٢٣‏/٠١‏/٢٠٢٦، ١٢:٥٨ م

الإسلاموفوبيا المنظَّمة في أوروبا من العقود السرّية إلى تحقيق البرلمان الأوروبي

الإسلاموفوبيا المنظَّمة في أوروبا من العقود السرّية إلى تحقيق البرلمان الأوروبي

شهدت القارة الأوروبية خلال السنوات الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في موجات الإسلاموفوبيا، لم تعد تُفسَّر بوصفها ظاهرة اجتماعية عفوية أو نتاج تحولات ثقافية داخلية فحسب، بل باتت – وفق ما كشفته تحقيقات استقصائية أوروبية – مرتبطة بشبكات تمويل خارجية تقف وراء حملات تشويه ممنهجة تستهدف المسلمين.

وكالة مهر للأنباء: وفي هذا السياق، كشفت تقارير إعلامية أوروبية عن تورّط دولة الإمارات العربية المتحدة في التعاقد مع شركة سويسرية متخصصة في ما يُعرف بـ«الخدمات الاستخباراتية الخاصة» والدعاية السوداء، لتنفيذ عمليات تضليل إعلامي واسعة النطاق، هدفت إلى استهداف شخصيات ومؤسسات إسلامية، وربطها بصورة زائفة بالتطرّف والإرهاب.

الشركة السويسرية والدور العملياتي

تُظهر الوثائق المسرَّبة أن شركة Alp Services السويسرية أدّت دور الذراع التنفيذي لهذه الحملة، حيث تولّت جمع بيانات آلاف النشطاء والمؤسسات الإسلامية في أوروبا، وتصنيف شخصيات دينية واجتماعية على أنها «متطرفة» من دون أي سند قانوني أو قضائي.

كما قامت الشركة بإنشاء شبكات من الحسابات الوهمية على وسائل التواصل الاجتماعي لبث محتوى تحريضي، وتغذية وسائل إعلام أوروبية بتقارير مفبركة تربط المسلمين بالإرهاب، فضلاً عن السعي للتأثير المباشر في صُنّاع القرار الأوروبيين لدفعهم نحو تبنّي سياسات أكثر تشدداً تجاه الجاليات المسلمة.

وقد وردت هذه المعطيات في تقارير إعلامية فرنسية ودولية، إضافة إلى وثائق قُدّمت إلى مؤسسات حقوقية أوروبية مختصة.

تحقيق الاتحاد الأوروبي

في مطلع عام 2026، أفادت منصات إعلامية أوروبية بأن البرلمان الأوروبي فتح تحقيقاً رسمياً في القضية، عقب تسلّمه ملفات موثقة تتضمن عقوداً مالية بين جهات إماراتية وشركة Alp Services، وتحويلات مالية مشبوهة خُصصت لتمويل حملات التشويه، إلى جانب مراسلات وتواصل مباشر بين مسؤولين إماراتيين وإدارة الشركة.

كما كشفت الملفات عن استخدام هذه الحملة كأداة ضغط سياسي داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي، وهو ما دفع جهات برلمانية إلى اعتبار القضية تهديداً مباشراً للأمن المجتمعي الأوروبي، لما تحمله من مخاطر على التعايش الديني والسلم الاجتماعي، وتغذية ممنهجة لخطاب الكراهية.

الأبعاد السياسية والاستراتيجية

تحليل السياق العام للقضية يشير إلى أن الحملة لم تكن إعلامية الطابع فحسب، بل شكّلت جزءاً من مشروع نفوذ سياسي أوسع، يهدف إلى إعادة تشكيل صورة الإسلام في الوعي الأوروبي بوصفه تهديداً أمنياً، ودعم التيارات اليمينية المتطرفة التي تتبنى خطاب العداء للمسلمين.

كما استخدمت الحملة لتصفية خصوم سياسيين للإمارات عبر ربطهم بالإرهاب، وتوظيف الإسلاموفوبيا كأداة جيوسياسية للتأثير في سياسات الاتحاد الأوروبي تجاه قضايا الشرق الأوسط.

وتشير تقارير استقصائية إلى وجود تقاطع سردي واضح بين الخطاب الإماراتي وهذه الحملات، وبين سرديات أمنية مرتبطة بإسرائيل تُقدّم الإسلام باعتباره خطراً عالمياً، ما ضاعف من الأثر الإعلامي والسياسي للحملة داخل الفضاء الأوروبي.

البعد القانوني والحقوقي

على الصعيد القانوني، رفعت منظمات حقوقية أوروبية الملف إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، معتبرة أن ما جرى يشكّل انتهاكاً صريحاً لحرية المعتقد، وتمييزاً دينياً منظّماً، وجريمة كراهية عابرة للحدود، فضلاً عن كونه تدخلاً خارجياً في الشؤون والسيادة الأوروبية.

وقد وُصفت ممارسات الشركة السويسرية بأنها نشاط استخباراتي خاص غير قانوني، يخالف القوانين الأوروبية المتعلقة بحماية البيانات الشخصية وحقوق الإنسان.

قراءة تحليلية ختامية

لا تمثل هذه القضية مجرد فضيحة إعلامية عابرة، بل تكشف عن نموذج جديد من «الحروب الناعمة»، حيث تتحوّل الإسلاموفوبيا من خطاب كراهية اجتماعي إلى أداة سياسية واستراتيجية تُدار عبر العقود، والتمويل، وشركات الاستخبارات الخاصة.

إن فتح تحقيق رسمي من قبل البرلمان الأوروبي يعكس إدراكاً متزايداً بأن ما جرى يشكّل تهديداً بنيوياً للتعددية الدينية داخل المجتمعات الأوروبية، وأن توظيف شركات خاصة في حروب السمعة والتضليل بات من أخطر أشكال التدخل الخارجي غير العسكري في الأنظمة الديمقراطية.

"بقلم: سبطين الجبوري، الخبير الأول في الشؤون السياسية و الدولية"

رمز الخبر 1967626

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha