وكالة مهر للأنباء، قسم الشؤون الدولية: دخلت أمريكا الحرب مع إيران بهذا التصور أنها تستطيع، بالاعتماد على التفوق العسكري والتقنيات المتقدمة ودعم الحلفاء الإقليميين، تغيير المعادلات لصالحها؛ لكن واقع المواجهة أظهر أنه لا يمكن إركاع إيران بحسابات عسكرية بسيطة. فالقدرة الدفاعية والقدرة الصاروخية والمسيّرة وطاقة الصمود الإيرانية وضعت أمام واشنطن معادلات ليس تجاوزها أمرًا سهلًا. ومن هذه الزاوية، يجب البحث عن هزيمة أمريكا في عجزها عن تحقيق الأهداف الاستراتيجية وفرض إرادتها على إيران.
وتكتسب تصريحات جون ميرشايمر، المنظر البارز في العلاقات الدولية، أهمية من هذه الزاوية نفسها. فهو يشدد على أن المبادرة بيد إيران، وأن الدفاع الجوي الإسرائيلي وحلفاء أمريكا الإقليميين لا يمكنهم تحييد القدرة الصاروخية والمسيّرة لطهران بالكامل. وهذا التقييم يُظهر أن القدرة الدفاعية الإيرانية ما زالت متغيرًا حاسمًا في الحسابات الأمنية لواشنطن وتل أبيب.
إيران؛ قوة لا تُستبعد من المعادلات
من أهم حقائق المواجهة مع إيران استمرار قدرة هذا البلد على الرد. فالقدرة الصاروخية والمسيّرة الإيرانية، وموقعها الجغرافي وقدراتها الدفاعية، تفرض مجموعة من القيود على التخطيط العسكري الأمريكي. وعلى واشنطن، لأي إجراء ضد إيران، أن تحسب تبعاته المحتملة في عموم المنطقة؛ من أمن القوات والمنشآت العسكرية إلى وضع الحلفاء وكلفة استمرار المواجهة.
وهذه الظروف تُظهر أن إيران ليست مجرد هدف عسكري، بل فاعل قادر على التأثير في المعادلات الإقليمية. وأي استراتيجية تتجاهل هذه الحقيقة ستواجه خطر الخطأ التقديري. قد تمتلك أمريكا موارد عسكرية وتقنية واسعة، لكن هذه القدرات لا تضمن بحد ذاتها تحقيق الأهداف السياسية.
الخطأ التقديري لواشنطن
من العوامل المهمة في تقييم المواجهة الأمريكية مع إيران، الفهم الخاطئ للقدرات الداخلية والخصائص الاستراتيجية للبلد. فالحسابات التي تقيّم إيران على أساس المعدات العسكرية أو الضغوط الاقتصادية فحسب، تبقى عاجزة عن إدراك مجموعة العوامل المؤثرة في قوة هذا البلد.
تمتلك إيران قدرات دفاعية وموارد بشرية وبنى تحتية استراتيجية وموقعًا جغرافيًا تؤثر مجتمعةً في حسابات الطرف المقابل. كما أن التماسك الداخلي والالتفاف الاجتماعي في الظروف الحرجة يمكن أن يساعدا في تعزيز قدرة إدارة الأزمة واستمرار الأنشطة الدفاعية. وإن تجاهل هذه المكونات يزيد احتمال التقدير الخاطئ للكلفة والتبعات.
ومن هذه الزاوية، يجب اعتبار هزيمة الاستراتيجية الأمريكية نتيجة عجزها عن تحويل الضغط العسكري إلى نتيجة سياسية مرجوة. فحين يحافظ الطرف المقابل على قدرته على الرد ولا يقبل بالمطالب المفروضة، تواجه استراتيجية الضغط قيودًا جدية.
الوحدة الداخلية والقدرة الدفاعية؛ سند اقتدار إيران
لا تقتصر قوة إيران على القدرة التسليحية. فالقدرة على الحفاظ على البنى التحتية الحيوية، وإدارة الظروف الحرجة، والتنسيق بين مختلف قطاعات البلاد، تسهم أيضًا في تشكيل القوة الوطنية. وفي ظروف المواجهة الخارجية، يمكن أن يتحول التماسك الداخلي إلى عامل مهم لتقليل أثر الضغوط والحفاظ على قدرة القرار المستقل.
ولذلك، يجب أن يأخذ أي تقييم لقوة إيران مجموعة من العوامل العسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية في الاعتبار. فالبلاد التي تستطيع الحفاظ على قدراتها الدفاعية، وإدارة كلفة الضغط الخارجي، والدفاع عن استقلال قرارها، ستكون لها مكانة حاسمة في الحسابات الاستراتيجية للطرف المقابل.
ولهذا الموضوع رسالة واضحة لأمريكا أيضًا: إن أي إجراء عسكري جديد ضد إيران سيرافقه مجموعة من المخاطر والتبعات الإقليمية. فالقدرة الدفاعية وقدرة الرد الإيرانية تجعلان كلفة مثل هذا القرار أحد المتغيرات الرئيسية في حسابات واشنطن.
تبعات هزيمة أمريكا على مستقبل المنطقة
المواجهة مع إيران ليست بالنسبة لأمريكا مسألة عسكرية فحسب؛ بل ترتبط باعتبار واشنطن الاستراتيجي وأمن الحلفاء ومستقبل الترتيبات الإقليمية. فالعجز عن تحقيق الأهداف المعلنة يمكن أن يؤثر في تقييم حلفاء أمريكا ومنافسيها لقدرة هذا البلد على إدارة الأزمات الإقليمية.
وفي المقابل، فإن الحفاظ على القدرات الدفاعية الإيرانية واستمرار دور هذا البلد في المعادلات الأمنية الإقليمية يثبّت مكانة طهران كأحد الفاعلين الرئيسيين في غرب آسيا. وهذا الوضع لا يعني نهاية النفوذ الأمريكي، لكنه يُظهر أن واشنطن لا تستطيع، دون مراعاة قدرة إيران وإرادتها، إقامة النظام الأمني الذي تريده في المنطقة.
وفي الختام، الرسالة واضحة من المواجهة: إيران بلد لا يمكن تغيير إرادته السياسية بسهولة بالضغط العسكري والحسابات الأحادية. وإن هزيمة الاستراتيجية الأمريكية في تحقيق أهدافها تُظهر حدود قدرة واشنطن أمام إيران وأهمية مكانة طهران في معادلات المنطقة المستقبلية. وستبقى القدرة الدفاعية وقدرة الرد والتماسك الوطني الإيراني من أهم عوامل الردع أمام أي إجراء عسكري جديد.
/انتهى/
تعليقك