٢٨‏/٠٦‏/٢٠٢٦، ١١:٠٤ ص

الحكومة اللبنانية بين وهم الاستقلال وإضفاء الشرعية على الاحتلال

الحكومة اللبنانية بين وهم الاستقلال وإضفاء الشرعية على الاحتلال

يشكّل "اتفاق الإطار" بين الحكومة اللبنانية والكيان الصهيوني وثيقةً لإعادة رسم موازين القوى داخل لبنان وترسيخ المكاسب العسكرية التي حققتها "إسرائيل". فهذا الاتفاق، بدلاً من أن يوفّر الضمانات لأمن لبنان.

وكالة مهر للأنباء: يشكّل "اتفاق الإطار" بين الحكومة اللبنانية والكيان الصهيوني وثيقةً لإعادة رسم موازين القوى داخل لبنان وترسيخ المكاسب العسكرية التي حققتها "إسرائيل". فهذا الاتفاق، بدلاً من أن يوفّر الضمانات لأمن لبنان، يجعل أمن "إسرائيل" أولويةً للدولة اللبنانية، في حين يضع السيادة الوطنية، وموقع المقاومة، وحتى التماسك الداخلي اللبناني، أمام تحديات ومخاطر غير مسبوقة.

ولعلّ السؤال الأبرز هو: كيف وصل لبنان إلى هذه المرحلة؟ تكمن الإجابة في خطأ استراتيجي رافق مسار المفاوضات منذ بدايتها. فبدلاً من استثمار التفاهم ذي البنود الأربعة عشر بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة لإنهاء الحرب، سعت الحكومة اللبنانية إلى إظهار قدرتها على إدارة ملف الحرب بصورة مستقلة عن حزب الله والجمهورية الإسلامية. وقد جاء هذا التوجّه في إطار محاولة سياسية لإثبات استقلالية الدولة اللبنانية والابتعاد عن محور المقاومة، إلا أنّ النتيجة جاءت معاكسة تماماً؛ إذ لم يحفظ هذا النهج الاستقلال، ولم يوفّر الأمن، بل أفضى إلى مزيد من التنازلات.

كانت الحكومة اللبنانية تعتقد أن تجاوز دور المقاومة والانخراط المباشر في المفاوضات سيمنحها قدرة أكبر على انتزاع المكاسب، غير أنّ نص الاتفاق يكشف أنّ معظم المطالب الأساسية التي سعت إليها "إسرائيل" قد أُدرجت فيه، بدءاً من نزع سلاح حزب الله، مروراً بحصر السلاح بيد الدولة، وإنشاء آليات أمنية مشتركة برعاية ودعم أمريكي، ووصولاً إلى فتح باب المفاوضات المباشرة بين لبنان و"إسرائيل"، وتهيئة الأرضية لاتفاق سلام دائم، بما يقود عملياً إلى الاعتراف بالأمر الواقع الذي فرضه الاحتلال.

وفي الحقيقة، فإن ما عجزت "إسرائيل" عن تحقيقه عبر عقود من الحروب والاعتداءات، تحاول اليوم تحقيقه من خلال اتفاق سياسي. ويكفي التوقف عند تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي وصف الاتفاق بأنه ثمرة الضربات القاسية التي وجّهها جيش الاحتلال إلى حزب الله، مؤكداً أنه سيؤدي إلى إضعاف إيران وحزب الله وتعزيز قوة "إسرائيل". كما لم يتردد في الإشادة بالحكومة اللبنانية لـ"شجاعتها" في قبول هذا المسار، وهو ما يعكس بوضوح أن تل أبيب تنظر إلى الاتفاق بوصفه انتصاراً استراتيجياً، لا تسويةً متوازنة.

والأخطر من ذلك أن الاتفاق يضفي، بصورة عملية، شرعيةً على استمرار الاحتلال الإسرائيلي. فعلى خلاف الحديث عن إنهاء الحرب، لا ينص الاتفاق على انسحاب فوري للقوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية، بل يربط هذا الانسحاب بإتمام عملية نزع سلاح فصائل المقاومة. وبذلك، يصبح بقاء قوات الاحتلال مرهوناً بمدى اقتناع تل أبيب بتنفيذ لبنان التزاماته، بما يحوّل الاحتلال من حالة غير قانونية إلى أداة ضغط سياسي وأمني مستمرة.

ويمثل هذا البند أحد أخطر تداعيات الاتفاق؛ إذ إن الاحتلال في القانون الدولي يعدّ عملاً غير مشروع، لكن عندما يُقبل استمرار وجوده في إطار اتفاق ثنائي، فإنه يكتسب غطاءً سياسياً يضفي عليه قدراً من الشرعية. وهذا تحديداً ما حذّر منه حزب الله، حيث وصف الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم الاتفاق بأنه "اتفاق مذلّ" وفاقد للشرعية، مؤكداً أن ربط الانسحاب الإسرائيلي بنزع سلاح المقاومة يشكل تجاوزاً لكل الخطوط الحمراء، ويفتح الباب أمام احتلال طويل الأمد لجنوب لبنان.

غير أن الخطر الأكبر قد لا يكمن في تثبيت الاحتلال فحسب، بل في التداعيات الداخلية للاتفاق. فـ"إسرائيل" لم تعد بحاجة إلى مواجهة حزب الله مباشرة، بعدما أصبحت مهمة نزع سلاح المقاومة ملقاة على عاتق الجيش اللبناني. وبعبارة أخرى، فإن الاتفاق الجديد أوكل إلى الدولة اللبنانية مهمة عجز الاحتلال عن تنفيذها على مدى سنوات طويلة، وهو السيناريو الذي أقرت به أيضاً وسائل إعلام إسرائيلية، عندما تحدثت عن احتمال انخراط الجيش اللبناني في مواجهة مع حزب الله، بينما تكتفي "إسرائيل" بدور المراقب.

ومن شأن هذا المسار أن يدفع لبنان إلى واحدة من أخطر المراحل في تاريخه الحديث، إذ أثبتت التجارب السابقة أن أي تحول للخلاف بين الدولة والجيش والمقاومة إلى مواجهة أمنية، يفتح الباب أمام احتمالات الانزلاق إلى صراع داخلي. واليوم، يبرز خطر حقيقي يتمثل في انتقال الخلاف السياسي حول سلاح المقاومة إلى مواجهة عسكرية بين القوى اللبنانية، وهو سيناريو لن يكون المستفيد الأكبر منه سوى "إسرائيل".

وفي السياق ذاته، لا يقتصر الدور الأمريكي في هذا الاتفاق على الوساطة، بل يتجاوزها إلى موقع الشريك الأساسي في التنفيذ والإشراف. فمعظم بنود الاتفاق ترتبط بصورة مباشرة بالرعاية أو الضمانات الأمريكية، سواء في الترتيبات الأمنية، أو إعادة إعمار لبنان، أو المساعدات الاقتصادية، أو تشكيل اللجان المشتركة، أو حتى الإشراف على آليات إدارة الموارد المالية وإنفاقها، بما يعكس حجم النفوذ الأمريكي في رسم مستقبل المرحلة المقبلة في لبنان.

ويثير هذا المستوى الواسع من الارتباط بالولايات المتحدة تساؤلات جدية حول استقلالية القرار اللبناني. فالدولة التي أرادت أن تثبت استقلالها عن محور المقاومة، وجدت نفسها تربط معظم آلياتها الأمنية والاقتصادية بواشنطن. وبدلاً من تقليص اعتمادها على طرف إقليمي، انتقلت إلى مستوى أعمق من الارتهان لقوة دولية أكثر نفوذاً وتأثيراً.

وثمة نقطة أخرى تستحق التوقف عندها، وهي التحول التدريجي في طبيعة الاتفاق وخطابه السياسي. فالنص المنشور يصرّح بوضوح بأن هذا "الإطار" يمكن أن يشكل مدخلاً إلى اتفاق سلام شامل بين لبنان و"إسرائيل". وهذا يعني أن ما يُقدَّم اليوم على أنه اتفاق لإنهاء المواجهة، قد يتحول غداً إلى مسار كامل لتطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني، وهو خيار لطالما واجه رفضاً واسعاً داخل المجتمع اللبناني.

ومن المنظور الاستراتيجي، يحمل هذا الاتفاق رسالة واضحة إلى المنطقة بأسرها؛ فإذا انتهى الأمر بدولة تعرضت لعدوان عسكري إلى القبول باستمرار احتلال جزء من أراضيها، ونزع سلاح مقاومتها، وتقديم أمن المعتدي على أمنها الوطني، فإن ذلك يؤسس لسابقة خطيرة تجعل العدوان العسكري وسيلة لتحقيق مكاسب سياسية.

والواقع أن الحكومة اللبنانية وقعت في خطأ جوهري في تقدير الموقف. فقد اعتقدت أن الابتعاد عن المقاومة وخوض المفاوضات بصورة مستقلة سيعزز موقع لبنان، غير أن النتيجة جاءت معاكسة تماماً. فاليوم لا يكتفي المسؤولون الإسرائيليون بوصف الاتفاق بأنه "انتصار تاريخي"، بل إن بنوده تكشف أيضاً أن معظم الأهداف الاستراتيجية لتل أبيب، من إضعاف حزب الله إلى إعادة تشكيل البنية الأمنية اللبنانية، قد أُخذت بعين الاعتبار.

لقد كان بإمكان لبنان أن يسلك مساراً مختلفاً، يقوم على وقف الحرب، والانسحاب الإسرائيلي غير المشروط من الأراضي اللبنانية، والحفاظ على معادلة الردع التي حالت طوال السنوات الماضية دون فرض الوقائع بالقوة. إلا أن الحكومة اللبنانية فضّلت، سعياً لإظهار استقلالها السياسي، الابتعاد عن التفاهم السابق والانخراط في مسار التفاوض المباشر. وكانت النتيجة، بدلاً من تعزيز السيادة الوطنية، إضفاء شرعية على استمرار الاحتلال، وتحميل الجيش اللبناني مسؤولية نزع سلاح المقاومة، وتوسيع الدور الأمريكي في إدارة الشأن اللبناني، وتهيئة الأرضية لانقسام داخلي عميق.

وفي المحصلة، لعل أبرز ما تكشفه هذه التجربة هو أن القرارات في السياسة الخارجية لا يمكن أن تُبنى على الاعتبارات الرمزية أو الانفعالية، بل على الحسابات الاستراتيجية الدقيقة. فالاستقلال لا يتحقق بمجرد الابتعاد عن حليف، وإنما بقدرة الدولة على حماية سيادتها ووحدة أراضيها والدفاع عن أمن شعبها، من دون الخضوع لإملاءات الطرف المعتدي. وإذا كانت حصيلة أي اتفاق هي أن يخرج المحتل معلناً انتصاره، وتُستهدف المقاومة بالإضعاف، وتتزايد احتمالات الانقسام أو الصراع الداخلي، ويُفتح الباب أمام التطبيع مع العدو، فمن الصعب، بل ومن العبث، وصف مثل هذا الاتفاق بأنه إنجاز للبنان.

رمز الخبر 1971880

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha