وكالة مهر للأنباء: تُظهر تطورات الأشهر الثمانية الماضية أن الحضور العسكري الأمريكي في غرب آسيا، خلافًا لمزاعم واشنطن، لم يعد يضمن أمن هذا البلد وتفوقه الاستراتيجي. فالضربات التي وُجهت إلى البنى التحتية العسكرية الأمريكية كشفت هشاشة شبكة أُنشئت على مدى عقود لاستعراض القوة وحماية الحلفاء وإدارة تطورات المنطقة. والسؤال الأساسي الآن هو: هل تستطيع أمريكا أن تحافظ على دورها السابق في معادلات الأمن في غرب آسيا بالاعتماد على قواعدها الواسعة وقواتها المنتشرة؟
ولا تقتصر أهمية هذه التطورات على الخسائر العسكرية وكلفة إعادة بناء المنشآت؛ فالمسألة الأهم هي تأثير هذه الضربات على اعتبار الردع الأمريكي وثقة الحلفاء الإقليميين بقدرة واشنطن على تأمين أمنهم. فلقد تحدّت إيران، بزيادة كلفة الحضور العسكري الأمريكي، معادلة كانت العمود الأساسي للنفوذ الاستراتيجي لهذا البلد في المنطقة.
هشاشة الشبكة العسكرية الأمريكية
أنشأت أمريكا على مدى العقود الماضية شبكة واسعة من القواعد ومراكز القيادة ومنشآت الدعم والبنى التحتية الجوية والبحرية في غرب آسيا. وكانت هذه الشبكة تتيح لواشنطن نقل قواتها بسرعة وتنظيم العمليات العسكرية والتأثير، بالاعتماد على الحضور العسكري المستمر، في القرارات الأمنية لدول المنطقة.
ومع ذلك، أظهرت الضربات الإيرانية أن اتساع هذه الشبكة لا يعني بالضرورة تحصينها. فالتقارير المنشورة عن تضرر المنشآت العسكرية الأمريكية في دول مختلفة في المنطقة، من بينها البحرين وقطر والكويت والإمارات والسعودية والأردن، كشفت أبعادًا جديدة لهشاشة هذه البنى التحتية.
فالقواعد العسكرية ليست مجرد مجموعة من المباني والتجهيزات؛ بل هي جزء من سلسلة القيادة والاتصالات والدعم اللوجستي وتنفيذ العمليات. وتضرر أي جزء من هذه السلسلة يمكن أن يؤثر في أداء الأجزاء الأخرى ويزيد كلفة حماية البنى التحتية وإصلاحها وإعادة بنائها.
إن ضربة إيران لهذه الشبكة تحمل رسالة واضحة لواشنطن: الحضور العسكري الواسع، دون القدرة على ضمان أمن القواعد، لا يمكن أن يخلق بحد ذاته تفوقًا استراتيجيًا.
ضربة لاعتبار الردع الأمريكي
من أهم مكونات القوة الأمريكية في غرب آسيا الردع الناجم عن الحضور العسكري لهذا البلد. فقد سعت واشنطن، بنشر عشرات الآلاف من العسكريين والتجهيزات المتطورة في المنطقة، إلى طمأنة حلفائها بأنها تمتلك القدرة اللازمة لمواجهة التهديدات وحماية المصالح المشتركة.
لكن عندما تتعرض القواعد الأمريكية لضربات مؤثرة، تُطرح أسئلة جدية حول فاعلية نموذج الردع هذا. وفي مثل هذه الظروف، لا تتعلق المسألة بمقدار الخسائر فحسب؛ بل تكتسب الحقيقة التالية أهمية: أن الطرف المقابل تمكن من زيادة كلفة الحضور العسكري الأمريكي ووضع الحسابات الأمنية لواشنطن أمام قيود جديدة.
ما زالت أمريكا تمتلك قدرات عسكرية وتقنية واسعة، لكن امتلاك هذه القدرات لا يعني تحصينًا كاملًا أمام رد إيران. وكلما زادت كلفة حماية القوات والمنشآت، ستضطر واشنطن إلى تخصيص موارد أكبر للدفاع عن بنيتها التحتية؛ موارد كان يمكن استخدامها في أجزاء أخرى من العمليات العسكرية.
ومن هذه الزاوية، يجب البحث عن المكسب الاستراتيجي الإيراني في تغيير حسابات الطرف المقابل. فالردع لا يعني فقط منع الإجراء العسكري؛ بل إن فرض الكلفة وتقييد حرية عمل المنافس يُعد أيضًا جزءًا من معادلة الردع.
تردد الحلفاء في المظلة الأمنية الأمريكية
للأضرار التي لحقت بالبنى التحتية العسكرية الأمريكية تبعات مهمة أيضًا للدول المضيفة لهذه المنشآت. فعلى حكومات المنطقة أن تقيّم إلى أي مدى يمكن للتعاون الأمني مع واشنطن أن يزيد أمنها، وفي أي ظروف قد يخلق كلفة جديدة.
والدول التي تعتمد على التعاون الدفاعي مع أمريكا لتأمين جزء من أمنها تواجه الآن سؤالًا جديًا: إذا لم تكن القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة بمنأى عن الضرر، فإلى أي مدى ستكون هذه الدولة قادرة على ضمان أمن شركائها في أزمة واسعة؟
بالطبع، لا يمكن الاستنتاج أن جميع دول المنطقة فقدت ثقتها بأمريكا أو أنها بصدد الابتعاد عنها بشكل قاطع. ومع ذلك، فإن زيادة القلق بشأن هشاشة المنشآت العسكرية وكلفة استضافة القوات الأجنبية يمكن أن توفر الأرضية لإعادة النظر في بعض الترتيبات الأمنية.
ستصبح الضربة الاستراتيجية الإيرانية أعمق عندما تتحول الأضرار العسكرية إلى تردد سياسي وتغيير في السلوك الأمني لحلفاء أمريكا. وفي تلك الحالة، ستتجاوز تبعات التطورات الأخيرة مستوى الميدان العسكري لتؤثر في العلاقات السياسية والأمنية في المنطقة أيضًا.
الكلفة الباهظة للحفاظ على الحضور العسكري
يتطلب الحفاظ على الشبكة الواسعة للقواعد العسكرية، حتى في الظروف العادية، موارد مالية وتجهيزات وموارد بشرية ودعمًا لوجستيًا كبيرًا. وعندما تتعرض هذه البنى التحتية للتهديد، تُضاف إلى هذه المنظومة كلفة إضافية للحماية والإصلاح وإعادة البناء وتأمين التجهيزات.
وفي مثل هذه الظروف، يجب على واشنطن أن توازن بين عدة أهداف صعبة: حماية قواتها، والحفاظ على الالتزامات الأمنية تجاه الحلفاء، ومواصلة العمليات العسكرية، ومنع الزيادة غير المحدودة في كلفة الحضور الإقليمي.
ويجب دراسة احتمال إعادة النظر في طريقة انتشار القوات أو تعزيز التدابير الحمائية في هذا الإطار نفسه. وبالطبع، فإن زيادة الكلفة بحد ذاتها لا تعني قرارًا أمريكيًا قاطعًا بالانسحاب من غرب آسيا. فمثل هذا القرار يعتمد على مجموعة من العوامل العسكرية والسياسية والاقتصادية. ومع ذلك، إذا رافق استمرار الحضور العسكري كلفة متزايدة وقيود عملياتية، فإن ضرورة إعادة النظر في الاستراتيجية الإقليمية الأمريكية ستصبح أكثر جدية.
إيران وأفق النظام الأمني الجديد
من الأهداف القديمة للجمهورية الإسلامية الإيرانية تقييد الحضور والنفوذ العسكري الأمريكي في غرب آسيا وتقليل التبعية الأمنية لدول المنطقة للقوى خارج الإقليمية. والتطورات الأخيرة، في حال تثبيت تبعاتها العسكرية والسياسية، يمكن أن تساعد في دفع هذا الهدف.
فقد أظهرت إيران، بفرضها كلفة على البنى التحتية العسكرية الأمريكية، أن واشنطن لا يمكنها أن تنظم كل معادلات المنطقة وفق إرادتها بالاعتماد فقط على عدد القواعد والتجهيزات المتطورة والموارد البشرية. ويمكن لهذا التطور أن يدفع دول المنطقة إلى إعادة تقييم كلفة الترتيبات الأمنية القائمة ومنافعها.
ومع ذلك، فإن تحويل الضغط العسكري إلى تغيير مستدام في النظام الأمني للمنطقة يعتمد على عوامل تتجاوز الأضرار التي وقعت؛ من بينها استمرار قدرة الردع الإيرانية، والقرارات السياسية لحكومات المنطقة، ومدى جهوزيتها لإيجاد آليات أمنية أكثر استقلالًا.
وفي المجمل، فقد وجهت تطورات الأشهر الثمانية الماضية ضربة جدية لنموذج صناعة الأمن الأمريكي في غرب آسيا. وما زالت واشنطن تمتلك قوة عسكرية جديرة بالاهتمام، لكنها لم يعد بوسعها تجاهل كلفة حضورها أو اعتبار هشاشة قواعدها مسألة هامشية. وإذا أدت هذه الضغوط إلى تقليص مستدام للحضور العسكري الأمريكي وتغيير الترتيبات الأمنية في المنطقة، فإن إيران ستقترب من هدفها الاستراتيجي في تقييد النفوذ العسكري لواشنطن، ويمكن أن يدخل موازين القوى في غرب آسيا مرحلة جديدة.
/انتهى/
تعليقك