وكالة مهر للأنباء: بات السؤال أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى: هل لا تزال واشنطن قادرة على استخدام هذه القواعد كنقاط آمنة لقيادة العمليات العسكرية وتقديم الدعم اللوجستي لها؟
وتزداد أهمية هذا السؤال عندما يأتي جزء من الإجابة على لسان مسؤولين شغلوا لسنوات مواقع رفيعة في الهيكلين العسكري والاستخباراتي الأمريكيين.
وقال ديفيد بترايوس، القائد السابق للقيادة المركزية الأمريكية «سنتكوم» والمدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية «سي آي إيه»، في معرض حديثه عن تداعيات الهجمات الإيرانية، إن تغييراً طرأ على الوضع قد يمثل، إذا أُخذت أبعاده بجدية، إحدى أبرز النتائج الاستراتيجية للحرب الأخيرة.
وأكد بترايوس أن «قواعدنا السابقة لم تعد صالحة للاستخدام»، مشيراً بشكل خاص إلى قاعدة العديد في قطر. ووفقاً له، لم يعد قائد القيادة المركزية الأمريكية يدير العمليات من مقره السابق في هذه القاعدة بعد الهجمات الإيرانية، لأن المركز لم يعد يتمتع بالظروف التي كان يعمل في ظلها سابقاً.
كما أشار إلى أن مركز العمليات الجوية المشتركة لم يعد يُدار من المنطقة نفسها.
ولا تتعلق هذه التصريحات بمجرد تعرض منشأة عسكرية لأضرار، بل تكمن أهميتها في أن قاعدة العديد تُعد إحدى أهم حلقات الشبكة العسكرية الأمريكية في المنطقة، وهي قاعدة استندت إليها واشنطن لسنوات في جانب من عملياتها وقيادتها العسكرية في غرب آسيا.
وإذا أصبحت منشأة بهذا الحجم غير قادرة على أداء وظائفها السابقة بعد الهجمات الإيرانية، فإن المسألة لا تتعلق بتدمير عدد من المباني أو المعدات، وإنما بطرح جزء من البنية العسكرية الأمريكية القائمة على أمن نسبي لهذه القواعد أمام تساؤلات جدية.
نهاية تصور «القاعدة الآمنة» الأمريكية
أنشأت الولايات المتحدة خلال العقود الماضية شبكة واسعة من القواعد العسكرية في دول مختلفة بالمنطقة، من قطر والبحرين إلى الإمارات والكويت وغيرها.
وكانت فلسفة هذا الانتشار واضحة؛ إذ تمكنت واشنطن من نشر قواتها وطائراتها ومنظومات الدفاع الجوي ومراكز القيادة خارج حدودها، بما يتيح لها استخدام قوتها العسكرية بسرعة في مختلف أنحاء المنطقة.
لكن هذا النموذج لا يكون فعالاً إلا إذا تمتعت القواعد بمستوى مقبول من الأمن.
وأظهرت الحرب على إيران أن هذا الافتراض لم يعد من السهل قبوله. فقد أدى تطور القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة الإيرانية، إلى جانب القدرة على استهداف مواقع انتشار القوات الأمريكية في المنطقة، إلى تغيير حسابات استندت لسنوات إلى المسافة الجغرافية والتحصينات المادية للقواعد.
وبعبارة أبسط، لم تعد المسافة تعني بالضرورة الأمان.
فالقاعدة التي كانت في السابق تمثل منصة آمنة للقيادة والدعم وتنفيذ العمليات بالنسبة للولايات المتحدة، يمكن أن تتحول الآن إلى نقطة معرضة للخطر.
ويؤدي هذا التحول إلى زيادة تكلفة الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، لأن واشنطن لم تعد مطالبة بالتفكير فقط في كيفية حماية قواتها في ساحات القتال، بل عليها أيضاً إيجاد حلول جديدة لحماية مراكز القيادة والبنية التحتية الداعمة لعملياتها.
إيران غيّرت الحسابات الأمريكية
تكمن الأهمية الاستراتيجية لهذا التحول في أن القوة العسكرية للدولة لا تُقاس فقط بعدد صواريخها أو طائراتها، بل يظهر جزء من القوة الحقيقية عندما تتمكن دولة ما من تغيير حسابات خصمها.
فإذا اضطرت الولايات المتحدة، من أجل الحفاظ على قاعدة معينة، إلى نقل قواتها، أو توزيع مراكز القيادة، أو إدارة عملياتها من مواقع أبعد، أو إنفاق المزيد من الأموال لحماية بنيتها التحتية، فإن ذلك يعني أن الطرف الآخر تمكن من تقييد جزء من حرية واشنطن في العمل العسكري.
ومن هذه الزاوية، تكتسب تصريحات بترايوس أهمية أكبر، إذ لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد تقييم لوضع قاعدة عسكرية واحدة.
بل إنها تمثل مؤشراً على تحول في معادلة أكبر، وهي المعادلة التي تشكلت على مدى عقود على أساس التفوق العسكري الأمريكي والأمن النسبي للبنية التحتية التابعة له في المنطقة.
حرب وصلت إلى القواعد
سعت واشنطن لسنوات إلى بناء وجودها العسكري في غرب آسيا على مجموعة من القواعد الإقليمية، التي أدت أدواراً عملياتية، كما حملت رسالة سياسية واضحة إلى حلفاء الولايات المتحدة وخصومها، مفادها أن واشنطن قادرة على استخدام قوتها العسكرية في أي نقطة من المنطقة خلال فترة زمنية قصيرة.
لكن عندما تتحول هذه القواعد نفسها إلى نقاط معرضة للخطر، فإن جزءاً من هذه الرسالة السياسية يتراجع أيضاً.
وربما تكون أهم رسالة حملتها الحرب على إيران بالنسبة للولايات المتحدة هي أن غرب آسيا لم تعد منطقة تستطيع واشنطن فيها الاعتماد فقط على المسافة الجغرافية والجدران الإسمنتية والمظلة الأمنية لقواعدها من أجل فرض قوتها.
وقد وضعت إيران، من خلال رفع تكلفة الوجود العسكري الأمريكي، مسألة جديدة أمام واشنطن، لا يمكن حلها بمجرد إرسال مزيد من القوات أو نقل معدات إضافية.
فالولايات المتحدة باتت مطالبة بإعادة النظر في طريقة انتشار قواتها، ومواقع قيادة عملياتها، وأمن قواعدها، وحتى مستوى اعتمادها على البنية التحتية العسكرية في المنطقة.
وفي حال استمر هذا المسار، فقد تكون إحدى أبرز نتائج الحرب على إيران، لا تغيير حدود أو حسم معركة محددة، بل تغيير تصور قديم مفاده أن القواعد الأمريكية في غرب آسيا تمثل نقاطاً آمنة ومنيعة لقيادة القوة العسكرية الأمريكية.
وتُظهر تصريحات بترايوس أن هذا التصور لم يعد قابلاً للدفاع عنه بسهولة، على الأقل في ظل المعادلات الجديدة التي فرضتها الحرب.

تعليقك