليا في إيران، وعلى رأسها قائد الثورة الإسلامية السيد علي الخامنئي، برفقة حشد من كبار القادة العسكريين والسياسيين والدبلوماسيين في ضربة خاطفة ومنسقة.
إن هذا الاستهداف المباشر لرموز الدولة وسدة قرارها لا يمثل مجرد "عملية جراحية" عسكرية، بل هو إعلان صريح بإنهاء قواعد الاشتباك التقليدية والدفع نحو "الفوضى الشاملة". فغياب رأس الهرم السياسي والدبلوماسي في لحظة واحدة يضع الدولة الإيرانية أمام اختبار الوجود، ويحول العاصمة طهران إلى ساحة من الذهول الذي سرعان ما ينقلب إلى غضب عارم عابر للحدود، حيث تفقد الدبلوماسية لغتها وتصبح لغة الصواريخ ضد الكيان الغاشم والقواعد والأهداف الأميركية في المنطقة هي المسار الوحيد المتبقي لإثبات الحضور والرد على "الاعتداء الوحشي".
كما أنه لم تتوقف فصول هذه الاعتداءات الهمجية عند تصفية القيادات، بل امتدت لتشمل استهدافاً ممنهجاً للمنشآت الحيوية والسيادية، من المفاعلات النووية ومراكز الأبحاث إلى محطات توليد الطاقة وشبكات الاتصال الكبرى. هذا التدمير للبنية التحتية يهدف إلى شل قدرة الدولة على الاستجابة وإغراق المدن في ظلام تقني ومعيشي، مما يخلق ضغطاً إنسانياً هائلاً على الملايين من السكان.
ومع تصاعد ألسنة اللهب من المنشآت النفطية والمراكز الحيوية، تبدأ الردود العسكرية الإيرانية المتبقية باتخاذ قرارها الأكثر خطورة في تاريخ المنطقة، وهو الإطباق الكامل على مضيق هرمز، الممر المائي الذي يربط عصب الصناعة العالمية بمنابع الطاقة في الخليج، لتبدأ المرحلة الأكثر قسوة في هذا الصراع العالمي.
حيث أن إغلاق مضيق هرمز في أعقاب هذا الانهيار القيادي يمثل "الرصاصة القاتلة" للاستقرار الاقتصادي الدولي، فالمضيق الذي يعبره خُمس النفط العالمي يتحول فجأة إلى منطقة عمليات مغلقة، مما يقطع شريان الحياة عن القوى الكبرى في الشرق والغرب على حد سواء. هذا الإغلاق القسري لا يرفع أسعار النفط إلى مستويات جنونية فحسب، بل يضرب سلاسل التوريد العالمية في مقتل، ويضع الدول الصناعية الكبرى أمام عجز طاقوي لا يمكن تعويضه عبر المسارات البديلة أو الأنابيب الالتفافية التي تظل طاقتها محدودة للغاية مقارنة بفيض الخام الذي كان يتدفق عبر المضيق.
ولا يكتمل مشهد الانفجار الكبير دون الالتفات إلى "وحدة الساحات" التي ستتحول من شعار استراتيجي إلى واقع ميداني محترق، حيث لن تقف القوى المتحالفة مع طهران في المنطقة موقف المتفرج أمام تعرض المركز لعدوان غاشم وحشي. لذلك فإن تفعيل جبهات المقاومة من لبنان إلى اليمن وصولاً إلى العراق سيعني تحويل القواعد العسكرية والمصالح الغربية في المنطقة إلى أهداف مشروعة، مما يؤدي إلى تشتيت القدرات الدفاعية للمعتدين وإغراق الإقليم في حرب استنزاف كبرى لا تعرف الجغرافيا حدوداً لها. هذا الرد المنسق والشرس سيعيد صياغة مفهوم "الردع الجماعي"، مؤكداً أن المساس برأس الهرم في طهران هو بمثابة تفجير صاعق في حقل ألغام يمتد من البحر الأبيض المتوسط إلى المحيط الهندي، ليقف العالم في نهاية المطاف أمام حقيقة مرعبة: أن محاولة كسر إرادة أمة عبر الاغتيالات والدمار لن تؤدي إلا إلى عالم بلا طاقة، وبلا استقرار، وبلا طرق عودة إلى ما كان عليه الحال قبل اندلاع الشرارة الأولى.
وفي الختام، يمكن القول أن المشهد الذي يبدأ باغتيال القمة وينتهي بإغلاق مضيق هرمز ليس مجرد جولة عسكرية عابرة، بل هو إعلان رسمي عن انهيار التوازنات التي حكمت العالم لجيل كامل. فمحاولة تحييد القيادة الإيرانية وتدمير منشآتها الحيوية لم تنجح في خلق فراغ سياسي، وستفشل حتماً في احتواء الانفجار الاقتصادي والميداني الذي سيعقب ذلك؛ فالعالم الذي استيقظ على خبر غياب "صناع القرار" في طهران، سيبيت على حقيقة مريرة تتمثل في انقطاع شريان الطاقة العالمي وغرق الإقليم في حرب استنزاف شاملة. وفي نهاية المطاف، سيقف التاريخ طويلاً أمام هذه اللحظة، ليتساءل: هل كان ثمن "الاعتداء الوحشي" يستحق إطفاء أنوار "الحضارة الحديثة"، وهل يدرك المقامرون بالجغرافيا السياسية أن كسر إرادة الشعوب عبر بوابة الاغتيالات لا يولد إلا فوضى لا تستثني أحداً، ولا تترك وراءها سوى رماد نظام عالمي كان يظن نفسه محصناً ضد الزلازل؟
/انتهى/
تعليقك