وكالة مهر للأنباء، المجموعة الدولية: إذا أردنا اليوم أن نمعن النظر في الوضع في أوروبا، فعلينا أن نتقبل أن ما حل بهذه القارة ليس نتيجة أزمة مفاجئة، بل نتيجة سلسلة من القرارات الخاطئة، أو بتعبير أدق، نتيجة عداء صريح تجاه إيران. قرارات ربما بدت في حينها غير مكلفة، بل وذكية، لكنها الآن تدفع ثمنها واحداً تلو الآخر. تدفع أوروبا اليوم ثمن اللحظات التي كان بإمكانها فيها اختيار مسار مختلف، لكنها لم تفعل.
في الملف النووي الإيراني، أتيحت لأوروبا فرصة لعب دور مختلف. ليس مجرد دور هامشي، بل كوسيط جاد قادر على دفع عجلة الدبلوماسية والمساعدة في التوصل إلى اتفاق دائم. هذه القدرة كانت موجودة سياسياً وخبرياً. لكن في الواقع، تخلّت أوروبا عن هذا المسار ودخلت تدريجيًا في منطقةٍ وضعت قواعدها الولايات المتحدة، ولا سيما دونالد ترامب، الذي أظهر مرارًا وتكرارًا أنه لا يلتزم بالقواعد ولا يُظهر ولاءً لحلفائه.
بدأ خطأ أوروبا من هنا تحديدًا. فقد ظنّت أنها إذا رافقت ترامب، فستتمكن من خفض التكاليف أو حتى انتزاع تنازلات. ولهذا السبب، في أوقاتٍ كان ينبغي عليها فيها دعم الدبلوماسية، اتجهت فعليًا نحو الضغط على إيران. حتى تفعيل آلية الزناد يُمكن تحليله في هذا السياق؛ وهو إجراء كان يُفترض أن يكون بمثابة استعراضٍ للتوافق مع واشنطن. ولكن ما النتيجة؟ لم تُحلّ الأزمة فحسب، بل ازدادت تعقيدًا.
ومن المثير للاهتمام أن ترامب نفسه لم يأخذ هذه المرافقة على محمل الجد. فقد قلّل مرارًا من شأن أوروبا، واتهمها بإساءة استخدام السلطة، بل ووجّه تهديداتٍ غير مسبوقة في العلاقات بين الحلفاء. أظهرت هذه التصرفات أن أوروبا، في نظره، لم تكن شريكًا، بل أداةً مؤقتة؛ أداةً تُستخدم طالما كانت مفيدة ثم تُهمل.
مع اندلاع الحرب على إيران، اتضحت أبعاد هذا الخطأ لأوروبا. كانت الضربة الأولى اقتصادية، إذ شكّل إغلاق مضيق هرمز وتعطيل تدفقات الطاقة صدمةً خطيرةً للاقتصادات الأوروبية. وواجهت الدول التي تعتمد على الطاقة المستوردة فجأةً ارتفاعًا في الأسعار، وعدم استقرار، وضغوطًا داخلية. كان هذا أمرًا متوقعًا، لكن لم يُؤخذ على محمل الجد.
إضافةً إلى ذلك، برزت مشكلة أخرى سريعًا: أوكرانيا. فمع انخراطها في حرب جديدة، غيّرت الولايات المتحدة تركيزها، وانخفض مستوى دعمها لأوكرانيا. وباتت أوروبا تواجه أزمة أمنية في شرق القارة، تعتمد بشكل كبير على واشنطن لإدارتها.
من جهة أخرى، أُثيرت تساؤلات جديدة حول حلف الناتو. فعندما يتحدث ترامب عن إمكانية انسحاب أمريكا أو تقليص التزاماتها، فمن الطبيعي أن يهتزّ الهيكل الأمني الأوروبي برمّته. أصبح حلف الناتو، الذي كان يُفترض أن يكون ركيزة أمن القارة، مصدر قلق. وهذا يعني أن ما بنته أوروبا على مرّ السنين يتآكل ببطء.
إذا جمعنا كل هذه العوامل، تتضح لنا صورة جلية: لقد أخطأت أوروبا خطأً فادحًا في حساباتها تجاه إيران. ظنّت أنها باللعب على أرضية ترامب، ستتمكن من حماية مصالحها وتجنب التوترات. لكن في الواقع، لم تفشل في تحقيق هذا الهدف فحسب، بل دخلت هي نفسها في الأزمة نفسها.
المشكلة ليست في خطأ أوروبا فحسب، بل في أن هذا الخطأ كان استراتيجيًا. أي أنه قرار لم يؤثر على حالة محددة فحسب، بل على مكانة أوروبا بأكملها في النظام الدولي. من الاقتصاد إلى الأمن، ومن السياسة الخارجية إلى التماسك الداخلي، كل شيء أصبح تحت الضغط.
في الوقت نفسه، وعلى عكس ما يعتقده البعض في أوروبا، لا تزال إيران عاملًا حاسمًا. هذا ما تجاهلته أوروبا في حساباتها. ظنّت أنها تستطيع إجبار إيران على التراجع بممارسة الضغط عليها والتحالف مع الولايات المتحدة، لكن النتيجة كانت عكسية. لم تتزحزح إيران عن مواقفها فحسب، بل تطور الوضع بطريقة جعلت الخسائر تقع على عاتق الطرف الآخر.
تواجه أوروبا اليوم سلسلة من الأزمات، كل منها يمثل تحديًا بحد ذاته. فمن جهة، الضغوط الاقتصادية، ومن جهة أخرى، حالة عدم اليقين الأمني، إلى جانب تراجع المصداقية السياسية على الصعيد العالمي. كل هذه مؤشرات على خيار خاطئ؛ خيار ربما بدا بسيطًا في حينه، لكن تعقيداته باتت واضحة الآن.
في نهاية المطاف، الإجابة على سؤال "ما الذي تدفعه أوروبا؟" ليست معقدة. تدفع أوروبا ثمن فقدان استقلاليتها في صنع القرار، وثمن ضياع فرصة الدبلوماسية، والأهم من ذلك، ثمن ثقتها بطرف أثبت مرارًا وتكرارًا عدم جدارته بالثقة.
هذا درس بالغ الأهمية، ليس لأوروبا فحسب، بل لكل طرف يعتقد أنه قادر على ضمان مصالحه طويلة الأمد بالاعتماد على قوى غير مستقرة. فالحقيقة أن الأخطاء الاستراتيجية في السياسة الدولية تتكشف عاجلًا أم آجلًا، وأوروبا تدفع ثمن هذه الأخطاء تحديدًا اليوم.
/انتهى/
تعليقك