المرأة الإيرانيّة اليوم نتاج الثورة الإسلاميّة وفكر الإمام الخميني

قالت أستاذة الحضارة الإسلاميّة واللغة العربيّة وآدابها والأدب المقارَن "العربي - الفارسي" في قسم الدراسات العليا في الجامعة اللبنانيّة ان المرأة الإيرانيّة اليوم هي نتاج الثورة الإسلاميّة، وفكر الإمام الخميني والقادة الذين ساروا على نهجه.

وكالة مهر للأنباء - زينب شريعتمدار: انبثق اليوم العالمي للمرأة عن حراك عمالي، ثم أصبح حدثا سنويا اعترفت به الأمم المتحدة، ففي عام 1908، خرجت 15,000 امرأة في مسيرة احتجاجية بشوارع مدينة نيويورك الأمريكية، للمطالبة بتقليل ساعات العمل وتحسين الأجور والحصول على حق التصويت في الانتخابات.

وفي العام التالي، أعلن الحزب الاشتراكي أول يوم وطني للمرأة، واقترحت امرأة تدعى كلارا زيتكن جعل هذا اليوم ليس مجرد يوم وطني بل عالمي، وعرضت فكرتها عام 1910 في مؤتمر دولي للمرأة العاملة عقد في مدينة كوبنهاغن الدنماركية. وكان في ذلك المؤتمر 100 امرأة قدمن من 17 دولة، وكلهن وافقن على الاقتراح بالإجماع.

وأصبح الأمر رسميا عام 1975 عندما بدأت الأمم المتحدة بالاحتفال بهذا اليوم واختيار موضوع مختلف له لكل عام؛ وكان أول موضوع (عام 1976) يدور حول "الاحتفاء بالماضي، والتخطيط للمستقبل"، وأصبح اليوم العالمي للمرأة موعدا للاحتفال بإنجازات المرأة في المجتمع وفي مجالات السياسة والاقتصاد، في حين أن جذوره السياسية تقوم على فكرة الإضرابات والاحتجاجات المنظمة لنشر الوعي حول استمرارية عدم المساواة بين الرجال والنساء.

وفي هذا الشأن اجرت مراسلة وكالة مهر للأنباء حواراً صحفياً مع أستاذة الحضارة الإسلاميّة واللغة العربيّة وآدابها والأدب المقارَن "العربي - الفارسي" في قسم الدراسات العليا في الجامعة اللبنانيّة "دلال حسن عبّاس"، واتى نص الحوار على الشكل التالي:

*عرفي عن نفسك؟ 

انا الأستاذة الدكتورة دلال حسن عبّاس، أستاذة الحضارة الإسلاميّة واللغة العربيّة وآدابها والأدب المقارَن "العربي - الفارسي" في قسم الدراسات العليا في الجامعة اللبنانيّة.

حصلت على الماجستير في الأدب  الأندلسيّ ،ودبلوم في الإدارة المدرسيّة والارشاد التربوي، ودكتوراه  دولة في الأدب المقارن. 

وانا اليوم مستشارة التحرير والنشر والترجمة ،في "دائرة معارف العالم الاسلامي"، وبعض المجلات الفصليّة الإيرانية والعربيّة . ورئيسة تحرير مجلّة الدراسات الأدبيّة التي تصدر عن مركز اللغة الفارسيّة في الجامعة اللبنانية، بالتعاون مع المستشاريّة الثقافيّة للجمهوريّة الإسلاميّة في لبنان.

*كيف تعلّمت اللغة الفارسية ومتى ذهبت الى إيران؟

بدأت حكايتي مع اللغة الفارسيّة وآدابها، وإيران وثقافتها، منذْ كنت طالبةً في الجامعة اللبنانيّة في آواخر العقد السادس من القرن العشرين الميلادي، في قسم اللغة العربيّة وآدابها، كنا ندرس اللغة الفارسيّة: ما يقارب الساعتين أسبوعيّاً، كان أستاذنا الدكتور "أحمد لواساني"، طريقةُ تدريسه والمعلوماتُ الإضافيّة التي كان يستطرد إليها جعلتني أعشق هذه اللغةَ وأعشق الشعراءَ الذين أسمعَنا الدكتور لواساني بعضَ شعرهم. كانت فكرةُ السفر حينها إلى إيران لمتابعة الدراسة أُمنيةً صعبةَ التحقّقِ، لذا تابعتُ دراستي العليا في الأدب الأندلسيّ، ونسيتُ موضوع إيران واللغة الفارسيّة.

بعد عشر سنوات شاءتِ الأقدار أن تتحقق الأمنية القديمة، قبل انتصار الثورة الإسلاميّة بسنتين، في أواخر العام ١٩٧٦ م في حمأة الحرب الداخليّة في لبنان والاعتداءات الصهيونية على الجنوب اللبناني حيثُ نقيم، سافرنا إلى إيران؛ زوجي لعملٍ هناك ندَبته إليه الشركة الألمانيّة التي كان يعمل فيها، وأنا بنيّة التسجيل للدكتوراه.

في إيران سمعت لأوّل مرةٍ في حياتي اسمَ بهاء الدين العامليّ، فقرّرتُ في اللحظة عينها أن يكون موضوع أطروحتي الدكتوريّة، وبدأت العمل وجمع المعلومات والتوثيق.

وفي الوقت نفسه كنت أتابع من قرب ما كان يجري في إيران في تلك المرحلة التاريخيّة المفصليّة قُبيل انتصار الثورة الإسلاميّة، التي عرفتُ من قربٍ مقدّماتها وتفاصيلِها كلّها، كان المبنى الذي نسكن فيه ملك عائلةٍ من مؤيّدي الثورة الاسلاميّة، عرّفت منهم الكثير ممّا كان يجري. وقبل شهرٍ من عودة الإمام إلى إيران، عدنا إلى الجنوب اللبناني المعرّض باستمرار للاعتداءات الصهيونية. السنتان اللتان عشتهما في طهران، أتاحتا لي معرفة واسعة بالأوضاع الثقافيّة والسياسيّة والتاريخيّة، من خلال التلفاز لا سيّما التلفزيون التعليمي، وقراءة الصحف ومحادثة الأساتذة والطلاب الإيرانيين والأجانب والجيران وعامة الناس.

قضيتُ مع كتب الشيخ البهائي التي لا تُحصى سنواتٍ أدرسه وأتعلّم منه: عالمَ رياضيّات ومهندساً وشاعراً باللغتين العربيّة والفارسيّة وفقيهاً اجتهاديّاً مجدّداً، يضع العقلَ ركناً من أركان الاجتهاد الأربعة، يعادي التقليد وينتقد الفقهاء القِشريّين الذين يعتمدون الظاهر دون الباطن

في لبنان تابعت التحقيق والبحث حول موضوع بهاء الدين العاملي، وبدأت ترجمة النصوص التاريخيّة والأدبيّة المرتبطة بموضوع أطروحتي التي عدتُ وأنجزتها في لبنان بإشراف أستاذي المرحوم الدكتور أحمد لواساني أيضًا. 

قضيتُ مع كتب الشيخ البهائي التي لا تُحصى سنواتٍ أدرسه وأتعلّم منه: عالمَ رياضيّات ومهندساً وشاعراً باللغتين العربيّة والفارسيّة وفقيهاً اجتهاديّاً مجدّداً، يضع العقلَ ركناً من أركان الاجتهاد الأربعة، يعادي التقليد وينتقد الفقهاء القِشريّين الذين يعتمدون الظاهر دون الباطن؛ من خلال دراستي له وإعادة دراستي للقرآن وللتراث بالمجهر الذي استعرته منه بتُّ أرى عيوبَ التقليد، وعيوبَ أكوام كتبِ التراثِ الدينيّ مكبّرةً، وأرى إلى ما يُكتب ويُقال ويُمارس بمعيار التوازن بين الظاهر والباطن في كلّ الأمور وفي جميع المجالات.

وبات في ما بعد لزاماً عليّ أن أوصل ما أعرف عن إيران ثورةً وثقافةً إلى المهتمين الذين لا يعرفون الفارسيّة، أو لتصحيح أفكارٍ مغلوطةٍ في أذهانهم عن إيران وعن الثورة الإسلاميّة، وظلّ الشيخ البهائي صلة الوصل بيني وبين إيران الإسلاميّة، عرّفني الفرق بين التيارات الفِقهيّة، والمعنى العملي للتمييز بين الظاهر والباطن في الإسلام، فهو كان عنوان التيار الاجتهاديّ في إيران؛ حاملاً إليها تراث الشهيدين الأول والثاني العامليّين، وأستاذاً للملا صدرا ومحسن فيض الإيرانيّين، هذا التيار الاجتهاديّ في الإسلام، الذي ركّز علماء جبل عامل في إيران دعائمه، هو الذي ينتمي إليه الإمام الخمينيّ والسيّد الخامنئيّ. 

كان الشيخ البهائي كذلك صلةَ الوصل بيني وبين الشعراء العرفانيّين الذين تأثّر بهم، والثورةُ الإسلاميّة عزّزت لديّ فكرة الصراع الدائم بين الحقّ والباطل بين النبيّ (ص) وعتاة قريش، بين الحسين (ع) ويزيد، وبين فنزويلا وأميركا الشيطان الأكبر.

*كيف ترين المرأة الايرانية؟

المرأة الإيرانيّة اليوم هي نتاج الثورة الإسلاميّة، وفكر الإمام الخميني والقادة الذين ساروا على نهجه

المرأة الإيرانيّة اليوم هي نتاج الثورة الإسلاميّة، وفكر الإمام الخميني والقادة الذين ساروا على نهجه

لقد شاركت المرأة الإيرانيّة، في التحضير للثورة، وكان لها دورٌ فاعلٌ في انتصارها، لذلك كان من الطبيعيّ أن يردّ لها قادة الثورة الجميلَ، وأن يفسحوا في المجال أمامها للمشاركة في الحياة السياسيّة في الدولة الإسلامية، وكانت أولى الخطوات في هذا الطريق دعوة الإمام المواطنين جميعاً من دون استثناء، للمشاركة في الاستفتاء على النظام الجمهوري، وقد أكّد الإمام الخمينيّ كذلك أنّ على الجميع رجالاً ونساءً أن يتدخلوا في القضايا الاجتماعية والقضايا السياسيّة وأن ينظروا فيها، وأن يراقبوا المجلسَ وأن يراقبوا أعمالَ الحكومة، وأن يُبدوا وجهات نظرهم. 

ومن الواجب على كلّ امرأة ورجل ممن بلغ السنّ القانونية المشاركة في انتخابات رئاسة الجمهوريّة والإدلاء بأصواتهم، فكما أنّ الصلاة تجبُ على كلّ مكلّف، كذلك عليه المشاركة في تقرير مصيره. كان الإمام الخمينيّ وبعده الإمام الخامنئيّ وقادة الثورة يشبّهون نساء الثورة بالنساء في صدر الإسلام من حيث مشاركتُهنّ في الجهاد ومساهمتهنّ في تقرير مصير أمّتهنّ وتقرير مصائرهنّ، وكان يدعو النساء إلى اتخاذ السيّدة الزهراء والسيّدة زينب عليهما السلام والنساء المجاهدات في عصر صدر الإسلام قدوات لهنّ وأسوةً.

بعد عدّة سنوات من قيام الثورة قارن الإمام بين ما كانت عليه أوضاعُ النساء وما صرن إليه: "الحمدُ لله أنّ الشبهات المتعلقة بعقائدنا قد حُلّت وأزيلت، إنّ جميع طبقات المجتمع اليوم رجالاً ونساءً مشغولون بالتربية والتعليم، والسيّداتُ مشغولاتٌ أيضًا، وهنّ اليوم جزءٌ من طلبة العلوم الدينية في قم وفي أماكن أخرى، وهنّ في كلّ مكان مشغولاتٌ بالتربية والتعليم، وهذا أمرٌ قد تحققَ بفضل هذه الثورة. 

قالت الدكتورة دلال حسن عبّاس، انه من الواجب على كلّ امرأة ورجل ممن بلغ السنّ القانونية المشاركة في انتخابات رئاسة الجمهوريّة والإدلاء بأصواتهم

لقد كنّ من قبل كالسجينات، ولم يكن يُسمح لهنّ أن يدخلن في مجتمع من عشرة أشخاص، وأنْ يطرحنَ قضيّةً علميّةً أو قضيّةً عَقدية، اليومَ يمكنهن، مع المحافظة على جميع مظاهر الإسلام، أنْ يقـمن بالدّعوة والتبليغ في جميع أنحاء البلاد وحتى خارجَ الوطن أيضاً.

يمكن أن نختصر الحديث عن وضع المرأة الإيرانيّة اليوم بكلام جاء في صحيفة "سالزيورغر" النمساوية في أواخر العام 2000م / أن الغرب ظل لعشرين عاماً يعدّ الحجاب علامة ضغط على المرأة الإيرانية، ولكنّ هذا الأمر جعلنا ننسى أن المرأة الإيرانية تتمتع بحقوق كاملة، وأضافت الصحيفة: إن المرأة الإيرانية مقارنة بالمرأة في بقية الدول الإسلامية، تحظى بالمزيد من الحريات، فالمرأة الإيرانية يمكنها أن تعمل في الجهاز الإداريّ أو نائبة في مجلس الشورى الإسلامي، وتأمل النساء الإيرانيات حالياً أن يمنحهن المجلس الجديد المزيد من الحريات. 

وأضافت الصحيفة إن القوانين الإدارية أتاحت للمرأة فرصاً كثيرة للمشاركة في المشاغل العامة، ومنذ أن سادت إيران القوانين الدينيّة بات الآباء يسمحون لبناتهم وزوجاتهم بالمشاركة في العمل العام.

في مقابلة مع الصحافي السويسري "أحمد هوبر" في ك2 2001، يقول: "...أنا أشهد هذه الأيام عملية تفعيل لنشاط المرأة في إيران، والتي تعدّ ظاهرة فريدة في العالم الإسلامي، وإن المرأة المسلمة في إيران في المقدمة وفي القمة بين جميع نساء العالم الإسلامي، هذا الكلام عمره عشرين عامًا ، وفي هذه الأعوام العشرين قطعت المرأة الإيرانيّة أشواطًا لا تُعدّ ولا تُحصى.

وقال إنّ النساء في العالم يعلمن جيّدًاأنّ الأنموذج الغربيّ للنساء قد فشل، وكذلك الحركة النسوية قد فشلت. وقد دمّرت العلاقة والأواصر الزوجيّة بين الرجل والمرأة وبين الأطفال وذويهم وبين الصغار والكبار. 

وتحوّلت المرأة سلعةً في سوق التجارة من خلال ذلك الأنموذج الذي يُستغل في كلّ الظروف... ويرى الغربيون في الحجاب إهانة للمفهوم الغربيّ للمرأة... كل هذا دفع بالكثير من الفتيات أو النساء في سويسرا وألمانيا وغيرها إلى اعتناق الإسلام، بعد الثورة الإيرانية من خلال الكتب التي كتبت عن الإسلام وتوزّع في الغرب... إنّ ما يحدث في إيران من خلال تحرير المرأة بات واضحاً جدّاً وسوف يكون له تأثير في أنحاء العالم كافة، وسوف يفيدُ الإسلام في نواحي عدّة في هذا القرن .

لا يستقيم الكلام على أوضاع المرأة الإيرانية، بعد الثورة من دون التطرق إلى ما قدّمته من تضحيات في هذه السنوات الأخيرة  ـ متحدّيةً ظروف الحصار الاقتصادي والسياسي  ـ على جميع الصعد الفنّيّة والعلميّة والثقافيّة  والأكاديميّة ، والصحّيّة  والطبّيّة ، وقد ظهر ذلك واضحًا في أعداد الطبيبات والممرضات اللواتي تصدّين لمحاربة وباء كورونا، والباحثات اللواتي يعملن  في جميع المجالات العلميّة. 

** السيّدة نصرت أمين

منذ حوالى ثلاثين عامًا وأنا أحضّر الوثائق لأكتب عن ( المرأة  في المجتمع الإيرانيّ بعد الثورة الإسلاميّة)، قرأت في صحيفة قديمة يعود تاريخها إلى العام ١٣٦٨ش[١٩٨٩م] أنّ رئيس الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة السيّد عليّ الخامنئيّ قد أصدر قرارًا وجّهه إلى وزير الإرشاد والثقافة السيد محمد خاتمي ، يطلب إليه فيه أن يقوم بالإجراءات المناسبة لتكريم السيّدة العالمة الكبيرة السيّدة نصرت أمين الإصفهانيّة ،والتعريف بسيّدة إيرانيّة عرفانيّة  فقهيّة  وفلسفيّة، لأنّ ذلك عملٌ مفيد لجهة إحياء القيم الإسلاميّة لدى النساء". يومها قرّرت أن أبحث عن هذه المرأة وأن أطّلع على حياتها وكتبها.  ولم يُتح لي ذلك في حينه؛  ولمّآ توفّرت لديّ الموادّ وكتبها، ألّفت عنها  كتابًا.

من هي نصرت أمين؟ منذ قرنٍ وربع القرنِ في إحدى اللّحظات الحرجةِ والخطيرة من تاريخ إيران، وفي ظلّ الحكم الملكيّ المطلق للسّلالة القاجاريّة، في مدينة أصفهان، وُلدت السّيدة نصرت أمين، أو "بانو إيراني" ومعناه السّيدة الإيرانيّة، أو سيّدة إيرانيّة، وهو اللّقبُ الّذي استخدمتْه في مقالةٍ صحافيّةٍ لها، فاشتُهرت به – من بعدُ – في حياتها وبعد مماتها.

قالت الدكتورة دلال عباس إنَّ سماعَ اسمِ امرأةٍ عالِمةٍ فقيهةٍ مجتهدةٍ، أقرَّ بعلمها واجتهادِها وفقاهتِها وتفوّقها العلماءُ الأعلامُ من معاصريها، أمرٌ مثيرٌ للدّهشةِ

إنْ كان من غيرِ المستغرَب أن نقرأ في التّاريخ الإسلاميّ أسماءَ نساءٍ كان لهنَّ أدوارٌ حاسمةٌ في مجالات عديدة، فإنَّ سماعَ اسمِ امرأةٍ عالِمةٍ فقيهةٍ مجتهدةٍ، أقرَّ بعلمها واجتهادِها وفقاهتِها وتفوّقها العلماءُ الأعلامُ من معاصريها، أمرٌ مثيرٌ للدّهشةِ، وربّما للاستغراب بالنسبة إلى الكثيرين وأنا منهم؛ لا سيّما وأنّها وُلدت في أواخر القرن التّاسع عشر الميلاديّ، والأمّيّةُ متفشّيةٌ في أوساط الغالبيّة العظمى من أبناءِ الشّعبِ الإيرانيّ رجالاً ونساءً [كحال الشّرق بمعظمه، وبمختلفِ دوله وإثنيّاتِه، والعربُ من ضمنهم]

كان القصد من وضع  كتابي عنها الموسوم (السيدة نصرت أمين عالمةٌ مجتهدةٌ في الزمان الصّعب) أن يكونَ هذا الكتاب منطلقاً للدارسين العرب يتعرّفون من خلاله السيدةَ وكتبَها، لدراسة كلّ كتاب منها منفرداً، ولأنَّ كلَّ كتاب من كتبها يشكل بحدّ ذاته أطروحةً متكاملة منهجًآ ولغةً وموضوعًآ، وإن كان يجمعها خيطٌ واحدٌ هو شخصيةُ صاحبتها ونهجُها في التفكير وفي معالجة الأطروحات المتنوّعة؛ إنها شخصيةُ عالمة مجتهدة.

بدأت منذ الصغر بتعلم العربية لفهم القرآن، ومن القرآن تنطلق إلى الحقول المعرفيّة الأخرى، وليس العكس، لتصير وهي في الأربعين عالمةً أصوليّةً مجتهدة، تؤصّل لما تقوله بالآيات القرآنية، وبها تُثبت حُجيّة آرائها الفقهية (جامع الشتات)، والحديثية (الأربعون حديثاً)، والفلسفيّة (المعاد) والعرفانيّة (النفحات الرحمانية)، و(مخزن اللآلئ)، والاجتماعية (طريق السعادة)، وفي هذه الكتب كلّها يظلّ القرآن رائدَها في مقام الاستدلال والاستناد، وفيها كلُّها تتجلى بوضوح موسوعيتُها الثقافية وسعةُ مخزونِها المعرفيّ،كتبت باللغتين العربية والفارسيّة، كتبت بالعربية ما هو موجّهٌ إلى الخاصّة {أي علماء الدين وطلبة العلوم الدينية} الذين يعرفون العربية، أمّا الكتب الموجهة إلى العامّة، أو إلى العامّة والخاصّة على حدٍّ سواء فبالفارسية.

كتبها بالعربيّة: «الأربعين حديثاً» و«النفحات الرحمانيّة» و«جامع الشتات».   أمّا كتُبها الفارسية فهي: «مخزن اللآلئ»، و«طريق السعادة» و«المعاد ».    الكتابُ الأكثرُ دلالةً على سعة مخزونها المعرفيّ كتابُ مخزن اللآلي في فضائل مولى الموالي علي بن أبي طالب عليه السلام، الذي تتداخل فيه المواضيع التاريخيّة والحديثيّة والفلسفيّة والعرفانيّة بأسلوب أدبيٍّ رفيع.

*كيف جمعت بين الأمومة والعمل والبحث الأكاديمي؟

منذ اللحظة التي أنسن الله عزّ وجلّ فيها بني آدمَ واستخلفهم في الأرض رجالاً ونساءً ليعمروها، أوجدَ الفروقات الفرديّة بين رجل وآخر وبين امرأة وأخرى، وبين الرجل والمرأة: خلقهم أفرادًا متنوعي الاستعدادات والقابليات والمهارات والميول الجسديّة والروحيّة، ليتمكنوا بهذا التمايز والتفاوت من إنجاز المسؤوليّات الملقاة على عاتقهم لتتمّ عِمارة الكون…باختصار قضيّة التوفيق بين الأعمال المختلفة هي  قضيّة قدرة وموهبة واستعداد ورغبة واجتهاد وصبر وتوفيق إلهي.

*ما هو اكثر الكتب التي تحبينها؟

أحبّ الكتب إليّ كتابي الأوّل: "بهاء الدين العاملي أديبًا وفقيهًا وعالمًا"، من أجل الشيخ البهائيّ وبواسطته درست تاريخ الصراع بين العثمانيين والصفويين، ودرست الفقه وعرفت الفرقَ بين  التيار الإجتهادي والتيار الأخباري، ودرست كتب الحديث عند الفرق الاسلاميّة مستخدمةً منهجه في غربلة الأحاديث، وحفظت الأحاديث الأربعين التي اختارها في أربعينه، أو أوردها في كشكوله، وكان الشيخ البهائيّ الواسطة بيني وبين العلماء الإجتهاديين الذين سبقوه. 

ولأنّه أستاذ  الفيض الكاشاني والملّا صدرا قرأتُهُما، هالني أن تكون صمديته في النحو أول كتابٍ في النحو الميسّر؛ وأن يكتب منذ أكثر من أربعة عقود لعامّة الإيرانيّين  بالفارسية كتابٌ في النحو الميسّر، هو جامع عبّاسي . كتاباته هي التي دفعتني منذ أربعة عقود ونيف لفهم ما يعنيه "الظاهر والباطن" في الدين، ولتتكوّن لديّ منظومةٌ فكريّةٌ على المستويات السياسيّة والاجتماعيّة والفرديّة، مبنيّة على مفهوم العدالة، وعلى التمييز بين الظاهر والباطن ومعرفة "أولئك الذين يقولون ما لا يفعلون".

غُصت في موضوع الظاهر والباطن والتصوّف والعرفان، وبتُ أؤمن بما كان قد قاله هو في مقدمة أحد مثنويّاته: "من تفقّه ولم يتصوّف فقد تفيْقه ومن تصوّف ولم يتفقّه فقد تزندَق ومن جمع بينهما فقد تحقّق".

شعره العربيّ الأرقى من شعر معاصريه من الأمصار العربيّة الأخرى جعلني أتنبّه إلى شعر العامليّين ( أهل جبل عامل) في عصره وبعد عصره، في المرحلة التي سُميّت "عصر الانحطاط"، لأجدَ أنّ مؤرخي الأدب العربيّ لم يذكروا أحدًا منهم، حتى اللبنانيين الذين كتبوا مؤلفات عن الشعر العربي في عصر الانحطاط وفي عصر النهضة، لم يذكروا أحدًا من شعراء جبل عامل الذين أثّروا في شعر عصر  النهضة العربيّ، كان البهائيّ أيضًا الواسطة بيني وبين كبار الشعراء الإيرانيين الذين تأثّر بهم، وبزّهم في بعض الأحايين.

لا يزال بهاء الدين العامليّ حتى الآن بالنسبة إليّ أستاذًا ومعلّمًا ومثالاً يُحتذى به، وسعيدةٌ كوْن دراستي عنه التي بلغت ٧٦٠ صفحةً فتحت أمام الباحثين الآفاق لدراسة نقاطٍ في نتاجه، كنتُ قد أوردتها مجملةً، فانطلقوا من هذا المُجمل إلى دراسات أكثر تفصيلأً.

/انتهى/

رمز الخبر 1911680

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • 4 + 5 =