٢٢‏/٠٤‏/٢٠٢٦، ١٠:١٥ ص

بالانتير في مواجهة إيران: الوجه الجديد لحروب القرن الحادي والعشرين

بالانتير في مواجهة إيران: الوجه الجديد لحروب القرن الحادي والعشرين

في الحروب المعاصرة، لم تعد التكنولوجيا مجرد أداة مساعدة، بل أصبحت جوهر عملية صنع القرار. ما حدث في الحرب الأمريكية الإسرائيلية الأخيرة ضد إيران يُعد مؤشراً على دخول مرحلة جديدة من الحرب، مرحلة تحل فيها "سرعة الخوارزميات" محل "الحكم البشري". وفي قلب هذا التحول، يبرز اسم شركة واحدة: بالانتير.

وكالة مهر للأنباء: بالانتير شركة أمريكية تعمل في مجال تحليل البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي، وقد أصبحت من أبرز المتعاقدين مع المؤسسات الأمنية والعسكرية الأمريكية في السنوات الأخيرة. عملت الشركة عن كثب مع منظمات مثل وكالة المخابرات المركزية (CIA) ووزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) منذ البداية، ونقلت منتجاتها تدريجياً من مجالات الاستخبارات إلى ميادين العمليات الحربية. يتمحور نشاط بالانتير حول إنشاء منصات قادرة على تحليل كميات هائلة من البيانات في وقت قصير وتحويلها إلى "قرارات". تتراوح هذه القرارات بين تحديد شبكة مالية وتحديد إحداثيات هدف عسكري. في الحرب الأخيرة، دُمجت هذه القدرة نفسها مباشرةً في عملية القتل، محولةً دورها من أداة تحليلية إلى عنصر فاعل في العمليات.

في الماضي، كانت عملية تحديد الأهداف العسكرية - ما يسميه البنتاغون "سلسلة القتل" - تتطلب عمل آلاف المحللين. كان يتم مراجعة صور الأقمار الصناعية، ومطابقة التقارير، وقد يستغرق إعداد "حزمة الأهداف" أيامًا أو حتى أسابيع. لكن مع إدخال الأنظمة التي طورتها شركة بالانتير، اختُصرت هذه العملية إلى ثوانٍ. تستقبل هذه الأنظمة بيانات الأقمار الصناعية، وفيديوهات الطائرات المسيّرة، واعتراضات الاتصالات، ومعلومات الإنترنت، والتقارير الميدانية، وتحللها في آنٍ واحد، لتقدم في النهاية أهدافًا مقترحة مع نوع السلاح المناسب. ما كان في السابق نتاج جهد بشري مكثف، أصبح الآن نتاج خوارزمية لا تعرف الكلل ولا تتوقف.

تؤكد الوثائق الاستراتيجية للجيش الأمريكي صراحةً على أولوية السرعة. وقد تُرجم هذا النهج إلى أن "القتل بشكل أسرع" بات له الأولوية على "القتل بدقة أكبر". فعندما تُهاجم مئات أو آلاف الأهداف في أول 24 ساعة من العملية، لا يوجد وقت للتحقق الدقيق. تقترح أنظمة الذكاء الاصطناعي أهدافًا، ويؤكدها البشر خلال فترة زمنية محدودة للغاية. يبقى البشر جزءًا من عملية صنع القرار، لكن في الواقع، حوّلتهم سرعة البيانات وحجمها إلى مجرد مُوافقين سلبيين. هنا تضيق الفجوة بين مسؤولية الإنسان وعملية صنع القرار الآلي.

تُظهر أمثلة مثل الهجوم على مدرسة ميناب جنوب إيران، الذي أودى بحياة أكثر من 160 طفلًا، عواقب هذا التغيير. عندما يُصمّم نظام لمعالجة كم هائل من الأهداف في وقت قصير، يصبح احتمال الخطأ جزءًا من منطق تشغيله. في مثل هذه الظروف، يتلاشى التمييز بين الخطأ والإهمال، وحتى عدم الانتباه المتعمد. لا يقتصر الأمر على إمكانية ارتكاب الخوارزمية للأخطاء، بل إن البنية بأكملها مصممة للقضاء على فرصة تصحيح الخطأ.

لا يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على اختيار الأهداف. فالحرب الحديثة مشكلة لوجستية معقدة، وتلعب شركة بالانتير دورًا محوريًا في هذا المجال أيضًا. يتطلب التنسيق بين الصواريخ والقاذفات والطائرات المسيّرة والتزود بالوقود جوًا وإدارة الذخيرة معالجة كميات هائلة من البيانات. تعمل أنظمة الذكاء الاصطناعي على تحسين هذه العملية، ومحاكاة سيناريوهات مختلفة في وقت قصير، بل وتقترح السلاح الأمثل لكل هدف. وبهذا، أصبح الذكاء الاصطناعي المحرك التنفيذي للحرب؛ محركًا يتخذ القرارات ويوجه التنفيذ.

إلى جانب هذه التطورات، ثمة حقيقة أخرى مهمة: لقد أصبحت الحرب سوقًا مربحة لشركات التكنولوجيا. وقد برزت شركة بالانتير كإحدى أبرز الشركات الرابحة من هذا التوجه، بحصولها على عقود عسكرية ضخمة. وهذا يعني وجود صلة مباشرة بين تطوير التقنيات العسكرية والمصالح الاقتصادية. فكلما اتسعت رقعة الحرب، زادت أرباح هذه الشركات. ويُعد هذا التوافق بين المصالح الاقتصادية واستمرار الصراع أحد أخطر جوانب الحروب القائمة على الذكاء الاصطناعي. وما حدث في الحرب الإيرانية هو استمرار لتوجه سبق أن شُوهد في غزة. هناك أيضًا، استُخدمت أنظمة الذكاء الاصطناعي لتحديد الأهداف، ولعبت الخوارزميات دورًا عمليًا في تحديد مصير الأفراد. وقد أظهرت تجربة غزة إمكانية نشر هذه التقنيات بسرعة وعلى نطاق واسع، حتى مع ارتفاع خطر سقوط ضحايا مدنيين. لقد نقلت الحرب الإيرانية هذا الاتجاه إلى مستوى جديد وأظهرت أن استخدام الذكاء الاصطناعي في الحرب لم يعد استثناءً، بل أصبح هو القاعدة.

في ظل هذه الظروف، لم يعد الادعاء بأن "التكنولوجيا محايدة" مقنعًا. فالتكنولوجيا لا تُستخدم بمعزل عن سياقها، بل تكتسب أهميتها ضمن إطار هياكل السلطة. وعندما تقوم هذه الهياكل على التفوق العسكري والتدخل، فمن الطبيعي أن تُستخدم الأدوات الجديدة في الاتجاه نفسه. ولا يقتصر الأمر على كون الذكاء الاصطناعي غير محايد هنا، بل إنه يُسهم أيضًا في ترسيخ المنطق نفسه: زيادة السرعة، وخفض التكاليف، وتوسيع نطاق التدمير.

وخلف هذه التطورات، تكمن رؤية أيديولوجية تعتبر الصلة بين شركات التكنولوجيا والقوة العسكرية جوهرية. ففي هذه الرؤية، أصبحت البرمجيات الأداة الرئيسية للقوة العسكرية، ويُنظر إلى تطوير الأسلحة القائمة على الذكاء الاصطناعي ليس كخيار، بل كضرورة حتمية. هذه الرؤية تُغير عمليًا مسار استخدام العلم من خدمة الإنسانية إلى خدمة الحرب.

والنتيجة النهائية لهذه العملية هي صورة مقلقة لمستقبل الحروب. فقرارات الحياة والموت تُترك بشكل متزايد للخوارزميات، وتُستبدل السرعة بالدقة، وتُخفى المسؤولية في طبقات التكنولوجيا المعقدة. شركة بالانتير ليست مجرد شركة، بل هي رمز لهذا التغيير. يرمز هذا إلى كيف يمكن للعلم والتكنولوجيا، إذا ما وُجِّها في اتجاه معين، أن تتحول من أداة للتقدم إلى أداة للتدمير. ليست المشكلة الأساسية في الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، بل في كيفية استخدامه. فهذه التقنية نفسها قادرة على المساهمة في الطب والبيئة وتحسين جودة الحياة. لكن عندما تُسخَّر لخدمة آلة حرب تُعطي الأولوية للفتك، لن تكون النتيجة سوى انتشار العنف. والسؤال الأهم هو: هل يستطيع العالم وضع قواعد لاستخدام هذه التقنيات، أم أن تنافس القوى سيقودنا إلى مسارٍ تُصبح فيه سرعة القتل أهم من الدقة والمسؤولية؟ إن الإجابة على هذا السؤال ستحدد مستقبل الحرب، وربما مستقبل البشرية جمعاء.

رمز الخبر 1970161

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha