وكالة مهر للأنباء: وقد زعم الرئيس اللبناني مؤخراً في خطاباته أن على إيران ألا تحوّل لبنان إلى "ورقة مساومة" في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة. وتأتي هذه التصريحات في وقت شددت فيه الجمهورية الإسلامية الإيرانية مراراً وتكراراً على ضرورة وقف عدوان الكيان الصهيوني على لبنان خلال الأشهر الماضية، بالتزامن مع مفاوضات غير مباشرة مع الولايات المتحدة. وتعتبر طهران، في مواقفها الرسمية، إرساء وتوطيد وقف إطلاق النار في لبنان أحد شروط إحراز أي تقدم في العمليات الدبلوماسية الإقليمية، ودعت دائماً إلى وقف الهجمات العسكرية على الأراضي اللبنانية.
اتُخذت هذه المواقف في ظلّ انتهاك الكيان الصهيوني المتكرر لاتفاق وقف إطلاق النار، واستهدافه مناطق متفرقة من جنوب لبنان بالغارات الجوية والقصف المدفعي. ونتيجةً لهذه الهجمات، تضررت عشرات القرى والبلدات، ودُمّرت بنى تحتية حيوية، وأُجبر آلاف المواطنين اللبنانيين على مغادرة منازلهم.
والواقع أن أجزاءً من لبنان لا تزال اليوم تحت سيطرة الكيان الصهيوني. وتستمر التهديدات الأمنية ضد البلاد، وقد صرّح مسؤولون في تل أبيب مرارًا وتكرارًا بإمكانية توسيع نطاق عملياتهم العسكرية. حتى في الأسابيع الأخيرة، وُجّهت تهديدات بمهاجمة بيروت وتوسيع نطاق الحرب؛ تهديدات أُحبطت وأُوقفت بفضل ردود فعل إقليمية حاسمة وتحذيرات جدية من الجمهورية الإسلامية الإيرانية للكيان الصهيوني.
في ظلّ هذه الظروف، يعتقد العديد من المحللين الإقليميين أن التركيز على دور إيران بدلًا من معالجة العامل الرئيسي لانعدام الأمن في لبنان يُعدّ نوعًا من تغيير الأولويات وتحوّلًا في تركيز الرأي العام. من وجهة نظر هؤلاء المحللين، فإن الدولة التي تحتل الأراضي اللبنانية، وتنتهك مجالها الجوي، وتشرّد مواطنيها، وتستهدف بنيتها التحتية، لا يمكنها التهرب من المسؤولية عن الأزمات الحالية.
يمكن تقييم رد الجمهورية الإسلامية الإيرانية على تصريحات الرئيس اللبناني في هذا السياق. ففي رده على هذه التصريحات، أكد السيد عباس عراقجي، وزير خارجية الجمهورية الإسلامية الإيرانية، قائلاً: "لو كان لبنان ورقة مساومة لإيران، لتوصلنا إلى اتفاق منذ زمن".
ويُعدّ هذا التصريح في الواقع ردًا على مزاعم تحاول تفسير دعم إيران للبنان على أنه صفقة سياسية. فمن وجهة نظر طهران، يُشكّل دعم لبنان ومعارضة عدوان الكيان الصهيوني جزءًا من سياسة الجمهورية الإسلامية المبدئية في دعم دول المنطقة ضد الاحتلال والعدوان الأجنبي، وليس أداةً لانتزاع تنازلات في المفاوضات.
والأهم في هذا الصدد هو مراعاة التجربة التاريخية للبنان. فقد كان لبنان هدفًا للعدوان العسكري من قِبل الكيان الصهيوني مرات عديدة على مدى العقود الماضية. فمن احتلال جنوب لبنان إلى الحروب الواسعة النطاق والغارات الجوية المتكررة، كان هناك دائمًا عامل ثابت في معادلات الأمن اللبناني، ألا وهو التهديد الذي تُشكّله سياسات تل أبيب التوسعية والعدوانية.
على النقيض من ذلك، تمكنت المقاومة اللبنانية من لعب دورٍ هام في ردع هذه التهديدات خلال السنوات الماضية. ويعتقد العديد من الخبراء أنه لولا قدرة المقاومة على الردع، لكان لبنان سيواجه ضغوطًا أمنية وعسكرية أوسع نطاقًا. ولهذا السبب، فإن الجهود المبذولة لإضعاف عناصر القوة الوطنية اللبنانية في الوضع الراهن، بدلًا من المساهمة في أمن البلاد، قد تمهد الطريق لتزايد الضغوط الخارجية.
من جهة أخرى، يرى بعض المراقبين أن بعض الضغوط السياسية الموجهة ضد إيران ومحور المقاومة في لبنان يمكن تحليلها في إطار استراتيجية أوسع لتغيير موازين القوى في المنطقة، وهي استراتيجية تهدف إلى تقليص قدرات الردع ضد الكيان الصهيوني، وخلق ظروف أكثر ملاءمة لتحقيق أهداف تل أبيب الأمنية.
وبناءً على ذلك، يعتبر العديد من المحللين توجيه اتهامات مثل تحويل لبنان إلى ورقة مساومة في ظل استمرار العدوان الصهيوني، شكلًا من أشكال تضليل الرأي العام، وخطابًا خاطئًا يُركز بدلًا من التركيز على المحتل، على الجهات التي دعمت حق لبنان في الدفاع عن سيادته ووحدة أراضيه. لا شك أن لبنان اليوم في أمسّ الحاجة إلى الوحدة الداخلية، وإعادة الإعمار الاقتصادي، وتعزيز الأمن. ويتطلب تحقيق هذه الأهداف فهمًا دقيقًا للتهديدات، وتحديدًا صحيحًا لأولويات التحديات. فالدولة التي يقع جزء من أراضيها تحت الاحتلال، وتتعرض لعدوان عسكري في أي لحظة، يجب عليها، قبل كل شيء، التركيز على مواجهة العامل الرئيسي لانعدام الأمن.
وقد أظهرت تجربة السنوات الماضية أن تجاهل الجذور الحقيقية للأزمة لا يُسهم في حل المشكلات فحسب، بل يُمهد الطريق أيضًا لاستمرار عدم الاستقرار. لذا، فإن أي محاولة لتغيير أدوار المعتدي والداعم، والمحتل والمدافع، لن تُفيد لبنان، ولن تضمن أمنه واستقراره.
إن السؤال الرئيسي الذي يواجه لبنان اليوم ليس من يدعمه، بل من يحتل أراضيه، وينتهك سيادته، ويُعرّض أمن مواطنيه للخطر. والإجابة على هذا السؤال كفيلة بتسليط الضوء على المسار الصحيح لمواجهة الأزمات الراهنة. وللتغلب على التحديات المقبلة، يحتاج لبنان، قبل كل شيء، إلى تحديد دقيق للعدو الحقيقي. إلى أن يتغير مسار التهديدات الرئيسية، ويُحوّل التركيز عن الاحتلال والعدوان، سيصعب تحقيق الأمن الدائم والاستقرار الحقيقي. والخطوة الأولى في الدفاع عن المصالح الوطنية اللبنانية هي تحديد مصدر التهديد بدقة والتركيز على مواجهته؛ وهي حقيقة كشفت عنها تطورات الأشهر الأخيرة أكثر من أي وقت مضى.

تعليقك