٠٣‏/٠٧‏/٢٠٢٦، ٨:٠٦ ص

حرب الأربعين يوماً وإعادة تموضع "سنتكوم" في الخليج الفارسي

حرب الأربعين يوماً وإعادة تموضع "سنتكوم" في الخليج الفارسي

أفاد تقرير للصحيفة الصهيونية "جيروزاليم بوست" بأن القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) تدرس إمكانية نقل جزء من قواعدها من منطقة الخليج الفارسي. ورغم أن هذا الأمر لا يزال مجرد سيناريو قيد الدراسة، إلا أنه من منظور استراتيجي يحمل رسالة تتجاوز مجرد انتقال عسكري.

وكالة مهر للأنباء: أفاد تقرير للصحيفة الصهيونية "جيروزاليم بوست" بأن القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) تدرس إمكانية نقل جزء من قواعدها من منطقة الخليج الفارسي. ورغم أن هذا الأمر لا يزال مجرد سيناريو قيد الدراسة، إلا أنه من منظور استراتيجي يحمل رسالة تتجاوز مجرد انتقال عسكري. ويأتي هذا التقرير في وقت غيرت فيه حرب الأربعين يوماً بين إيران وأمريكا العديد من المعادلات الأمنية التقليدية في المنطقة، ووضعت نظرة واشنطن لأمن قواعدها أمام تحديات جديدة.

على مدى العقود الماضية، اعتبرت أمريكا وجودها العسكري الواسع في الخليج الفارسي أحد أهم أدوات ممارسة القوة في غرب آسيا. فقد صُممت شبكة من القواعد الجوية والبحرية واللوجستية في قطر والبحرين والكويت والإمارات وغيرها من دول المنطقة، لتتيح ردود فعل سريعة لأي أزمة إقليمية. واستندت هذه الهندسة الأمنية إلى افتراض أن هذه القواعد تتمتع بأمن نسبي، وأن أمريكا تستطيع، في حال نشوب نزاع، إدارة العمليات العسكرية دون قلق جدي بشأن تعرض بنيتها التحتية للخطر.

لكن الحرب الأخيرة وضعت هذا الافتراض موضع شك جدي. فوللمرة الأولى، تعرض جزء مهم من القواعد الأمريكية في المنطقة لهجمات مباشرة بالصواريخ والطائرات المسيرة. وبغض النظر عن حجم الأضرار، فإن الأهم هو إظهار قدرة إيران على استهداف البنى التحتية الحيوية الأمريكية على نطاق واسع في المنطقة. أظهر هذا التطور أن المسافة الجغرافية القصيرة بين القواعد الأمريكية والحدود الإيرانية لم تعد ميزة تشغيلية، بل تحولت إلى نقطة ضعف استراتيجية.

كما سلط النشر التدريجي للتقارير حول الأضرار التي لحقت ببعض المنشآت العسكرية الأمريكية هذا الأمر في الواجهة بشكل أكبر. ورغم أن واشنطن حاولت الحد من تفاصيل هذه الأضرار، إلا أن نشر الصور الفضائية والتقارير الإعلامية وتحليلات مراكز الدراسات، جعل النقاش حول مدى ضعف القواعد الأمريكية أحد المواضيع الرئيسية في الأوساط الأمنية. السؤال الرئيسي الآن ليس ما إذا كانت هذه القواعد قابلة للاستهداف أم لا، بل كيف يمكن لأمريكا أن تقلل من تكلفة ضعفها.

في هذا السياق، فإن تقرير "جيروزاليم بوست" حول دراسة نقل بعض القواعد من الخليج الفارسي، هو أكثر من مجرد قرار لوجستي، إنه يعكس مراجعة في الحسابات الأمنية لواشنطن. نقل القواعد أو إعادة انتشارها يعني قبول حقيقة أن الترتيبات العسكرية السابقة لم تعد تلبي البيئة الأمنية الجديدة. عندما تضطر قوة عسكرية إلى زيادة المسافة بين قواتها ومعداتها وميدان التهديد لحماية أمنها، فإنها في الواقع تعترف بتغير ظروف الردع.

النقطة المهمة الأخرى هي أن الردع لا يعني فقط منع نشوب الحرب. أحد أهم مؤشرات الردع هو إجبار الطرف المقابل على تغيير سلوكه، أو تغيير ترتيباته العسكرية، أو زيادة تكاليفه التشغيلية. إذا اضطرت أمريكا إلى نقل جزء من بنيتها التحتية العسكرية إلى مناطق أبعد، فإن هذا الإجراء سيعني زيادة زمن الرد، وتعقيد سلسلة الدعم، وزيادة التكاليف اللوجستية، وتقليل المرونة التشغيلية. وبعبارة أخرى، حتى بدون حدوث نزاع جديد، تمكنت إيران من فرض جزء من التكاليف الاستراتيجية على أمريكا.

من ناحية أخرى، لن يؤثر النقل المحتمل للقواعد على أمريكا فقط. فالدول المضيفة لهذه القواعد ستواجه أيضاً أسئلة جديدة حول مستقبل الترتيبات الأمنية الإقليمية. على مدى السنوات الماضية، كان الوجود العسكري الأمريكي أحد المكونات الرئيسية لضمان أمن هذه الدول. إذا تغير هذا الوجود أو تركزه، فمن الطبيعي أن تضطر الفاعلون الإقليميون أيضاً إلى إعادة النظر في حساباتهم الأمنية.

بالطبع، يجب الانتباه إلى أن نقل القواعد لا يعني انسحاب أمريكا من المنطقة. لا تزال واشنطن تمتلك مصالح استراتيجية واسعة في غرب آسيا، ومن غير المرجح أن تتخلى عن وجودها العسكري. لكن الفرق المهم هنا هو أنه إذا كانت أمريكا في السابق تقرر كيفية استخدام قواعدها، فهي مضطرة الآن، قبل أي قرار تشغيلي، إلى إدخال مدى ضعف تلك القواعد في حساباتها أيضاً. هذا التغيير، على الرغم من أنه قد يبدو في الظاهر مجرد انتقال جغرافي، إلا أنه في الواقع يعكس تحولاً في بيئة الردع الإقليمية.

في النهاية، حتى لو لم يتم تنفيذ سيناريو نقل القواعد بشكل كامل، فإن مجرد دراسة مثل هذا الخيار يحمل رسالة مهمة؛ وهي أن حرب الأربعين يوماً لم تكن مجرد مواجهة عسكرية مؤقتة، بل أثرت أيضاً على الحسابات الأمنية الأمريكية. عندما تضطر قوة مثل الولايات المتحدة إلى إعادة التفكير في موقع قواعدها، يمكن القول إن معادلات الردع قد تغيرت مقارنة بالماضي. من هذا المنظور، تكمن القيمة الاستراتيجية لتقرير "جيروزاليم بوست" ليس في خبر نقل القواعد، بل في الاعتراف الضمني بحقيقة أن القدرة الصاروخية والطائرات المسيرة الإيرانية أصبحت الآن أحد المتغيرات الحاسمة في تصميم الترتيبات العسكرية الأمريكية في المنطقة.

/انتهى/

رمز الخبر 1972011

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha