١٤‏/٠٣‏/٢٠٢٦، ١٠:٠٣ ص

من الخاسر الأكبر؟

من الخاسر الأكبر؟

بعيدًا عن حماسة العاطفة وارتجال المسرح، وبمنطق الحقيقة الصارمة وبرود الشطرنج، يبرز السؤال: من الخاسر الأكبر في هذه الحرب؟ وأيّ اللاعبين يملك الأفضلية؟ أهو التحالف الأمريكي الإسرائيلي، أم الجمهورية الإسلامية الإيرانية؟

وكالة مهر للأنباء:من الخاسر الأكبر في هذه الحرب؟ وأيّ اللاعبين يملك الأفضلية؟ أهو التحالف الأمريكي الإسرائيلي، أم الجمهورية الإسلامية الإيرانية؟ لنلقِ نظرة على رقعة الأحداث، ثم نحكم.

لقد شنّ التحالف الأمريكي الإسرائيلي حربه على إيران بهدف واضح وصريح يتمثل في إسقاط نظام الحكم وإقصاء إيران من المشهد السياسي والعسكري في المنطقة والتخلص منها نهائيًا.
كانت الخطة أشبه بمحاولة تحقيق "كش ملك" أخيرة وحاسمة: عملية خاطفة ومركزة تقطع رأس النظام، وتشلّ مؤسسات الدولة، وتثير الفوضى في صفوفها، وبينما يكون الخصم مشوش الذهن يحاول استيعاب ما حدث، يُعلن عن هزيمته ويدفع إلى الاستسلام.

إنها استراتيجية الخداع والصدمة، الضربة الخاطفة التي يفترض أن تؤدي مهمتها بسرعة وحسم.
غير أن هذه الخطة لا تنجح دائمًا مع خصم بهذا المستوى.
ففي الشطرنج، كما في الحروب، لا يترك لاعبٌ كبير الطاولة لمجرد أنه فقد وزيره.
لن ينسحب "كاسباروف" مثلًا لأن قطعة مهمة سقطت من يده؛ فالمسألة ليست مجرد أحجار على رقعة، بل هي صراع عقول وإرادات.
في الحرب والشطرنج أنت لا تلعب بالأحجار فحسب، بل تتلاعب بخصمك.
ولذلك ينبغي أن تعطي خصمك حقه، وأن تقرأ ما يدور في رأسه، لا أن تكتفي بقراءة الرقعة أمامك.
وهنا تحديدًا أخفق تحالف الحرب الأمريكي الإسرائيلي.

صحيح أنهم نفذوا هجومًا واسعًا ومدمرًا وعنيفًا، أدى إلى مقتل الولي الفقيه وتدمير عدد من المنشآت والمقدرات الحيوية، وحققوا بعض المكاسب الميدانية.
كانت النقلة ناجحة من حيث التنفيذ، لكنها فشلت في تحقيق الهدف الاستراتيجي الأساسي.

ولهذا اضطر الأمريكي إلى البحث عن أهداف جديدة يبرر بها حملته، ويمنح نفسه مظهر المنتصر، ويؤمّن انسحابه برأس مرفوع.
فبدأ الحديث عن إنجازات بديلة، مثل تدمير الأسطول البحري الإيراني.
غير أن أحدًا لا يكترث كثيرًا بأسطول إيران البحري، فالعالم كله يعلم أين يكمن الخطر الحقيقي لإيران. لكن هذا ما كان متاحًا لتقديمه كإنجاز في تلك اللحظة.

في المقابل، تعرضت الجمهورية الإسلامية لهجوم هو الأول من نوعه في تاريخها، وتكبدت خسائر كبيرة وفادحة لا يمكن إنكارها أو إخفاؤها. ومع ذلك، استطاعت - بطريقة أو بأخرى - امتصاص الصدمة، ولم تتأخر في الرد.

وجاء الرد الإيراني بدوره غير مسبوق في تاريخ الولايات المتحدة والمنطقة، عبر هجوم مركب شديد التعقيد، نُفذ بزخم ودقة وفاعلية صدمت العالم.
فقد استهدفت إيران، وعلى أكثر من جبهة، القواعد والمصالح والمنشآت الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة دون استثناء، بدءًا من قواعد الاشتباك التقليدية وصولًا إلى عمق الكيان الصهيوني، مرورًا بكل قاعدة ومصلحة تقع بينهما.

بهذا الهجوم ضربت إيران الثقل التقني والسيبراني والاستخباراتي والعسكري الذي يهيمن على الشرق الأوسط والإقليم، ووضعت الولايات المتحدة أمام سيناريو حرب استنزاف لم يكن في حساباتها.
الأمر الذي اضطرها إلى طلب الدعم من حلفائها، ونقل ترسانات عسكرية ومنظومات دفاعية من شرق آسيا لتعويض النقص وتعزيز مواقعها.

لقد ضربت إيران قواعدهم، واقتصادهم، وسلاسل صناعاتهم العسكرية، وتحالفاتهم، وحتى صورة الردع الأمريكية في آسيا.
وبهذا جرّت تحالف الحرب إلى المربع الذي تريده هي.
وهنا يبرز سؤال مثير للتأمل:
هل تعرضت إيران فعلًا لهجوم أمريكي إسرائيلي مفاجئ، أم أنها قدمت تضحية محسوبة، كما يفعل عباقرة الشطرنج حين يضحّون بقطعة ثمينة لفتح الطريق نحو النصر؟

لا أحد يملك الجواب القطعي.
لكن المؤكد أن إيران تدير شؤونها - داخليًا وعسكريًا واقتصاديًا ودبلوماسيًا - بقدر لافت من التنظيم والقدرة على التكيّف.
لذلك، إن كانت المشكلة بالنسبة للبعض تتمثل في مقتل السيد الولي الفقيه أو بعض الشخصيات الإيرانية أو مجموعة من الطالبات الإيرانيات، فقد يبدو حينها أن إيران هي الخاسر في هذه الحرب.
أما فيما عدا ذلك، فإن الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي ومن يدور في فلكهما قد يكونون على موعد مع هزيمة كبيرة ستغير ملامح المنطقة.

هل سيكون ذلك التغيير للأفضل أم للأسوأ؟
هذا يعتمد على الموقع الذي يقف فيه كل طرف من هذه المعركة.

لكن أمرًا واحدًا يبدو واضحًا:
لن يعود شيء بعد هذه الحرب كما كان قبلها.

/انتهى/

رمز الخبر 1969203

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha