١٢‏/٠٧‏/٢٠٢٦، ١٠:٢٧ ص

تشييع تحوّل إلى ساحة جيوسياسية.. لماذا أثار المراسم في العراق غضب واشنطن؟

تشييع تحوّل إلى ساحة جيوسياسية.. لماذا أثار المراسم في العراق غضب واشنطن؟

تحولت مراسم تشييع قائد الثورة الإسلامية الشهيد من حدثٍ ديني وشعبي إلى محطة جيوسياسية لافتة، بعدما عكست مشاهد الحشود المليونية في إيران والعراق رسائل سياسية وإستراتيجية تجاوزت حدود مراسم الوداع.

وكالة مهر للأنباء: في الأدبيات الإستراتيجية، لا يقتصر الاغتيال على تصفية شخص بعينه، بل يُعد محاولة لإعادة تشكيل المعادلات السياسية والنفسية والاجتماعية. فالقائمون على عمليات الاغتيال يسعون عادة إلى إرباك هياكل القيادة، وكسر معنويات الأنصار، وتفكيك التماسك التنظيمي، وإيصال رسالة مفادها أن حقبة ذلك التيار قد انتهت. ومن هذا المنطلق، فإن نجاح أو فشل عملية الاغتيال لا يُقاس بلحظة تنفيذها فحسب، بل تحدده أيضاً ردود فعل المجتمع والقوى السياسية والرأي العام خلال الأيام والأسابيع اللاحقة، وما إذا كانت الأهداف الإستراتيجية للعملية قد تحققت أم لا.

وانطلاقاً من هذه الرؤية، لا يمكن النظر إلى مراسم تشييع قائد الثورة الإسلامية الشهيد باعتبارها مجرد مناسبة دينية أو طقس عزائي. فما شهدته طهران وقم ومشهد، ثم النجف وكربلاء، تجاوز سريعاً الإطار العاطفي ليتحول إلى حدث ذي أبعاد جيوسياسية، حمل رسائل متعددة إلى المنطقة والولايات المتحدة والكيان الصهيوني وقوى محور المقاومة.

العراق.. الحلقة التي تسعى واشنطن إلى فصلها عن إيران

من بين جميع محطات التشييع، كان الحضور الشعبي الواسع في النجف وكربلاء الأكثر إثارة لاهتمام واشنطن. فقد أفادت صحيفة «الأخبار» اللبنانية، نقلاً عن مصادر سياسية، بأن الإدارة الأمريكية أبدت استياءً شديداً من حجم المراسم وآلية تنظيمها في العراق، معتبرة أنها بعثت برسالة واضحة تؤكد استمرار النفوذ الإيراني في هذا البلد.

ولا تبدو هذه الحساسية أمراً عابراً، فالعراق شكّل خلال العقدين الماضيين الساحة الأبرز للتنافس الجيوسياسي بين إيران والولايات المتحدة. فقد أنفقت واشنطن مليارات الدولارات، وأرسلت آلاف الجنود، وعملت سنوات طويلة على إعادة تشكيل النظام السياسي العراقي بما يحد من نفوذ طهران. كما مارست في السنوات الأخيرة ضغوطاً سياسية وأمنية واقتصادية على الحكومات العراقية بهدف تقليص دور القوى القريبة من إيران وإعادة صياغة موازين القوى الداخلية.

ومن هنا، فإن أي مؤشر يناقض هذا المسار لا يُنظر إليه في واشنطن بوصفه حدثاً رمزياً، بل باعتباره دليلاً على تعثر إستراتيجية طويلة الأمد. وقد حملت المشاركة الجماهيرية الواسعة في مراسم التشييع داخل المدينتين المقدستين رسالة مفادها أن الروابط السياسية والدينية والاجتماعية بين إيران وقطاع واسع من المجتمع العراقي لا تزال راسخة رغم مختلف الضغوط.

حين يتحول التشييع إلى استعراض للقوة

شهد التاريخ المعاصر العديد من مراسم التشييع التي تحولت إلى محطات سياسية فارقة، إذ تصبح جنازة الزعيم في كثير من الأحيان بمثابة استفتاء غير معلن على حجم حضوره الشعبي ونفوذه الاجتماعي. فالملايين الذين ينزلون إلى الشوارع طوعاً يبعثون، في الواقع، برسالة سياسية إلى الداخل والخارج.

وما جرى في إيران ثم في النجف وكربلاء يندرج في هذا السياق؛ إذ لم يكن التشييع مجرد شعيرة دينية، بل مثّل استعراضاً لقدرات التعبئة الشعبية، والتنسيق التنظيمي، والقوة الرمزية لتيار كان خصومه يتوقعون أن يدخل مرحلة من الارتباك بعد عملية الاغتيال.

ولهذا السبب، لم تستطع حتى وسائل الإعلام التي تختلف سياسياً مع الجمهورية الإسلامية تجاهل هذه الحقيقة.

فقد وصفت شبكة CNN الأمريكية مراسم التشييع بأنها بدت أقرب إلى "موكب انتصار" منها إلى مراسم عزاء، موكب بدأ من ثلاث مدن إيرانية وامتد إلى المدينتين المقدستين في العراق، حاملاً رسالة مفادها أن هذا الرجل "لم يخسر المعركة حتى بعد رحيله".

ورغم أن هذا الوصف صدر من زاوية إعلامية غربية، فإنه أشار، بصورة غير مباشرة، إلى حقيقة إستراتيجية تتمثل في أن عملية الاغتيال لم تنجح في ترسيخ صورة الهزيمة.

الإخفاق في حرب الروايات

باتت المنافسة الدولية اليوم تدور إلى حد كبير في ميدان الروايات الإعلامية والسياسية، حيث قد تكون الرواية المنتصرة أكثر تأثيراً من النتائج الميدانية نفسها.

فعقب كل عملية اغتيال، يجري عادة إنتاج رواية سياسية وإعلامية مفادها أن غياب القائد يعني بداية أفول المشروع الذي يقوده، وتُسخّر وسائل الإعلام ومنصات التواصل والعمليات النفسية لترسيخ هذه الصورة.

غير أن مشاهد التشييع المليونية صنعت رواية مغايرة، إذ أظهرت أن التصفية الجسدية لقائد لا تعني بالضرورة زوال رصيده الشعبي، بل قد تحوله، في بعض الأحيان، إلى رمز جامع يمتلك قدرة أكبر على تعبئة الرأي العام. ولذلك يرى كثير من المحللين أن الرصيد الرمزي لبعض القادة يتعاظم بعد استشهادهم، لأن الخلافات اليومية تتراجع لتحل محلها صورة تاريخية أكثر رسوخاً.

رأس المال الاجتماعي... قوة لا تُقصف

لم تعد القوة في العصر الحديث تُقاس بعدد الصواريخ والطائرات أو بحجم الميزانيات العسكرية فحسب، بل أصبح رأس المال الاجتماعي، المتمثل في الثقة والتماسك المجتمعي والاستعداد للدفاع عن منظومة فكرية أو سياسية، أحد أهم عناصر القوة.

وقد أظهرت الحشود المليونية في إيران والعراق، بغض النظر عن اختلاف القراءات السياسية، أن هذا الرصيد الاجتماعي لا يزال قائماً، وقادراً على التحول إلى قوة تعبئة واسعة في أوقات الأزمات.

وبالنسبة لصناع القرار في واشنطن، لا تمثل هذه المشاهد مجرد صور تلفزيونية، بل تُعد معطيات ميدانية تعتمد عليها المؤسسات الاستخبارية ومراكز الدراسات الإستراتيجية لتقييم حجم النفوذ، ومستوى التنظيم، والقدرات الاجتماعية للقوى الفاعلة في المنطقة.

ومن هذا المنطلق، تحولت مراسم التشييع إلى اختبار عملي لقياس حجم النفوذ الإيراني في الإقليم.

الرسالة الموجهة إلى العراق

كان العراق في صلب الرسائل التي حملتها هذه المراسم.

فخلال السنوات الماضية، عملت الولايات المتحدة على دفع الحكومات العراقية نحو تقليص مستوى العلاقات مع طهران، عبر الضغوط الرامية إلى الحد من دور فصائل المقاومة، وتشديد الرقابة على الحدود، وتقليص التعاون الأمني، والحد من النفوذ السياسي الإيراني.

غير أن التشييع الحاشد في النجف وكربلاء أظهر أن المعادلات الاجتماعية لا تتطابق بالضرورة مع المعادلات الدبلوماسية، وأن الشبكات الدينية والثقافية والاجتماعية قادرة على الحفاظ على روابطها حتى في ظل الضغوط السياسية الخارجية.

وهذا، بحسب العديد من المراقبين، يفسر جانباً من القلق الأمريكي، لأنه يعني أن تغيير الحكومات لا يؤدي بالضرورة إلى تغيير موازين القوى الاجتماعية.

أبعد من مجرد مراسم عزاء

ولو كان التشييع مجرد مناسبة دينية، لما أمكن تفسير حجم الاهتمام الذي أولته له وسائل الإعلام الغربية، ولا مستوى التفاعل الأمريكي معه.

فالواقع أن هذه المراسم تحولت إلى عرض لعدة عناصر من عناصر القوة، أبرزها القدرة على التنظيم، والحشد الشعبي، وصناعة الرمزية، والحفاظ على التماسك الداخلي بعد ضربة أمنية كبيرة.

وفي الأدبيات الأمنية، تُعد هذه السمات من أهم مؤشرات قدرة أي فاعل سياسي على الصمود والتكيف، الأمر الذي ينعكس مباشرة على حسابات خصومه في المستقبل.

لماذا تشعر واشنطن بالقلق؟

يكمن جوهر القلق الأمريكي، وفق هذه القراءة، في تبدل الحسابات الإستراتيجية. فإذا كان الهدف من عملية الاغتيال إحداث انهيار نفسي وسياسي، فإن المشاهد القادمة من إيران والعراق أظهرت، على الأقل، أن هذا الهدف لم يتحقق بسهولة.

كما أن المشاركة العراقية الواسعة حملت رسالة أخرى مفادها أن النفوذ الإيراني لا يستند إلى العلاقات الرسمية بين الحكومات فحسب، بل يقوم أيضاً على شبكة معقدة من الروابط الدينية والتاريخية والاجتماعية والسياسية، وهي شبكة يصعب تغييرها بمجرد تغيير حكومة أو مسؤول سياسي.

وعليه، فإن ما شهدته شوارع طهران والنجف وكربلاء لم يكن مجرد وداع لقائد، بل كان عرضاً لقدرة خطاب سياسي على إعادة إنتاج نفسه بعد تلقي ضربة قاسية.

ولعل أبرز ما يمكن استخلاصه من هذه المراسم هو أن الصراعات في غرب آسيا لا تُحسم بالصواريخ والطائرات المسيّرة وحدها، بل تدور أيضاً حول الرواية والشرعية والرموز ورأس المال الاجتماعي. وفي هذا الإطار، اكتسب تشييع قائد الثورة الإسلامية الشهيد دلالته السياسية، حيث رأى كثير من المراقبين أنه، خلافاً لما كان يتوقعه مخططو عملية الاغتيال، أسهم في تعزيز الحضور الرمزي والسياسي لمحور المقاومة، وهو ما قد يفسر جانباً من الغضب والقلق الأمريكي.

رمز الخبر 1972223

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha