وكالة مهر للأنباء: يُعدّ توسيع نطاق العدوان على البنية التحتية الحيوية لإيران، من مصافي النفط ومجمعات البتروكيماويات إلى صناعات الصلب، تحولاً استراتيجياً خطيراً قد يدفع المنطقة بأسرها إلى مرحلة أكثر اضطراباً وتكلفة. عندما تتحول الأهداف من المراكز العسكرية إلى شرايين الاقتصاد والصناعة في البلاد، تصبح الرسالة واضحة: لقد تجاوزت الحرب مستوى السيطرة وتتجه نحو "صراع شامل". في مثل هذه الحالة، لا يبقى أي طرف في مأمن، لا سيما الدول التي تلعب، بوعي أو بغير وعي، دوراً في هذا المسار بأي شكل من الأشكال.
الحقيقة هي أن البنية التحتية للطاقة والصناعة في إيران لا تقتصر وظيفتها على الجانب الاقتصادي فحسب، بل هي جزء من القوة الوطنية وعنصر حيوي في صمود البلاد في ظروف الحرب. استهدافها يعني محاولة تعطيل الحياة اليومية للناس والضغط على صانعي القرار الرئيسيين. مع ذلك، أثبتت التجربة أن هذا النهج لا يحقق النتائج المرجوة للمخططين فحسب، بل غالبًا ما يؤدي إلى ردود فعل أشد وأوسع نطاقًا. فالحرب المرتبطة بالاقتصاد وسبل العيش لم تعد محصورة بخطوط التماس، بل تمتد لتشمل العمق الاستراتيجي للأطراف.
وفي الوقت نفسه، يثير القلق الأكبر دور بعض الدول العربية المطلة على الخليج الفارسي في هذه المعادلة. تشير الدلائل والأدلة المتوفرة إلى أن الولايات المتحدة تستغل القدرات اللوجستية، وأحيانًا العملياتية، لهذه الدول لتعزيز عملياتها، بدءًا من القواعد العسكرية وصولًا إلى المجال الجوي والبنية التحتية الداعمة. ورغم أن هذا الدعم قد يُعتبر "محدودًا" أو "خاضعًا للرقابة" من وجهة نظر بعض الحكومات، إلا أنه في منطق الحرب لا يعدو كونه مشاركة، والمشاركة في الحرب لها تبعاتها.
وقد صرحت إيران بوضوح أن أي نقطة تُشكل مصدر تهديد وهجوم ستُعتبر هدفًا مشروعًا. وهذا جزء من العقيدة الدفاعية لدولة تمتلك سنوات من الخبرة في مواجهة التهديدات الخارجية. في هذا الإطار، لا فرق بين أراضي دولة معادية وأراضي دولة سمحت باستخدامها لشن هجوم. بعبارة أخرى، تفقد الحدود الجغرافية أهميتها أمام منطق "مصدر التهديد".
يمثل هذا الأمر ناقوس خطر بالنسبة للدول العربية في المنطقة، ولا سيما دول الخليج الفارسي الصغيرة. فرغم امتلاكها موارد مالية كبيرة، إلا أن هذه الدول تعاني من هشاشة في وضعها الاستراتيجي، ونطاقها الجغرافي، وحتى في بنيتها التحتية. فالعديد من منشآتها الحيوية، من محطات تصدير النفط والغاز إلى الموانئ والمراكز الحضرية، تقع ضمن نطاق يسهل الوصول إليه في حال تصاعد الصراع. وقد يؤدي الدخول في دوامة توتر مع طرف كإيران، التي تمتلك قدرات متنوعة في مجالي الصواريخ والقتال غير المتكافئ، إلى تكبيد هذه الدول خسائر فادحة تتجاوز التقديرات الأولية بكثير.
والأهم من ذلك، أن هذه الدول، على عكس القوى العابرة للأقاليم، لا تملك إمكانية الخروج السريع من الأزمة. إذا ما تعقّد الوضع، فإنّ الولايات المتحدة تملك دائمًا خيار "التراجع التكتيكي" أو نقل عبء التكاليف إلى الآخرين؛ لكنّ دول المنطقة تبقى في خضمّ الأزمة. يجب أخذ هذا الاختلاف في الحسبان عند وضع حساباتها الاستراتيجية. كما أظهرت التجارب السابقة في المنطقة أنّ الاعتماد المفرط على الضمانات الأمنية الخارجية، في أوقات الأزمات، لا يعني بالضرورة تلقّي دعم فعّال.
من جهة أخرى، قد يؤدي استمرار هذا التوجّه سريعًا إلى "تأثير الدومينو" في المنطقة. فأي هجوم على البنية التحتية الحيوية لإيران قد يُقابل بردٍّ مماثل يتجاوز نطاقه حدود النزاع الأولية. في مثل هذه الظروف، ستتعرّض طرق الطاقة وخطوط الملاحة وحتى الأسواق المالية في المنطقة لتقلبات حادة. سيكون لهذا الوضع عواقب وخيمة ليس فقط على الدول المعنية، بل على الاقتصاد الإقليمي والعالمي برمّته.
يجب على الدول العربية أن تُدرك أنّ الانحياز إلى المعتدي، ولو بشكل غير مباشر، يُحوّلها من "مراقب" إلى "فاعل". إنّ الانخراط في حرب معقدة يعني قبول مخاطر قد لا تكون بالضرورة تحت سيطرتهم. قد يظنّ البعض اليوم أن هذه الشراكة محدودة ويمكن السيطرة عليها، لكنّ التجربة أثبتت أن الحرب سرعان ما تخرج عن السيطرة وتجرّ الأطراف إليها دون قصد.
في غضون ذلك، لا ينبغي إغفال نقطة استراتيجية أخرى: فقد أظهرت إيران أنها لا تتراجع أمام الضغوط الخارجية فحسب، بل تُغيّر المعادلة أيضًا بإعادة تعريف مجالها وأدواتها. هذه السمة تجعل أيّ تقدير مبسط لـ"احتواء" أو "تقييد" ردّ إيران موضع شكّ كبير. لا سيما عندما تكون البنية التحتية الحيوية والأمن الاقتصادي على المحك، فقد يكون مستوى ونطاق الردود أوسع بكثير من السيناريوهات الأولية.
وبناءً على ذلك، فإنّ النصيحة التي يمكن تقديمها اليوم هي أن تنأى الدول العربية في المنطقة بنفسها عن هذا التوجّه الخطير في أسرع وقت ممكن. إنّ النأي بنفسها عن أيّ تعاون عسكري أو لوجستي في الهجمات ضدّ إيران ضرورة استراتيجية للحفاظ على أمنها القومي. إن الاستمرار في هذا المسار يعني تعريض أنفسهم لتهديد قد يؤثر على بنيتهم التحتية واقتصادهم وحتى استقرارهم الداخلي.
إذا استمر الوضع على ما هو عليه، فستتجاوز نيران الحرب عاجلاً أم آجلاً الحدود الحالية وتلتهم الجميع. في مثل هذا السيناريو، لن يكون للحديث عن "الحياد" أو "عدم المشاركة" أي معنى يُذكر، إذ ستفرض الحقائق على أرض الواقع مكانتها على أي سرد سياسي. الخيار اليوم هو بين "النأي بالنفس عن الأزمة" و"الانخراط فيها"، وهو خيار ستُلقي عواقبه بظلالها على مستقبل المنطقة لسنوات قادمة.
تعليقك