١٨‏/٠٢‏/٢٠٢٦، ١١:٠٦ ص

تحليل تصريحات قائد الثورة الاسلامية

قوة إيران غير المتكافئة: تغيير قواعد اللعبة في الخليج الفارسي

قوة إيران غير المتكافئة: تغيير قواعد اللعبة في الخليج الفارسي

أعلن قائد الثورة الاسلامية : "يقول الرئيس الأمريكي باستمرار إن جيشنا هو الأقوى في العالم. لكن حتى أقوى جيش في العالم قد يتعرض لضربة قاصمة تعجزه عن النهوض! يزعمون أننا أرسلنا سفينة حربية إلى إيران؛ حسنًا، لا شك أن السفينة الحربية أداة خطيرة، لكن الأخطر منها هو السلاح القادر على إغراقها في قاع البحر".

وكالة مهر للانباء: أعلن قائد الثورة الاسلامية مؤخرًا: "يقول الرئيس الأمريكي باستمرار إن جيشنا هو الأقوى في العالم. لكن حتى أقوى جيش في العالم قد يتعرض لضربة قاصمة تعجزه عن النهوض! يزعمون أننا أرسلنا سفينة حربية إلى إيران؛ حسنًا، لا شك أن السفينة الحربية أداة خطيرة، لكن الأخطر منها هو السلاح القادر على إغراقها في قاع البحر."

يمكن تحليل تصريحات قائد الثورة الاسلامية الأخيرة حول ادعاء الولايات المتحدة بامتلاكها "أقوى جيش في العالم"، وتأكيده على أن "الأخطر من السفينة الحربية هو السلاح القادر على إغراقها في قاع البحر"، ضمن إطار يتجاوز مجرد الرد الخطابي. يعكس هذا التصريح منطقًا استراتيجيًا راسخًا في السياسة الدفاعية للجمهورية الإسلامية الإيرانية؛ منطقًا يقوم على الردع الفعال، والاكتفاء الذاتي الدفاعي، وتوازن القوى غير المتكافئ.

يتطلب فهم هذه الكلمات فهم مفهوم "القوة" في هندسة الأمن الإيراني. من وجهة نظر الجمهورية الإسلامية، لا تقتصر القوة على كمية المعدات أو الميزانية العسكرية، بل هي نتاج مزيج من ثلاثة عناصر: الإرادة الوطنية، والقدرة الدفاعية المحلية، والقدرة على إلحاق خسائر بالمعتدي. عندما يتحدث الزعيم الإيراني عن إمكانية "ضرب" حتى أقوى الجيوش، فإنه في الواقع يؤكد على أن التفوق العددي والتكنولوجي لا يضمن الحصانة من التأثير، لا سيما في البيئات الجيوسياسية المعقدة وغير المتكافئة.

تُعد جغرافية إيران عنصرًا أساسيًا في هذه المعادلة. فقد أدى هيمنة إيران على سواحل الخليج الفارسي وبحر عُمان الممتدة، وسيطرتها على مضيق هرمز، وعمقها الإقليمي الاستراتيجي، إلى خلق مجموعة من القدرات الطبيعية التي تُصبح، عند دمجها مع التقنيات المحلية، ميزة استراتيجية. في مثل هذه البيئة، لا يعني وجود السفن المتطورة، على الرغم من أهميته من منظور بسط النفوذ، تفوقًا مطلقًا. فقد أظهرت تجربة الحروب الحديثة أن أنظمة الصواريخ الدقيقة، والطائرات المسيّرة القتالية، والتكتيكات غير المتكافئة، قادرة على تغيير المعادلات الكلاسيكية للقتال البحري تغييرًا جذريًا.

على مدى العقود الأربعة الماضية، ولا سيما في ظل العقوبات الواسعة النطاق، اتجهت إيران نحو تطوير عقيدة دفاعية قائمة على الاكتفاء الذاتي. وتُعرَّف صناعات الصواريخ، وأنظمة الدفاع الجوي، والسفن السريعة، وطائرات الاستطلاع والقتال المسيّرة، والقدرات السيبرانية، جميعها ضمن إطار استراتيجية "زيادة تكلفة العدو". فلسفة هذه الاستراتيجية بسيطة لكنها عميقة: إذا علم العدو أن أي عمل عسكري سيُقابل بتكلفة باهظة وغير متوقعة، فإن احتمالية لجوئه إلى الخيارات العسكرية تتضاءل.

إن الحديث عن "سلاح قادر على إغراق سفينة" هو إشارة مباشرة إلى منطق الردع غير المتكافئ هذا. في المعارك البحرية التقليدية، كانت حاملات الطائرات والسفن الثقيلة تُعتبر رموزًا للقوة؛ لكن التطورات التكنولوجية، وخاصة في مجال الصواريخ المضادة للسفن وأنظمة التوجيه الدقيق، جعلت هذه الميزة نسبية. من خلال الاستثمار المستمر في هذه المجالات، سعت إيران إلى خلق معادلة لا يُنظر فيها إلى وجود أي سفينة معادية على أنه تهديد أحادي الجانب، بل على أنه هدف محتمل.

لا يعني هذا النهج رغبة في الحرب؛ بل على العكس، إنها محاولة لمنع الحرب. يكون الردع فعالاً عندما يؤمن الطرف الآخر بقدرة إيران على استخدامه وإرادتها في ذلك. ويُعدّ التعبير عن هذه القدرات جزءًا من عملية بناء هذا الإيمان. في الواقع، يمكن للشفافية بشأن القوة الدفاعية أن تمنع سوء التقدير، وهو سوء تقدير أدى مرارًا وتكرارًا إلى صراعات مكلفة في التاريخ الحديث.

لا تقتصر القوة الدفاعية الإيرانية على البُعد العسكري فحسب، بل إنّ الدعم الرئيسي لهذه القوة هو التماسك الداخلي والمشاركة المجتمعية. وقد أظهرت تجربة سنوات الحرب المفروضة أنه حتى في ظلّ ظروف عدم تكافؤ الأسلحة الشديد، فإنّ الاعتماد على إرادة الشعب قادر على تغيير موازين القوى. وقد لعبت هذه التجربة التاريخية دورًا أساسيًا في صياغة العقيدة الدفاعية الإيرانية اليوم. فالقوة الصلبة، دون دعم اجتماعي، هشة، ولكن عندما تقترن برأس المال الاجتماعي، تصبح عامل استقرار.

من منظور استراتيجي، يُعدّ التأكيد على فشل أربعة عقود من الضغط والترهيب إعادة تعريف لمفهوم القوة في مواجهة الضغوط الخارجية. لم تكتفِ إيران بالصمود خلال هذه الفترة، بل تمكنت من تحقيق مستوى من الاكتفاء الذاتي في العديد من مجالات الدفاع، وهو مستوى كان يصعب تصوره في السنوات الأولى للثورة. وقد جاء هذا التحول نتيجةً لاختيار مسار صعب ولكنه مستدام: الاستثمار في القدرات المحلية بدلاً من الاعتماد على واردات الأسلحة والتحالفات الهشة.

في ظلّ البيئة الأمنية للخليج الفارسي، قد يكون لأي نزاع محتمل تداعيات اقتصادية وطاقية واسعة النطاق على العالم. وإدراكاً منها لهذه الحساسية، أسست إيران عقيدتها على "الردع الفعال"؛ بمعنى أنها، مع تجنبها بدء أي نزاع، تحافظ على جاهزيتها الكاملة لرد حاسم. ويكتسب هذا النهج أهمية مضاعفة، لا سيما في ظلّ اشتداد المنافسة بين القوى العظمى في المنطقة.

إن مقولة "أقوى جيش في العالم قد يتعرض أحيانًا لضربة قاصمة تعجزه عن النهوض" تحمل رسالة استراتيجية بالغة الأهمية: ففي عالمنا المعاصر، باتت الحروب السريعة أحادية الجانب أقل احتمالًا. حتى القوى العظمى تواجه تحديات جسيمة من جهات فاعلة ذات تكتيكات غير متكافئة، وجغرافيا معقدة، وإرادة سياسية قوية. ويتجلى هذا الواقع في العديد من التجارب العسكرية التي شهدتها العقود الأخيرة.

وقد سعت إيران إلى إنشاء "مظلة ردع متعددة الطبقات" من خلال الجمع بين القدرات الصاروخية والدفاعية والبحرية. صُممت هذه المظلة لمواجهة أي عمل عدائي على مستويات مختلفة برد متناسب. ولا يقتصر دور هذا الهيكل على تقليل احتمالية نجاح الهجوم الأولي فحسب، بل يزيد أيضًا بشكل كبير من تكاليف استمرار الصراع.

ومن النقاط المهمة الأخرى العلاقة بين القوة الدفاعية والدبلوماسية. ففي منطق الجمهورية الإسلامية، تكون الدبلوماسية فعالة عندما تستند إلى القوة. فالتفاوض من موقع ضعف يؤدي إلى تنازلات غير مرغوب فيها، بينما التفاوض من موقع قوة قد يُفضي إلى اتفاق مستقر ومتوازن. لذا، فإن إظهار الردع لا يتعارض مع الحوار، بل يُكمّله.

ويمكن تلخيص الرسالة الأساسية لهذه الكلمات في جملة واحدة: أمن إيران غير قابل للتفاوض أو التهديد. إن أي فكرة عن التفوق العسكري المطلق، إذا ما اقترنت بتجاهل القدرات الدفاعية الإيرانية، قد تؤدي إلى سوء تقدير. إن التأكيد على القدرة على استهداف السفن المعادية هو تعبير رمزي عن حقيقة أن لا أداة قوة بمنأى عن الرد.

إن قوة إيران اليوم هي نتاج مزيج من الخبرة التاريخية، ورأس المال البشري، والتقدم التكنولوجي المحلي. هذه القوة لا تُعرَّف للهيمنة، بل للحفاظ على الاستقلال ومنع فرض إرادة أجنبية. في عالم تتغير فيه موازين القوى بسرعة، تكون الدول القادرة على تحقيق التوازن بين القوة الصلبة والناعمة، وبين الردع والدبلوماسية، وبين الإرادة الوطنية والتكنولوجيا المتقدمة، أكثر نجاحًا.

ينبغي فهم تصريحات قائد الثورة الاسلامية في هذا السياق: التأكيد على أن مقياس القوة لا يقتصر على حجم السفن وعدد الطائرات، بل على القدرة على تحويل التهديدات إلى فرص للردع. فعندما تستطيع دولة ما أن تتصرف بطريقة تجعل أي خصم محتمل يُدرك التكاليف الباهظة قبل الإقدام على أي عمل، فإنها تكون قد بلغت بالفعل مستوى الردع الذي يُعدّ أفضل ضمانة للسلام.

/انتهى/

رمز الخبر 1968527

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha