وکالة مهر للأنباء: يُعدّ تحقيق وحدة الجبهات أهم إنجاز استراتيجي للمقاومة في الحرب الحالية، إذ تتجلى آثاره الجغرافية الواسعة في جميع أنحاء المنطقة، بما في ذلك المناطق الحساسة والاستراتيجية من مضيق هرمز وباب المندب إلى البحر الأبيض المتوسط، ويُضفي على المنطقة سمات جديدة تنعكس في تحولاتها الجيوسياسية.
تتسم هذه التحولات بنهج استراتيجي يتعلق بتوازن القوى، ما يجعل قوى المقاومة محورًا مؤثرًا في التطورات الإقليمية، ويعرقل تنفيذ مشروع "إسرائيل الكبرى". كما أن لهذا الحدث تبعات سياسية فعّالة في الحد من الهيمنة الخارجية وتقليص قدرة عائدات النفط على التحكم بالحكومات وتوجهاتها.
في ظل هذه الظروف، تقتضي المصالح الوطنية لكل دولة ذات سيادة اغتنام هذه الفرصة التاريخية واختيار مسارات تخدم حريتها الوطنية ومشروعها السيادي. وفيما يتعلق بقضية لبنان، ونظرًا لخصائص هذا البلد وتعقيد وضعه، يتشكل مساران: الأول هو مسار المقاومة، الذي اختار وحدة الجبهات كمشروع استراتيجي، والآخر هو مسار التطبيع، الذي قبلته الحكومة واختارت نهج "التفاوض دون استخدام أوراق القوة" و"الوفاء بالوعود الأمريكية".
ويُظهر استعراض تاريخ هذين النهجين ونتائجهما أن شنّ العدو مشروعًا مضادًا لمشروع المقاومة، يُسمى "فصل الجبهات"، وإخراج لبنان من المعادلات الإقليمية، وإقصاء أوراق قوته، وإجباره على الاستسلام؛ سيستمر باحتلال الجنوب، وجعل نهر الليطاني حدودًا له، وتعزيز مزاعمه التوراتية في جنوب لبنان، وتنفيذ مشاريعه الاقتصادية والاستيطانية هناك.
... صرح وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في هذا الصدد بأن اتفاق فصل الجبهات يُعد إنجازًا هامًا قاده نتنياهو، ويُمكّن الجيش الصهيوني من العمل بقوة في خططه. وكشف أن هذه الخطط تشمل توسيع نطاق السيطرة على الجنوب، وتدمير القرى وتسويتها بالأرض، والتوغل حتى حدود الليطاني.
وبهذا، فإن استراتيجيات المقاومة والتطبيع، التي يتبناها حاليًا الطيفان السياسيان في لبنان، لكل منهما نهجها ونتائجها الخاصة، والتي يمكن ذكرها بإيجاز:
أولًا: مسار المقاومة:
تأسست جذور مسار المقاومة واستراتيجية توحيد الجبهات منذ الاحتلال في هذا البلد. وقد أثبت هذا النهج نجاحه تاريخيًا في التحرير والردع وتحقيق انتصارات كبيرة، والآن، بانضمام الجبهة اللبنانية إلى ملف تفاوض دولي شامل واتفاق تاريخي هام، فقد بلغت ذروة هرمها الاستراتيجي، مما يخلق فرصًا ومزايا استراتيجية لهذا البلد، وأهمها ما نلاحظه:
1- فتح جبهات متعددة والانضمام إلى تحالف مقاومة قوي يفرض ضمانات دولية على العدو لأي اتفاق، وهو أمر خطير ويصعب على العدو انتهاكه. لهذا الاتفاق آثار بالغة على الاقتصاد العالمي، وأي تغيير فيه سيؤدي إلى توتر في المجتمع الدولي.
2- وحدة الجبهات تفرض معادلات صراع رادعة على الأعداء الصهاينة والأمريكيين، بحيث يشكل أي عدوان أو انتهاك للسيادة اللبنانية خطرًا دوليًا جسيمًا. عمومًا، تمنح هذه الاستراتيجية لبنان قوة إضافية وغطاءً أمنيًا واستراتيجيًا واسعًا.
3- لا تطمع إيران في لبنان، ولا يوجد قلق بشأن احتلالها لهذا البلد. أثبتت التجربة أن عملية صنع القرار في المقاومة، على الرغم من تبعيتها العاطفية والأيديولوجية لإيران، مستقلة تمامًا.
ثانيًا: مسار التطبيع:
هذا النهج ليس جديدًا على العرب، وقد ثبت فشله على مر السنين. إن عجز عملية التطبيع عن حماية المناطق التي تتعرض للعدوان العربي ليس سرًا على أحد، ولم تتمكن هذه العملية قط من الصمود أمام عدوان وتهديدات الكيان الصهيوني. هذا المسار ليس جديدًا على لبنان، ورغم أن هذا البلد لم يشارك في عملية التطبيع حتى الآن، إلا أن الاعتماد على خيار التسوية الوهمي على مدى الأشهر الخمسة عشر الماضية أظهر أن هذا النهج لن يحقق شيئًا للبنان ولن يمنع تنفيذ تهديدات العدو واعتداءاته عليه.
ويمكن تلخيص عواقب نهج التطبيع فيما يلي:
1- مفاوضات تحت وطأة التهديد. تدعم الولايات المتحدة هذه المفاوضات في ظل استمرار العدوان ودون ضمانات لوقف إطلاق النار، ما يُعد بداية فاشلة لهذه العملية التي لا تحترم مبادئ التفاوض ولا تملك على الأقل أوراق القوة.
2- غياب الدعم الشعبي. يميل الرأي العام اللبناني عمومًا إلى خيار المقاومة، بل إن العديد من الحركات غير المقاومة ترفض التطبيع، ما يقوض شرعية أي اتفاق في ظل هذا النهج ويحوله إلى اتفاق على الفتنة والصراع والانقسام الوطني، ما يؤدي إلى عواقب وخيمة على لبنان.
3- تكرار الفشل في هذا المجال. على مدى الأشهر الخمسة عشر الماضية، خاضت الحكومة اللبنانية مفاوضاتٍ بالتخلي عن محور المقاومة والاعتماد على الوعود الأمريكية، وأثبتت عجزها التام عن إحداث أي تغيير يُذكر في هذا المسار. خلال هذه الفترة، استشهد عدد كبير من عناصر الجيش، وتعرضت القرى اللبنانية لهجماتٍ عديدة، ودُمرت منازل كثيرة، وسقط العديد من الشهداء. في ظل هذه الظروف، لم تُبدِ الحكومة اللبنانية أي ردعٍ يُذكر، ولم تُبادر إلى منع هذه الهجمات أو إعادة بناء حتى أصغر الأحياء.
لذا، ينبغي على الحكومة إعادة النظر في هذا الخيار، لأنه يتماشى مع الاستراتيجية الصهيونية القائمة على "فصل الجبهات"، ويُتيح للعدو مواصلة عدوانه وتدميره وتوغله في لبنان. في هذه الظروف، لا يُمكن بأي حالٍ من الأحوال اعتبار هذا النهج خيارًا سياديًا يُمكن للحكومة من خلاله الدخول في مفاوضات مع العدو، لأنها تُدرك تمامًا أن جميع أوراق الحرب الاستراتيجية في يد الطرف الآخر.
لا يُمكن بأي حالٍ من الأحوال اعتبار هذا النهج خيارًا سياديًا يُمكن للحكومة من خلاله الدخول في مفاوضات مع العدو، لأنها تُدرك تمامًا أن جميع أوراق الحرب الاستراتيجية في يد الطرف الآخر.
ارتكب الكيان الصهيوني الجريمة الكبرى والمجزرة المروعة في لبنان بأوامر من الولايات المتحدة بهدف تقويض وحدة الجبهات. وقد سعى الكيان الصهيوني إلى التهرب من البند المتفق عليه صراحةً في المفاوضات الباكستانية، ألا وهو وقف إطلاق النار على جميع الجبهات، بما فيها لبنان، لأن هذا البند يُعدّ شرطاً أساسياً لتحقيق وحدة الجبهات. لذا، لا ينبغي للحكومة اللبنانية أن تتفاءل بدعم الولايات المتحدة للمفاوضات بينها وبين الكيان الصهيوني.
تعليقك