الإستثمار الناعم في المجتمع المدني

هادي قبيسي*- تتحرك المنظمة الأمريكية للتنمية الدولية منفردة وتحقق نقاطاً في الدبلوماسية العامة حتى في "عيتا" اللبنانية، وفي كثير من الأماكن لم تستطع الإختراق المباشر، فدعمت منظمات موجودة، أو أسست منظمات جديدة، وتعاونت مع منظمات مختلفة متعددة الجنسيات كقفازات لتغطية نشاطها وأهدافها المختلفة.

على مدى التاريخ كان المحتل، أياً يكن، يفرض القانون، اللغة، العملة، التعليم، النظام السياسي، العلاقات الإجتماعية، المنتجات الزراعية والصناعية، الفن والعمارة وتنظيم المدينة، الدين والمذهب. هذه كانت تشكل دائرة المكتسبات والنفوذ. لكن بعد الحرب العالمية، حصلت مجموعة متغيرات كبرى، بدءاً من دمار أوروبا الإستعمارية وإفلاسها وعجزها عن الإستمرار في الإنتشار العسكري الإستعماري الواسع، ثانياً وجود القدرة على الحفاظ على المكتسبات والنفوذ دون حضور عسكري من خلال تركيب أنظمة محلية تابعة وارتباط النخب بالمنظومة الفكرية والعملية والمالية الغربية، وأخيراً من من خلال النقلة النوعية التكنولوجية وخصوصاً في مجال تكنولوجيا الإتصال.

هكذا بدأت مرحلة الإستعمار غير المباشر واستبدل التفوق العسكري بتفوق العملة، تفوق الإنتاج الصناعي والتكنولوجي، التفوق المعرفي وتفوق الصورة والإتصال. وقد تم استثمار هذا التفوق في شتى المجالات، ومنها إيجاد بنى اجتماعية تشكل مساحة لتفريغ هذه القوة، والحصول على تأثير مباشر على البنية الإجتماعية، فلم يكتف الإستعمار الغربي بالتأثير على الأنظمة التابعة التي قد تضعف أو تتفكك أو تنتفض وتعارض، وكذلك احتاج الغرب لأدوات تخترق الدول أو المجتمعات المعادية له. ولأن القوى الإستعمارية لها وجه قبيح في نظر الشعوب والكثير من النخب، فلا تستطيع التعامل معها دون قفازات، فقد تم إنشاء وترويج الكثير من الطرق والأساليب ومنها دعم المنظمات غير الحكومية.

تطور هذا الإختراق بسبب تزايد نسبة استثمار القوة الناعمة، وقد كان للحرب الباردة التي خيضت تحت شعارات ثقافية وفكرية تخللها صراع أيديولوجي تم فيه تطوير أدوات نظرية وتقنيات عملية، دور كبير في زيادة التعويل على الأساليب الناعمة، ومن ناحية أخرى كان وجود السلاح النووي سبباً في خوض الحروب البديلة التي تتأسس على بنى ثقافية وسياسية، وكذلك وبسبب تطور وسائل الإعلام والدعاية أصبح هناك مجال للتأثير في الجغرافيا القصية بشكل متزايد ومضاعف.

بعد الحرب الباردة طرح عنوان القوة الناعمة من قبل قائد مخابراتي أمريكي اسمه جوزف ناي، كمحاولة لاستثمار تجربة الحرب الباردة وتطويرها مع تطور وسائل الإتصال بشكل يفوق الخيال. والآن وبعد ثورة الانترنت، حيث أصبح كل العالم جاهزاً لتلقي الرسائل الموضبة على الطريقة الأمريكية كل لحظة، وتوسعت مساحة اقتصاد المعرفة والإتصال والمعلومات وولدت الأسواق المفتوحة، أصبحت أدوات الصراع الناعم أكثر فعالية وانتشاراً وتأثيراً بشكل لا يقاس.

في هذا السياق، تقوم وزارة الخارجية الأمريكية عبر جهاز السفارات، مجموعة من المكاتب والمبادرات، أهمها المنظمة الأمريكية للتنمية الدولية باختراق المجتمعات بشكل مباشر، لم يعد العمل عشوائياً وعمومياً، بل يتركز في هذا المجال على نخب محددة ومختارة بدقة، وخلق نسيج اجتماعي مرتبط مباشرة بأمريكا، لديه دور ميداني فاعل، وليس فقط دور فكري وثقافي مثل الجامعات ودور النشر ومراكز الدراسات.

تتوزع اختصاصات المنظمات غير الحكومية على أربع عناوين :  سياسي (حقوق الإنسان) وتنموي (تعليم زراعة..) لاجئين، ومتضرري الحروب. وهي في الأصل نوعان : منظمات محلية، وأخرى وسيطة ممولة خارجياً تقوم بدور الوصل بين ( الممول، الدولة، المجتمع المستفيد)، وهي تخلط بين دورها الوظيفي في موقع الوصل بين الأطراف الثلاثة، وبين دورها الأداتي كموظف لدى الجهة الممولة، أما الأفراد المرتبطين بهذه المنظمات لا ينتمون إليها بل يربطهم التمويل وخطاب عولمي عام[1].

من أهم أهداف هذا الإطار المنظم خلق بيئة معولمة غير منشغلة بقضايا الامن القومي تستقي مفاهيمها من الحقل الإعلامي المحدد للمجتمع المدني،وتعيش انتماءً عاماً لا يتعلق بالجغرافيا،لذلك نرى بعض المشاركين في تنظيم الحراك اللبناني الحالي ناشطين سابقاً في تونس وليبياوامريكا ويتواصل بعضهم مع اللوبي الصهيوني في أمريكا، ففي الوقت الذي تطالب هذه الفئة بحاجات عامة للجمهور،الا انها لا تطرح قضايا الوجود والمصيربل فقط ترفع شعارات تتعلق بظروف المعاش، فتقوم تلقائياً بتحييد الرأي العام عن مواجهة النفوذ الغربي في الحد الأقل، فالناتج التلقائي إذنمجتمع مدني غير مسيس لا يتعامل بقضايا الامن القومي.

هذه المنظمات المتنوعة تتحول لدائرة معولمة داخل المجتمع مدارة من الخارج، منفصلة من حيث الهوية والمصالح المباشرة الشخصية والجماعية عن المجتمع المحلي، وتعمل باتجاه عولمة المجتمع من خلال بث الأفكار الغربية والترويج لها، بحيث يتراجع الإرتباط بالهوية الموحدة التي تقوم عليها الجماعة، فيصبح هناك : مجتمع حقوق انسان، ومجتمع حقوق مرأة، ومجتمع حقوق مهجرين ونازحين، ومجتمع المتضررين من الحرب، فلا أطر سياسية تهتم بالقضايا الكلية للمجتمع، بل تجزئة تدريجية. هذا الأرخبيل من النخب، يمكنه أن يجتمع ويتوحد ضد من يرفض الإختراق الأجنبي فقط، أي ضد من يطرح الشكوك والملاحظات على التمويل الغربي.

الحالة المعولمة الناشئة تحت شعار المجتمع المدني الممول أمريكياً، أو أوروبيا بغطاء أمريكي، تعمل في الواقع لحفظ وجودها ولا تقوم بعملية التنمية، فميزانية اليو اس ايد العالمية عام 2008 لا تتجاوز 3 مليار دولار، فهي ميزانية تهدف لجذب النخب وتوظيفها، لا تنمية البلدان. إذ ليس هناك عمل تنموي حقيقي يقارب أزمات البنية التحتية ويدعم الإستقلال الإقتصادي، بل قناة تربط دائرة تأثير هذه المنظمات بحبل المعونات السطحية الغربية التي لا يمكن الإستغناء عنها. وهذه النخب تتعاون وتندمج في هذا الإطار لغاية الإستفادة الشخصية الإجتماعية والسياسية والمادية.

تتمتع هذه المنظمات بقدرة عالية على المناورة، لأنها تقدم نفسها على أنها غير حكومية أي غير سياسية وغير مسيسة، كما تتقدم بوجوه وشخصيات محلية، وتتلقى تمويلاً ودعماً متنوعاً وأحياناً بوسائط غير مباشرة، والآن أصبح للتمويل سواتر افتراضية عبر وسائل التواصل الإجتماعي[2]، كما أنها تبني علاقات خدماتية مع البيئة الإجتماعية مما يعطيها مصداقيةومقبولية. لذلك فإن الصدام والمواجهة المباشرة معها يؤدي إلى نتيجة عكسية، ويخلق بيئة محلية داعمة ودفاعية.

يقول ارييل كوهينالذي يشتغل بقضايا حرب الأفكار، وحرب العقول والقلوب  : يجب على الولايات المتحدة الاميركية تعريف الجمهور الذي يستطيع ان يشكل قنوات محتملة للافكار الاميركية وتحديد طريقة اقناع هؤلاء الحلفاء للمساعدة في محاربة الاسلام العسكري[3]. في الميدان، يتم تقييم فعالية برامج منظمة التنمية من خلال نسبة اعتقاد المتلقين بضرورة الخدمات التي تقدمها، وكذلك من خلال نسبة الجمهور العام الذي رأى شعار المنظمة ويعرفها، وأخيراً من خلال قيمة الرسائل والأفكار والقيم التي تروج لها المنظمة، فهي منظمة تقوم بدور الدبلوماسية العامة، أما دورها التنموي فهامشي لكنه ضروري لاختراق البيئة المستهدفة[4].

من الأهداف التي تحققها حركة المنظمات الممولة تفكيك وتجزئة المجتمع السياسي النخبوي من خلال أعداد كبيرة من المنظمات وأوضح نموذج على ذلك هو الضفة الغربية التي تنتشر فيها 600 منظمة غير حكومية ممولة من الخارج، استقطبت النخبة الفلسطينية واستدرجتها خارج حركات المقاومة العسكرية وحتى السياسية، فالليبرالية الجديدة، التي قدمت "المجتمع المدني" كشعار ترويجي، هي نموذج حول السيطرة الاجتماعية غير المباشرة. إذ تخفف حركة هذه المنظمات من حاجة الدول الاستعمارية أو المهيمنة إلى التدخل المباشر بما يترتب عليه من أزمات سياسية وأمنية لقوى التدخل السياسي المباشر ناهيك عن تكاليف الحضور العسكري في الميدان، كما تعمل كرصيد احتياطي في مراحل المخاطر والتقلبات.

في الخلاصة، تعمل المنظمة الأمريكية للتنمية الدولية على استقطاب النخب في المجتمعات المأزومة (أمنياً، اقتصادياً، سياسياً، ثقافياً) لعدة أهداف، ويتم الإستفادة من هذه النخب في ثلاثة مستويات : أولاً، تحييدها عن الإلتحاق بالقوى المعادية من خلال خلق بدائل اجتماعية وإعلامية ومادية لها، ثانياً، الإستفادة منها من خلال التوظيف غير المباشر عبر إيجاد إطار لتيار سياسي، أو بث أفكار وثقافة معولمة، أو تجزئة القوى الشعبية إلى مجموعة لا متناهية من المنظمات، وكذلك الترويج للغرب كجهة تنموية إنسانية، ثالثاً، التوظيف المباشر من خلال تجنيدها أمنياً وتشغيلها عملياتياً في الميدان. يقول الباحث وليام ديمارس في دراسة بعنوان الشراكة غير المقصودة، الان جي او والاستخبارات الامريكية في الحروب الصغيرة : "حركة هذه المؤسسات تمت الإستفادة منها في جمع المعلومات الإستخبارية، وكذلك شكلت جزءاً من البنية التحتية للأفراد الذين يمكن تجنيدهم للعمل السري"[5]، ويؤكد في نفس الدراسة قائلاً : "تشكل الشبكة العالمية من المنظمات غير الحكومية مصدراً هاماً للمعلومات بالنسبة لأجهزة الإستخبارات الأمريكية" وفي كثير من الأحيان "يتم إرسال المعلومات التي تحصل عليها المنظمات غير الحكومية بشكل مباشر إلى قيادة وكالة الإستخبارات المركزية لتحليلها"[6] ، ويلفت إلى السبب الكامن خلف هذا التعويل، وهو أن " المنظمات غير الحكومية والعاملين فيها يحصلون على معلومات لا تستطيع أجهزة الإستخبارات الحصول عليها من طرق أخرى"[7]، ويعبر آلان وينستاين بشكل أكثر وضوحاً عن هذا الدور، وهو مؤسس الوقفية الوطنية للديموقراطية، إحدى المنظمات الأساسية المتعاونة مع المنظمة الأمريكية للتنمية الدولية، قائلاً : "إن الكثير مما نقوم به اليوم كانت تقوم به وكالة الإستخبارات المركزية قبل خمس وعشرين عاماً"، لقد أصبح التوظيف لصالح المستعمر يتخذ اشكالاً ناعمة وسهلة القبول، ولذلك لم تعد الأساليب التقليدية ضرورية في كثير من الظروف والمراحل والمستويات، فالسيدة في المستوصف في عيتا الشعب لا تدري بالتأكيد أي خدمة تقدمها للحكومة الأمريكية، رغم أنها في العمق تدرك أن أمريكا لا تزال هي العدو الأساس.

* كاتب وباحث لبناني

 

 

[1]See : Kirk Helliker / Marx, Weber and NGOs / South African Review of Sociology / 11 Jan 2012.

 

[2]Crowdfunding.

[3]Ariel Cohen / War of Ideas: Combating Militant Islamist Ideology / Georgetown Journal of International Affairs / Spring 2004.

[4]See : USAID/Palestine.

[5]DemMars,William / NGOs and United States Intelligence in Small Wars / International Journal of Intelligence and CounterIntelligence / 29 Oct 2010.

[6]DemMars,William / NGOs and United States Intelligence in Small Wars / International Journal of Intelligence and CounterIntelligence / 29 Oct 2010.

[7]DemMars,William / NGOs and United States Intelligence in Small Wars / International Journal of Intelligence and CounterIntelligence / 29 Oct 2010.

رمز الخبر 1857887

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • 1 + 10 =