٠١‏/٠٦‏/٢٠٢٦، ١١:٥٩ ص

من بوش إلى ترامب: دوامة الإفلات من العقاب والحرب التي لا تنتهي

من بوش إلى ترامب: دوامة الإفلات من العقاب والحرب التي لا تنتهي

يُعدّ إفلات القوى العظمى من العقاب إحدى أكبر أزمات النظام الدولي المعاصر؛ أزمة لا تُضحّي بالعدالة فحسب، بل تُمهّد الطريق عمليًا لتكرار حروب واعتداءات ومآسٍ إنسانية جديدة.

وكالة مهر للأنباء: ففي كل مرة تُقدم فيها دولة قوية على الحرب أو الاحتلال أو قتل المدنيين دون تحمّل التكاليف السياسية والقانونية، تُرسل رسالة إلى العالم مفادها أن القواعد الدولية وُضعت فقط للدول الضعيفة، وأن الجهات الفاعلة القوية يُمكنها التصرّف خارج نطاق القانون. ولا ينتج عن هذا الوضع سوى إضعاف النظام العالمي، وانتشار عدم الاستقرار، وتكرار المآسي الإنسانية.

وفي هذا السياق، ربطت مجلة "كارنت أفيرز" الأمريكية، في تقرير نقدي غير مسبوق، بين حصانة القادة الأمريكيين من المساءلة ووقوع المآسي الإنسانية اللاحقة. بالإشارة إلى الهجوم الدامي على مدرسة في ميناب واستشهاد الطلاب الأبرياء، يرى كاتب هذا التقرير أنه لو تمت محاكمة المسؤولين عن حرب العراق، بمن فيهم جورج بوش ومسؤولون أمريكيون آخرون، بعد انتهائها، بتهم انتهاك القانون الدولي وارتكاب جرائم حرب، لما شهدنا تكرارًا لمثل هذه المآسي اليوم.

قد تبدو هذه الحجة افتراضية وذاتية للوهلة الأولى، لكنها في الواقع تستند إلى أحد المبادئ الراسخة في العلوم السياسية والقانون الدولي: "الردع". فكما أن معاقبة المجرمين على المستوى المحلي تمنع الآخرين من ارتكاب الجرائم، فإن محاسبة قادة الحرب وصناع القرار تقلل أيضًا من احتمالية نشوب حروب وجرائم مستقبلية. فعندما يثق المسؤول السياسي بأنه سيُحاسب أمام المحاكم الدولية بعد انتهاء ولايته، سيكون أكثر حذرًا في اتخاذ القرارات العسكرية المكلفة والمحفوفة بالمخاطر.

لكن تجربة العقدين الماضيين تُظهر أن هذا المبدأ نادرًا ما طُبِّق على القوى العظمى. ويُعد غزو العراق عام 2003 من قِبَل الولايات المتحدة وحلفائها مثالًا صارخًا على ذلك. بدأ الأمر بادعاء وجود أسلحة دمار شامل، لكن سرعان ما اتضح أن هذا الادعاء لا أساس له من الصحة. أسفرت هذه الحرب عن مقتل مئات الآلاف من الأشخاص، وتدمير البنية التحتية للبلاد، وصعود الجماعات المتطرفة، وبداية فترة طويلة من عدم الاستقرار في المنطقة. ورغم هذه العواقب الوخيمة، لم يُحاسب أي من المخططين الرئيسيين لحرب العراق أمام محكمة دولية.

وقد أدى هذا الإفلات من العقاب تدريجيًا إلى خلق ثقافة الإفلات من العقاب. في ظل هذه البيئة، يخلص القادة السياسيون إلى أنه حتى لو اتخذوا قرارات تؤدي إلى مقتل آلاف المدنيين، فإن احتمال مواجهتهم عواقب قانونية ضئيل للغاية. بعبارة أخرى، تكلفة الحرب على صانعي القرار أقل بكثير من تكلفتها على عامة الناس والضحايا.

وبناءً على هذا المنطق، يتناول تقرير الشؤون الجارية محاكمة مسؤولين في إدارة دونالد ترامب لدورهم في العمليات العسكرية ضد إيران. ويرى كاتب التقرير أنه لكي يحافظ النظام القانوني الدولي على مصداقيته، يجب ألا يُميّز بين الدول والقادة. ويرى أن القانون الدولي لا يكون منطقياً إلا عندما يتم تطبيقه بنفس الطريقة على جميع الجهات الفاعلة، بغض النظر عن مستوى قوتها السياسية والعسكرية.

يشير هذا إلى إحدى المفارقات الكبرى للنظام الدولي المعاصر. فكثير من الدول الغربية تُصوّر نفسها كمدافعة عن حقوق الإنسان وسيادة القانون، وتُطالب مرارًا وتكرارًا بمحاكمة قادة الدول الأخرى، ولكن عندما يتعلق الأمر بتقييم أدائها، تعمل الآليات القانونية والسياسية بطريقة تُقصي إمكانية المساءلة الحقيقية. وقد أدى هذا النهج المزدوج إلى تراجع الثقة العالمية في المؤسسات الدولية، حيث تنظر دول عديدة إلى هذه المؤسسات كأدوات سياسية للضغط على خصومها.

في الواقع، لا تكمن المشكلة الرئيسية في وقوع حرب أو هجوم معين فحسب، بل في العواقب طويلة الأمد للإفلات من العقاب على مثل هذه الأفعال. فعندما تنتهي حرب دون محاسبة، تتشكل فكرة أن استخدام القوة يمكن أن يكون وسيلة مشروعة وغير مكلفة لتحقيق أهداف سياسية. وبمرور الوقت، تُهيئ هذه العقلية الأرضية لأزمات جديدة وتُعيد إنتاج دوامة العنف.

وتؤكد أمثلة تاريخية عديدة هذه الحقيقة. بعد الحرب العالمية الثانية، لم تقتصر محاكمات نورمبرغ وطوكيو على معاقبة المسؤولين عن جرائم الحرب فحسب، بل هدفت أيضاً إلى غاية أسمى: إيصال رسالة مفادها أن لا سلطة سياسية أو عسكرية فوق القانون. ورغم أن هذه التجربة لم تخلُ من الانتقادات، إلا أنها رسّخت مبدأ المساءلة كركيزة أساسية للنظام الدولي.

مع ذلك، في العقود اللاحقة، تأثر تطبيق هذا المبدأ بشدة باعتبارات القوة. ففي كثير من الحالات، حوكم قادة الدول الضعيفة أو المهزومة، بينما أفلت قادة الدول العظمى من أي ملاحقة قضائية. وقد شكّلت هذه الازدواجية في المعايير تحدياً للفلسفة الوجودية للعدالة الدولية.

إن الهجوم على مدرسة ميناب واستشهاد طلابها ليس مجرد حادثة مأساوية في موقع جغرافي واحد، بل هو رمز للعواقب العالمية لوضع عسكري تسود فيه القوة على القانون. فعندما يعجز القانون عن حماية المدنيين، ويفلت مرتكبو المجازر من العقاب، يكون الضحايا الرئيسيون هم الأطفال والنساء والأشخاص الذين لا دور لهم في القرارات السياسية والعسكرية.

من هذا المنظور، تشير عبارة "فتيات ميناب كنّ على قيد الحياة لو حوكم بوش" إلى حقيقة مُرّة. فلو تحرك المجتمع الدولي بحزم أكبر ضد الحروب السابقة، ولو تمت محاكمة مرتكبي جرائم الاغتصاب وجرائم الحرب بغض النظر عن جنسيتهم أو نفوذهم، ولو أصبح القانون الدولي أداة حقيقية لإقامة العدل، لربما لم تقع العديد من مآسي اليوم.

بالطبع، لا يمكن للمساءلة وحدها القضاء على الحرب من العالم، لكنها بلا شك إحدى أهم الأدوات لمنع تكرارها. يصبح العدل ذا معنى عندما يكون الجميع سواسية أمامه. إذا أدرك قادة الدول القوية ضرورة محاسبتهم على أفعالهم، كما هو الحال مع قادة الدول الصغيرة، ستتغير حساباتهم السياسية، وسيقل احتمال لجوئهم إلى الخيارات العسكرية.

اليوم، أكثر من أي وقت مضى، تتوقف مصداقية النظام القانوني الدولي على مسألة تطبيق القانون بالتساوي على الجميع. إذا كانت الإجابة بالنفي، فإن العالم يُخاطر بإدامة دوامة من الحروب والأزمات والمجازر. لكن إذا تم تطبيق مبدأ المساءلة دون تمييز، فربما يكون هناك أمل في عدم تكرار مآسي مثل تلك التي حدثت في ميناب.

رمز الخبر 1971256

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha