وكالة مهر للأنباء: ما حدث في الأسابيع الأخيرة، من تسليم قاعدتي الشدادي والتنف إلى الجيش السوري إلى نقل سجناء داعش إلى العراق، قد يبدو كدليل على تراجع أمريكا، ولكنه في الواقع يعكس إعادة تنظيم لوجودها بهدف خفض التكاليف والحفاظ على النفوذ.
من ادعاء "محاربة داعش" إلى هندسة التأثير
بدأ الوجود العسكري الأمريكي في سوريا عام 2014 بشعار "محاربة داعش". أنشأت واشنطن، من خلال تشكيل تحالف دولي والاعتماد على ما يسمى "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، شبكة من القواعد العسكرية في شمال وشمال شرق سوريا. تجاوزت القواعد تدريجيًا كونها مراكز دعم لعمليات مكافحة داعش، لتصبح وسيلة لترسيخ النفوذ الأمريكي في الساحة السورية.
لعبت قاعدة الشدادي في محافظة الحسكة، باعتبارها أحد المراكز اللوجستية الهامة وموقعًا للمعدات الثقيلة وطائرات الاستطلاع والهجوم بدون طيار، دورًا محوريًا في هذه الشبكة. كما لم تقتصر أهمية قاعدة التنف في المثلث الحدودي بين سوريا والعراق والأردن على الجانب العسكري فحسب، بل امتدت لتشمل وظيفة جيوسياسية، إذ وضعت عمليًا حلقة الاتصال البرية لمحور المقاومة تحت الإشراف الأمريكي.
مع ذلك، وبعد التطورات السياسية في دمشق وتغيير هيكل السلطة في أواخر عام 2024، تغيرت حسابات واشنطن. فقد أوحت الحكومة الأمريكية تدريجيًا بأن الحاجة إلى الاعتماد الكامل على قوات سوريا الديمقراطية قد تضاءلت، وأنه ينبغي وضع ترتيبات جديدة للحفاظ على النفوذ بتكلفة أقل. مهد هذا التغيير في النهج الطريق للتسليم التدريجي لبعض القواعد وبدء مفاوضات سرية مع الحكومة السورية الجديدة.
تسليم القواعد؛ تراجع أم إعادة تنظيم؟
أعلنت وزارة الدفاع السورية مؤخرًا سيطرة الجيش السوري على قاعدة التنف بالتنسيق مع الولايات المتحدة. وسُلّمت قاعدة الشدادي إلى القوات الحكومية بعد ذلك بوقت قصير. أثارت هذه التطورات، إلى جانب الانسحاب الأمريكي السابق من بعض القواعد الأصغر في شمال سوريا، تساؤلات حول ما إذا كانت واشنطن تتخلى تمامًا عن سوريا.
تشير الأدلة الميدانية إلى أن الإجابة هي لا. لا تزال الولايات المتحدة تحتفظ بمئات الجنود في شمال شرق سوريا، وقواعد مثل خراب الجير قرب الرميلان وقصرك قرب الطريق السريع الاستراتيجي M4. كما نُقلت بعض القوات التي انسحبت من سوريا إلى قواعد أمريكية في الأردن (بما في ذلك البرج 22) وإقليم كردستان العراق. يشير هذا النقل إلى أن الهدف الرئيسي كان تقليل نقاط الضعف وتركيز القوات في مواقع أكثر أمانًا، وليس الانسحاب الكامل من الساحة.
في الواقع، بدلًا من وجود عسكري كبير ومكلف على الأراضي السورية، تسعى واشنطن إلى نموذج أقل تكلفة يعتمد على الدعم الجوي، وعمليات الطائرات المسيّرة، والتنسيق الاستخباراتي، والتأثير السياسي. نموذج يحافظ على إمكانية التدخل السريع، ولكنه ينطوي على عبء مالي وأمني أقل.
نقل سجناء داعش: إدارة أزمة أم نقل أزمة؟
كان من أبرز التطورات التي تزامنت مع إعادة التنظيم هذه نقل آلاف سجناء داعش من سجون شمال شرق سوريا إلى العراق. أعلنت القيادة المركزية الأمريكية نقل أكثر من 5700 سجين إلى العراق في غضون أسابيع قليلة، في خطوة ظاهرها منع عودة داعش.
لكن هذا القرار، أكثر من كونه نهاية للمهمة، يعكس مساعي الولايات المتحدة لنقل عبء الأمن من سوريا إلى العراق مع الحفاظ على نفوذها. لطالما كانت سجون داعش إحدى أدوات المساومة الأمريكية مع حكومة دمشق، بل وحتى مع الجهات الفاعلة الإقليمية. الآن، مع نقل هؤلاء السجناء، انخفض خطر انتفاضة واسعة النطاق أو هروبهم، وسُهّلت إدارتهم في بيئة تخضع لنفوذ أمريكي مباشر.
كما أن تزامن هذا النقل مع اتفاق دمج قوات سوريا الديمقراطية في الجيش السوري يشير إلى أن واشنطن تحاول مصاحبة انسحابها الظاهري بترتيبات سياسية لضمان استمرار نفوذها عبر هياكل جديدة.
خفض التكاليف في مواجهة التهديدات الإقليمية
كان أحد العوامل المهمة في قرار الولايات المتحدة إعادة نشر قواتها هو تزايد التهديد لقواعدها في سوريا والعراق. ففي السنوات الأخيرة، تصاعدت الهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة على المواقع الأمريكية، وهي هجمات يمكن تحليلها في سياق التوترات الأوسع بين واشنطن ومحور المقاومة.
كما شهدت قاعدة عين الأسد في العراق انخفاضًا في وجود القوات الأمريكية تماشيًا مع التطورات في سوريا. تُظهر هذه الإجراءات أن واشنطن تسعى إلى تقليل تركيز القوات في النقاط المعرضة للضربات المباشرة. بعبارة أخرى، توصلت الولايات المتحدة إلى استنتاج مفاده أن استمرار وجود بري كبير يُولّد تكاليف ونقاط ضعف بدلًا من الفوائد.
هل تنسحب الولايات المتحدة حقًا؟
على الرغم من استسلام بعض القواعد، لا تزال الولايات المتحدة قادرة على شن عمليات جوية ضد أهدافها المحددة في سوريا. وفي الأسابيع الأخيرة، نُشرت تقارير عن غارات جوية على مواقع يُشتبه في استخدامها من قبل خلايا داعش. هذا يعني أن الولايات المتحدة، حتى بدون وجود بري كبير، قادرة على التدخل في معادلات الأمن في سوريا في أي وقت.
يُظهر النفوذ السياسي لواشنطن في الشؤون الداخلية السورية، بما في ذلك مسألة دمج قوات سوريا الديمقراطية، أن الأدوات الناعمة قد حلت محل بعض الوجود العسكري المباشر. وتسعى الولايات المتحدة للحفاظ على نفوذها في مستقبل سوريا من خلال الضغوط الاقتصادية والعقوبات والمفاوضات غير المباشرة.
تدخلٌ بوجهٍ جديد
إن ما يحدث في سوريا اليوم ليس مجرد تراجع، بل هو تغيير في نموذج التدخل الأمريكي. فبعد تجارب مكلفة في العراق وأفغانستان، أدركت واشنطن أن الوجود المباشر طويل الأمد قد يؤدي إلى تآكل سياسي ومالي. ولذلك، اتجهت نحو نموذج "الوجود عن بُعد"، وهو نموذجٌ تحل فيه القواعد المحدودة والعمليات الجوية والاختراق الاستخباراتي محل الاحتلال الميداني.
لكن طبيعة هذا الوجود تبقى تدخلية. فالولايات المتحدة لم تدخل البلاد بدعوة رسمية من الحكومة السورية المركزية، ولا تنوي الانسحاب الكامل دون ضمان مصالحها. كما أن أي نقل للقوات يتم في إطار حسابات واشنطن الاستراتيجية للحفاظ على نفوذها.
تداعيات على مستقبل المنطقة
قد تترتب على إعادة تنظيم الوجود الأمريكي في سوريا عدة عواقب هامة. أولاً، انخفاض حدة الصراع المباشر بين القوات الأمريكية والجهات الفاعلة المحلية، مما يقلل من احتمالية نشوب توترات غير مرغوب فيها. ثانياً، ازدياد دور دول الجوار، كالأردن والعراق، كمنصات للعمليات والمراقبة الأمريكية. ثالثاً، استمرار التنافس الجيوسياسي في صيغة جديدة تكتسب فيها الأدوات الاستخباراتية والاقتصادية أهمية أكبر.
في الوقت نفسه، تُظهر هذه التطورات أن مشروع الوجود الأمريكي المجاني وغير المتنازع عليه في المنطقة لا يتوافق مع الواقع على الأرض. فقد أدت المقاومة الشعبية والإقليمية للاحتلال والتدخل الأجنبي إلى زيادة تكاليف واشنطن، وأجبرتها على إعادة النظر في تكتيكاتها.
الخلاصة
لا يمكن وصف التطورات الأخيرة في سوريا ببساطة بأنها "انسحاب أمريكي". ما حدث هو تحول في هيكلة القوات ونمط الوجود؛ من قواعد كبيرة وواضحة إلى مواقع أكثر محدودية وقابلية للحركة، ومن احتلال مباشر إلى إدارة عن بُعد. ويبقى الهدف هو الحفاظ على النفوذ ومنع تشكيل نظام إقليمي مستقل عن إرادة واشنطن.
مع ذلك، يُعدّ تقليص القواعد العسكرية ونقل القوات اعترافًا ضمنيًا بفشل نموذج التدخل المباشر. فقد اضطرت الولايات المتحدة للاختيار بين الاستمرار في وجود مكلف وإعادة تعريف هذا الوجود. ويُظهر الخيار الأخير أن السياسات التدخلية، رغم استمرارها، لم تعد تخلو من التحديات والتكاليف كما كانت في السابق. كما أن مستقبل سوريا والمنطقة مرتبط بمدى قدرة الجهات الفاعلة المحلية على الحد من هذا النفوذ وتعزيز السيادة الوطنية.
/انتهى/

تعليقك