المقاومة الفلسطينية مصممة على المضي في طريق التحرير الذي أصبح أكثر قربا من أي وقت مضى

قال الخبير بالشؤون الاسرائيلية الأستاذ، علي حيدر، أنه في الضفة لم تنجح اسرائيل في اجتثاث المقاومة بل استطاعت الاخيرة أن تفرض نفسها على العدو بالمستوى الذي أصبح معها مضطر لنشر عشرات الكتائب من الجيش الى جانب أجهزة أمن السلطة من أجل توفير الحماية للعمق الاستراتيجي في اراضي 48.

وكالة مهر للأنباء - القسم الدولي: صرح عدد من كبار قادة المقاومة الفلسطينية على ضرورة التركيز على القضايا المركزية على الصعيد الوطني وسبل تطوير وتصعيد مقاومة الاحتلال وتعزيز صمود ووحدة الشعب الفلسطيني.

ويواصل الشعب الفلسطيني الصامد مقاومته الباسلة منذ عشرات السنين، ما لانت له قناة، ولا ضعفت له عزيمة، متسلحاً بإيمانه العميق بالله أولاً، ثم بعدالة قضيته الوطنية وحقه التاريخي في أرضه المباركة من نهرها إلى بحرها، مؤمناً تمام الإيمان بأن المقاومة الشاملة بكل أشكالها وفي المقدمة منها المقاومة المسلحة هي السبيل الوحيد لتحرير الأرض والمسرى والأسرى وعودة اللاجئين.

وفي هذا الشأن أجرت مراسلة وكالة مهر، "وردة سعد" حواراً صحفياً مع الخبير في الشؤون العبرية الأستاذ "علي حيدر"، وأتى نص الحوار على الشكل التالي:

**دعنا نبدأ من الشأن الداخلي في كيان الاحتلال، وما يلاحظه المراقبون من عدم استقرار سياسي كان من اهم مظاهره الانتخابات المتكررة خلال السنوات الماضية.. ما سبب ذلك باعتقادكم؟ وما علاقته بالدور الوظيفي لهذا الكيان في المشروع الاستعماري الغربي ؟

تتعدد منابع اللاستقرار السياسي في كيان العدو، لكن يمكن اجمال عواملها الرئيسية بكون المجتمع الاسرائيلي يعاني من التصدعات العرقية والايديولوجية والسياسية، ولكون النسب بين الجماعات أصبحت متقاربة جداً على خلاف ما كان عليه الواقع الاجتماعي في العقود الاولى عندما كان العلمانيون يشكلون النواة المركزية في المجتمع والبقية هوامش.

اما الان فقد أصبح المجتمع الاسرائيلي، بحسب رئيس الدولة السابق رؤوبين ريفلين، يتشكل من اربعة قبائل العلمانيون والمتدينون الصهاينة، والحريديم والعرب.

في هذا السياق، يكشف واقع المجتمع الاسرائيلي أن الانقسامات تتكامل فيما بينها وتغذي بعضها بعضا، ومن ضمنها ما هو قائم بين القطاعين العلماني والديني – وتحديدا الحريدي – الذي يرتقي من التصدع الى الصراع على هوية الدولة والمجتمع، ويمكن تصنيفه على أنه الاكثر خطورة.

والى ذلك، يحضر ايضا الصراع السياسي والشخصنة التي يمثلها بنيامين نتنياهو الذي يستغل الانقسامات القائمة في محاولة منه لتعزيز الالتفاف السياسي والحزبي حوله لمصالح ذاتية تتعلق بمحاكمته.

تبقى حقيقة ينبغي الاشارة اليها، أنه الى جانب الانقسامات القطاعية للمجتمع (علماني وديني وشرقي وغربي و...)، تعم الفردانية التي أصبحت تطغى على المجتمع الاسرائيلي وكل ذلك ساهم في تقويض المناعة الاجتماعية وحالة التضامن بين أفراده... الامر الذي دفع الكثير من المسؤولين الى التحذير من مخاطر هذه الحالة وتجذرها كونها تقوض قدرته على الصمود وتقيد خيارات القيادات السياسية والعسكرية.

ومن أبرز تجليات هذا التحول ادراك القيادة الاسرائيلية عدم استعداد الجمهور لتقديم التضحيات في أي حرب توسعية في المنطقة، ولذلك تحاول القيادتان السياسية والعسكرية تفادي العمليات البرية الواسعة التي قد تؤدي الى خسائر بشرية كبيرة.

هذا الضعف الاجتماعي ساهم وبنسبة كبيرة في تقليص الدور الوظيفي للكيان الاسرائيلي نتيجة وجود مقاومة متربصة وجاهزة بعدما أصبحت مؤسسات كيان العدو على ادراك أنها غيرقادرة على حسم أي حرب برية، وهو متغير تأسيسي ساهم ولا يزال في تقليص مفاعيل امتلاك العدو قدرات تكنولوجية وعسكرية متطورة، ويمهد هذا المتغير الطريق لشعوب المنطقة وعلى رأسهم شعب فلسطين، لتحقيق طموح التحرير.

** الى اي حد يمكن القول ان السياسة الصهيونية فشلت في إنهاء القضية الفلسطينية بعد مرور 74 عاما على الاحتلال حيث لا يزال الشعب الفلسطيني يشكل اكبر التحديات لاستقرار الكيان؟ وهل ترى ان المقاومة الفلسطينية استطاعت رسم معادلات القوة مع جيش الاحتلال؟

إن بقاء قضية فلسطين حية في النفوس، وما دامت قضية فلسطين تدوي في أنحاء العالم يشكل شاهداً كاشفاً عن أن السياسة الصهيونية فشلت في انهائها، وما دام هنا مقاوم فلسطيني يحلم ويسعى لتحرير فلسطين يعني أن قضية فلسطين كانت ولا تزال حية.

ومؤشر على فشل المخططات التي استهدفتها، ولا يخفى أن الحفاظ على قضية فلسطين تحقق بفضل دماء الشهداء والجرحى وبفشل معاناة الاسرى واصرار المقاومين على مواصلة هذا الطريق.

وإن بقاء قضية فلسطين حية وتسليمها من جيل الى جيل، هو الشرط الاساسي لتحرير فلسطين، وينبغي التأكيد أنه في هذه المرحلة التاريخية تعاظم الدور الاعلامي في هذا المجال، وأصبح له دور مفصلي في هذا المجال.

ومع دخول العقد الثامن لكيان العدو أصبحت القناعة لدى شعب فلسطين والكثير من شعوب المنطقة أكثر رسوخا بتحرير فلسطين، وهو أمل وطموح يقترب أكثر فأكثر من التحقق في ضوء التحولات التي تشهدها المعادلات على ارض فلسطين والمنطقة.

ومن أبرز التحولات على أرض فلسطين، صمود قطاع غزة بمقاومته وشعبه، رغم كل الظروف القاسية ومزاياه الجغرافية والديمغرافية... حيث استطاع أن يفرض على قيادة العدو أن تأخذ بالحسبان كلفة أي مواجهة بالمستوى الذي أنتج ندية ومستوى من الردع.

وفي الضفة لم تنجح اسرائيل في اجتثاث المقاومة بل استطاعت الاخيرة أن تفرض نفسها على العدو بالمستوى الذي أصبح معها مضطر لنشر عشرات الكتائب من الجيش الى جانب أجهزة أمن السلطة من أجل توفير الحماية للعمق الاستراتيجي في اراضي 48، ولحماية المستوطنين والجيش.
وبذلك يؤكد الشعب الفلسطيني، مرة بعد أخرى، تصميمه على المضي في طريق التحرير الذي أصبح أكثر قرباً من أي وقت مضى. ويمكن الاكتفاء بالاشارة الى العنواين العامة التي تؤشر الى هذا الاتجاه، الاتجاهات الدولية (التعددية القطبية بدل الاحادية القطبية).

تغير معادلات القوة التي يتعاظم فيها محور المقاومة ومعادلات الردع المتصاعدة على المستوى العسكري. تراجع المناعة الاجتماعية الاسرائيلية التي تقيد هامش صناع القرار السياسي والامني. وتطور قدرات المقاومة في داخل فلسطين وعلى حدودها... تعزز الايمان والثقة بقدرة شعب فلسطين وقوى المقاومة في المنطقة على تحقيق النصر والتحرير...

** عندما نتحدث عن المعادلات يظهر امامنا ما فرضته المقاومة الاسلامية في لبنان في هذا الصدد منذ 16 عاما.. واخر هذه المعادلات ما يخص استخراج النفط والغاز من البحر .. هل اصبح كيان الاحتلال اسير هذه المعادلات ؟ وكيف اثر ذلك على الاستراتيجية الصهيونية في المنطقة ؟

يكفي اضطرار كيان العدو للامتناع عن شن اعتداءات عسكرية على لبنان، منذ 16 عاما، للتأكيد على أن العدو أصبح مُحاطاً بالمعادلات التي فرضتها المقاومة الاسلامية عليه منذ 16 عاما على الاقل. وهو أمر أقرب الى المعجزة بلحاظ ظروف لبنان والهوة الهائلة في موازين القوى مع العدو. وتشكل سابقة في هذا النوع من المعادلات في كل تجارب المقاومة عبر التاريخ.

مع ذلك، ينبغي الالتفات الى أن الردع هو حالة قابلة للتغير، صعودا وهبوطا، بفعل مجموعات من العوامل التي تتصل بالبيئة الاقليمية وتطور عناصر القوة العسكرية وتوجهات وتقديرات صناع القرار لدى أي من الطرفين. لذلك هو يحتاج الى تغذية دائمة من أجل تقليص خيارات العدو وتقليص هامش خطأه في التقدير الذي قد يدفعه للمبادرة الى خيارات عسكرية.

وهو انجاز اضافي للمقاومة الاسلامية التي حافظت على هذا المستوى من الردع، بل استطاعت أن ترتقي فيه من مرحلة الى اخرى أخرها المعادلة التي فرضها حزب الله على العدو ومن ورائه الولايات المتحدة فيما يتعلق باستخراج الغاز من حقل كاريش وربطه بحق لبنان في التنقيب والاستخراج.

فيما يتعلق بتأثير هذه المعادلات تظهر التطورات الاقليمية أنها ساهمت في تقييد الدور الوظيفي لكيان العدو والتأسيس لمسار من المعادلات التي نجحت الى حد كبير في توفير المظلة التي تحمي اتساع وتصاعد حركة المقاومة في فلسطين والمنطقة. وهو أمر يمكن تلمّس معالمه في كل من الساحات على اختلاف ظروفها.

ايضا، من خلال المقارنة مع كان عليه الوضع في مراحل سابقة يتضح لنا أن المسار العام لمحور المقاومة هو مسار تصاعدي وفي المرحلة الاخيرة بلغ مرحلة مفصلية وحرجة الامر الذي يجعلنا نؤكد على أننا نعيش في ظل ارهاصات مرحلة جديدة ستتبلور معالمها على ارض فلسطين.

** كيان الاحتلال على ابواب انتخابات عامة بعد شهرين .. ما الاحتمالات التي ترجحونها ؟ وهل سيتمكن نتنياهو من العودة الى السلطة وقلب المعادلات السياسية في الداخل؟

لا تزال استطلاعات الرأي متأرجحة في هذا المجال. وفي ضوء الاسابيع الفاصلة عن موعد الانتخابات مطلع تشرين الثاني، يعني أنه لا يزال هناك امكانية بأن تنحاز قطاعات من الرأي العام الاسرائيلي لهذا المعسكر أو ذاك. أضف الى أن الارقام – حتى الان – تظهر أن الفارق الذي يفصل مجمل معسكر نتنياهو عن الاغلبية التي تسمح له بتشكيل حكومة يتراوح بين 2 – 4 اعضاء.

وبناء على ما تقدم، من الصعوبة تقدير الخارطة السياسية التي ستتمخض عنها الانتخابات. مع ذلك، يمكن الاشارة الى الملاحظات التالية: تتمحور الانتخابات بشكل رئيسيس هو ما إن كان معسكر نتنياهو سينال الاغلبية أم لا.

من غير المتوقع أن ينال المعسكر الصهيوني المقابل لمعسكر نتنياهو الاغلبية في الكنيست من دون الاستناد الى أصوات عربية، أو حصول انشقاقات غير متوقعة في معسكر نتنياهو.

في ضوء ذلك، لا تزال السيناريوهات مفتوحة في أكثر من اتجاه. وهو تقدير تكرر في الانتخابات الاربعة السابقة خلال أكثر من ثلاث سنوات.

الامر نفسه ينطبق على عودة نتنياهو الى رئاسة الحكومة التي تشكل مطلباً له كي يوفر له الحصانة من المحاكمة.

** على الرغم من كل الانجازات التي حققتها قوى محور المقاومة في المواجهة مع جيش الاحتلال فان الصورة العامة اقليميا هي توسع نفوذ الكيان واتساع دائرة التطبيع مع دول المنطقة من الخليج الى المغرب والسودان.. فكيف نفهم هذه الظاهرة؟ وهل ما زال الكيان لاعبا اساسيا في رسم خرائط المنطقة سياسيا؟

من الطبيعي أن تسعى الولايات المتحدة ومعها اسرائيل الى مواجهة تصاعد واتساع محور المقاومة عبر توسيع نطاق التحالفات واخراجها من السر الى العلن وتطويرها بين كيان العدو العديد من الانظمة التي تدور في الفلك الاميركي.

وتحديدا أنظمة الخليج. فكلا الطرفين الاسرائيلي وأنظمة التطبيع أصبحوا يتعاملون على أنهم في مركب واحد ومصيرهم واحد. ولذلك عليهم أن يعززوا التعاون بينهم والارتقاء به الى مستوى التحالف بالمقدار الذي تسمح به ظروف كل طرف من الاطراف.

تجدر الاشارة الى أنه كان ولا يزال العدو لاعب اقليمي أساسي في المنطقة، لكن تأثيره فيها تراجع كثيراً عما كان عليه. وهو في مسار انحداري متسارع. ولذلك وجدت الولايات المتحدة نفسها مضطرة الى لعب دور اقليمي يهدف الى الحفاظ على أمنه القومي. والى الارتقاء بمستوى العلاقات الثنائية بين الجيشين الاسرائيلي والاميركي في محاولة لطمأنة هذا الكيان على مستقبله.

** ما هي احتمالات نشوب حرب في الفترة المقبلة على ضوء هذا الاحتقان المتفاقم سواء داخل الكيان او على مستوى التحديات الجدية التي تشكلها قوى المقاومة؟ وهل شعار الحرب النهائية للتهويل ام هو احتمال استراتيجي يجري الاعداد له؟

بعد التحولات التي استجدت على معادلات القوة الاقليمية، أصبحت الحرب التي تتدحرج الى حرب اقليمية، أكثر حضوراً في حسابات مؤسسات العدو ويستعد لها، وهو ما ظهر جلياً في مناورته الكبرى في الاشهر الاخيرة.

مع ذلك، يجهد العدو الى تجنب هذا السيناريو لأنه يدرك أنه لا يستطيع خوضها من دون مشاركة مباشرة من الولايات المتحدة وبالتالي فإن أي قرار يتعلق بها مرتبط بواشنطن أكثر منه بتل ابيب. لكن ظروف واشنطن والمعادلات الدولية والاقليمية تفرض عليها اولويات أخرى في مواجهة روسيا والصين. الامر الذي يفرض عليها بذل كل الجهود من أجل تجنب أي تورط في حرب كبرى في المنطقة.

مع ذلك، فإن تدحرج أي مواجهة الى حرب كبرى يبقى احتمالاً قائماً ولذلك كل الاطراف تستعد له، وإن كان لا يريدها أي من الاطراف الاقليمية في هذه المرحلة على الاقل.

** يواصل كيان الاحتلال اصدار التهديدات ضد الجمهورية الاسلامية على خلفية ازمة البرنامج النووي!! ما مدى جدية هذه التهديدات؟

إن اطلاق التهديدات جزء من أدوات العدو في مواجهة المخاطر التي تحدق بأمنه القومي. لأنه يراهن بأن تترك هذه التهديدات أثرها على توجهات وخيارات القوى المعادية له. مع ذلك، فإن تهديداته التي يطلقها منذ نحو عقدين ضد البرنامج النووي الايراني، لم تترجم حتى الان على المستوى العسكري المباشر. ويعود ذلك لعدة اعتبارات تتمحور جميعها حول حسابات الكلفة والجدوى من هذا الخيار، فضلا عن الموقف الاميركي. وضمن هذا الاطار فإن أي مواجهة بهذا الحجم ستؤدي الى تفجير المنطقة وسيكون لها تداعياتها الخطيرة على مستقبل الكيان.

في المقابل، انتهج العدو خيار العمليات الامنية والتخريبية على أمل أن يعرقل تقدم ايران النووي والعسكري والتكنولوجي. لكن في النتيجة الاجمالية لم تحقق هذه الاستراتيجية نتائجها المؤملة. وإن استطاعت أن تسجل ضربات نوعية هنا أو هناك. لكن النتيجة الكلية التي يعترف بها الكثير من القادة الصهاينة أن هذه الاستراتيجية كانت فاشلة.

على خط مواز، وبعد التقدم الذي أحرزته ايران على أكثر من اتجاه، بدأ جيش العدو يُطوِّر قدراته لامكانية حصول مواجهة عسكرية مع الجمهورية الاسلامية بعد سنوات. لكن المبادرة الى أي مواجهة ابتدائية بهذا الحجم لن تكون إلا في أحد سيناريوهين اما في مرحلة اللاخيار... أو جزء من عدوان أميركي توفر فيها واشنطن الدعم والتدخل العسكري المباشر.

في الخلاصة ثبت بالتجربة أن أكثر طرف يطلق التهديدات ضد ايران هو كيان العدو. وفي الوقت نفسه أكثر طرف يخشى من أي مواجهة عسكرية مباشرة ضد ايران هو كيان العدو نفسه. ولذلك يحاول الالتفاف على هذا الخيار عبر تكتيكات امنية هنا وهناك.

وهو ما ثبت أنه فاشل في العقدين الماضيين، كما أشرنا، ولا يتوقع أن يحقق نتائج لم ينجح في تحقيقها فيما مضى. لكنه مع ذلك يبقى الخيار الوحيد المتاح. ولا يتعارض هذا التقويم مع امكانية نجاح العدو في توجيه ضربات أمنية هنا وهناك. إلا أن هناك فرقاً كبيراً بين تسجيل انجازات نوعية في معركة ما وبين الانتصار فيها. وهو ما لم تحقق الولايات المتحدة وكيان العدو.

/انتهى/

رمز الخبر 1926535

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha