وكالة مهر للأنباء: تبدأ الحروب بالقوة العسكرية، لكنها لا تنتهي دائماً بها. فأحياناً يواجه الطرف الأقوى تحدياً أصعب من تحقيق الانتصار العسكري، وهو كيفية تحويل قوته إلى مكاسب سياسية. ويبدو أن هذا هو التحدي الذي تواجهه الولايات المتحدة في حربها مع إيران.
وخلال الأشهر الأخيرة، أشارت تحليلات أمريكية إلى أن حسابات إيران بشأن مواصلة الحرب كانت، خلافاً للتقديرات الأولية لواشنطن، أكثر واقعية. وفي هذا السياق، أكدت مجلة «فورين أفيرز» أن الولايات المتحدة، بعد نحو ستة أشهر من الحرب، لم تقترب من حل الأزمة، بل أصبحت في بعض الجوانب أمام وضع أكثر تعقيداً.
وترى المجلة أن إيران تمكنت من الصمود أمام الضغوط العسكرية، ولا تزال قادرة على إلحاق تكاليف بالولايات المتحدة وحلفائها. كما حذرت من العودة إلى سياسة «الضغط الأقصى»، معتبرة أن هذا النهج لن يكون كافياً لإنهاء المأزق، خصوصاً أن استسلام إيران، وهو السيناريو الذي تفضله واشنطن، يبدو الأقل احتمالاً في الظروف الراهنة.
ولا تكمن أهمية هذه التقديرات في كونها مجرد تحليل إعلامي، بل في التحول في طريقة النظر إلى الحرب. فالولايات المتحدة لم تكن تهدف إلى إلحاق أضرار عسكرية بإيران فحسب، وإنما أرادت توظيف تفوقها العسكري لدفع طهران إلى تغيير سلوكها وقبول المطالب الأمريكية. غير أن هناك فجوة كبيرة بين القدرة على تدمير الأهداف والقدرة على تغيير السلوك السياسي لدولة.
ورغم امتلاك الولايات المتحدة واحداً من أقوى الجيوش في العالم وقدرتها على توجيه ضربات قاسية، فإن تجارب الحروب خلال العقدين الماضيين أثبتت أن القوة العسكرية وحدها لا تضمن تحقيق انتصار سياسي. ففي كثير من الحالات، لا تكمن المشكلة في بدء الحرب، وإنما في إدارة تداعياتها والعثور على طريق للخروج منها.
حرب استنزاف
كلما طال أمد الحرب، دخلت عوامل جديدة إلى المعادلة، بينها التكاليف الاقتصادية، وضغوط الرأي العام، ومخاوف الحلفاء، وتأثيرات الحرب على أسواق الطاقة، وصعوبة تحديد نهاية مقبولة للصراع.
وحاولت إيران تحويل الحرب من مواجهة تقوم على التفوق العسكري الأمريكي إلى منافسة حول القدرة على تحمل التكاليف. وفي هذه الحالة، لا تحتاج طهران بالضرورة إلى هزيمة الولايات المتحدة عسكرياً، بل يكفيها منع واشنطن من تحويل تفوقها العسكري إلى انتصار سياسي.
وتواجه الضغوط الاقتصادية بدورها حدوداً واضحة. فقد شكلت العقوبات والضغوط الاقتصادية لسنوات إحدى أهم أدوات الولايات المتحدة لتغيير سلوك إيران، على أساس أن رفع كلفة المقاومة سيدفع صانعي القرار الإيرانيين إلى تغيير حساباتهم. لكن إذا لم تؤد الضغوط العسكرية إلى تراجع إيران، فمن غير المرجح أن يؤدي مجرد تصعيد الضغوط الاقتصادية إلى نتيجة مختلفة تماماً.
وتشير «فورين أفيرز» إلى هذه المفارقة، إذ تمتلك الولايات المتحدة أدوات عديدة للضغط، لكن السؤال الأساسي هو مدى قدرتها على تحويل هذه الأدوات إلى نتائج سياسية. فزيادة الضغط لا تعني بالضرورة مزيداً من النجاح، وقد تدفع الطرف الآخر أحياناً إلى مزيد من المقاومة.
ومن جهة أخرى، يفرض استمرار الحرب تكاليف إضافية على واشنطن، التي يتعين عليها، إلى جانب إدارة العمليات العسكرية، احتواء تداعياتها الإقليمية والدولية. وقد يبدأ حلفاء الولايات المتحدة في التشكيك في جدوى استمرار صراع طويل ومكلف، فيما ستظل الأسواق العالمية شديدة الحساسية تجاه أي اضطراب في المنطقة.
السؤال الأصعب أمام واشنطن
لذلك، ربما تكمن أهم نقطة في التحليل الأمريكي في أن مشكلة واشنطن لم تعد تقتصر على كيفية ممارسة الضغط على إيران، بل أصبحت تتمثل في إيجاد مخرج من أزمة كان من المفترض أن تُحل بالقوة العسكرية، لكنها تحولت إلى معضلة سياسية معقدة.
وإذا لم تتمكن الضغوط العسكرية من دفع إيران إلى الاستسلام، ولم تستطع الضغوط الاقتصادية تحقيق الهدف نفسه، فستواجه واشنطن سؤالاً أساسياً: هل يمكن لمواصلة هذا المسار أن تؤدي إلى نتيجة مختلفة، أم أنها ستفرض مزيداً من التكاليف؟
وفي نهاية المطاف، لا تكون حرب الاستنزاف عادةً في مصلحة الطرف صاحب القوة الأكبر، وإنما الطرف القادر على إدارة التكاليف بصورة أفضل. وتظهر التحليلات الأخيرة في الأوساط الإعلامية والفكرية الأمريكية أن النقاش في واشنطن بدأ ينتقل من كيفية هزيمة إيران إلى حدود قدرة الولايات المتحدة على تحويل الضغط إلى نتائج سياسية.
وربما تكمن أهم دلالة لهذا التحول في أن القضية لم تعد مجرد كيفية مواصلة الحرب، بل من يستطيع أن يحدد نهايتها.

تعليقك