وكالة مهر للأنباء، رسول حسين أبو السبح: في الأحداث الكبرى تُختبر قدرات المؤسسات، وتُقاس كفاءة التخطيط والإدارة بقدرتها على تحويل التحديات إلى نجاحات ميدانية ملموسة، وقد شكّل التشييع المليوني التاريخي للسيد القائد الخامنئي الشهيد الذي شهدته مدينتا النجف الأشرف وكربلاء المقدسة محطة استثنائية استدعت استنفارًا واسعًا للجهود الخدمية والهندسية واللوجستية لضمان انسيابية حركة الملايين وتوفير أفضل الخدمات للمشاركين.
وفي هذا الحوار الخاص لوكالة مهر للأنباء، يكشف الشيخ أحمد عباس المالكي، مدير مديرية الجهد الخدمي والهندسي ومدير مديرية التموين والنقل في هيئة الحشد الشعبي، تفاصيل الخطط الميدانية والاستعدادات المبكرة التي سبقت مراسم التشييع، وآليات التنسيق مع المؤسسات الحكومية والعتبات المقدسة والأجهزة الأمنية، فضلًا عن الرؤية التي تقف خلف الدور الخدمي المتنامي للحشد الشعبي بوصفه مؤسسة وطنية تجمع بين الجاهزية الميدانية والعمل المجتمعي.
جناب الشيخ، إن المشهد المهيب للتشييع في النجف الأشرف وكربلاء المقدسة لم يكن مجرد حدث عابر، بل تجسيدًا لظاهرة بشرية مليونية فائقة الحساسية، من موقعكم القيادي في إدارة الجهد الخدمي والهندسي والتموين والنقل، كيف استطعتم تحقيق التوازن بين الزخم العاطفي الهائل للمشيعين وبين متطلبات التنظيم والانسيابية؟
النجاح الذي تحقق في مراسم التشييع هو أولًا بتوفيق من الله تعالى ورعاية ربانية لهذه المناسبة الاستثنائية، منذ اللحظات الأولى جرى إعداد خطتين متكاملتين للنجف الأشرف وكربلاء المقدسة، مع الأخذ بنظر الاعتبار خصوصية كل مدينة وحجم الحشود المتوقع.
بدأت التحضيرات قبل أكثر من عشرة أيام من الإعلان الرسمي، وشملت زيارات ميدانية واجتماعات مكثفة مع مختلف الجهات المختصة لتوزيع المسؤوليات ووضع خطط خدمية وهندسية ولوجستية متكاملة، إضافة إلى إعداد خطط طوارئ لمواجهة أي مستجدات محتملة، وقد ساهمت هذه الإجراءات المبكرة في تحقيق أعلى درجات الانسيابية خلال التشييع المليوني.
يتطلب حدث بهذا الحجم تنسيقًا عالي المستوى بين مؤسسات متعددة، كيف أدرتم منظومة التعاون مع العتبات المقدسة والأجهزة الأمنية والجهات الخدمية المختلفة؟
وضعنا خطة شاملة لنقل المشاركين من مختلف المحافظات العراقية إلى النجف وكربلاء بالتنسيق مع وزارة النقل، وشملت توفير الحافلات ووسائط النقل المختلفة والقطارات، فضلًا عن تنظيم عمليات التفويج العكسي بعد انتهاء المراسم.
كما تم التنسيق مع المواكب الحسينية والعتبات المقدسة لتنظيم مواقع الخدمة والسرادق بما لا يؤثر على مسارات التشييع أو خطوط الطوارئ، كذلك جرى توزيع الخدمات الأساسية من مياه وطعام ومرافق صحية على امتداد الطرق والمسارات المعتمدة.
هذه الجهود تكاملت ضمن خطة هندسية وخدمية موحدة نفذتها كوادر هيئة الحشد الشعبي بالتعاون مع مختلف المؤسسات المعنية، ما ساهم في نجاح إدارة الحشود بشكل منظم وآمن.

المدن المقدسة تمتلك طبيعة جغرافية خاصة تجعل إدارة الحشود والإمداد اللوجستي أكثر تعقيدًا، ما أبرز الخطط الاستباقية والبديلة التي اعتمدتموها؟
منذ انطلاق التحضيرات باشرت كوادرنا الهندسية والفنية بمتابعة الطرق والمحاور المخصصة للتشييع، والعمل على رفع المعوقات وإصلاح وإكساء المقاطع المتضررة بالتنسيق مع الحكومة المحلية وبلدية النجف الأشرف.
كما أعددنا خططًا بديلة للطوارئ كان أبرزها إنشاء مهبط للطائرات وفق المواصفات الفنية المطلوبة وبطاقة استيعابية تصل إلى أربع طائرات هليكوبتر، ليكون خيارًا احتياطيًا في حال حدوث أي طارئ أو اختناقات غير متوقعة.
وقد استفدنا في هذا الجانب من الخبرات التي اكتسبتها كوادر الحشد الشعبي خلال سنوات المواجهة مع الإرهاب، حيث تم توظيف هذه الخبرات اليوم في مشاريع خدمية وإنسانية تخدم المواطنين والمناسبات الجماهيرية الكبرى.
ما الرسالة التي أراد الحشد الشعبي إيصالها من خلال هذا الأداء الخدمي واللوجستي المتقدم خلال مراسم التشييع؟
مديرية التموين والنقل ومديرية الجهد الخدمي والهندسي عملتا على توفير مختلف متطلبات النجاح، بدءًا من إيصال المياه الصالحة للشرب والثلج للمواكب الحسينية، مرورًا بتوفير الباصات ووسائط النقل والدعم اللوجستي، وانتهاءً بحملات التنظيف وإعادة تأهيل المواقع بعد انتهاء المراسم.
الرسالة الأساسية التي قدمها الحشد الشعبي هي أنه مؤسسة وطنية متكاملة تمتلك القدرة على توظيف إمكاناتها البشرية والهندسية والخدمية لخدمة المواطنين بكفاءة عالية، بدءًا من مرحلة التخطيط والاستعداد، مرورًا بإدارة الحدث، وصولًا إلى معالجة الآثار اللاحقة لانتهائه.
شهد الحشد الشعبي انتقالًا واضحًا من المهام العسكرية إلى أدوار خدمية ومجتمعية واسعة، كيف تفسرون هذا التحول؟
في الحقيقة، العمل الخدمي ليس جديدًا على الحشد الشعبي، فمنذ انطلاق فتوى الدفاع الكفائي كان للحشد دور في إيواء النازحين وتأمين الطرق وخدمة المواطنين أثناء المعارك.
وبعد إعلان النصر على الإرهاب، تطورت هذه الرؤية بشكل أكبر استنادًا إلى توجيهات الشهيد القائد الحاج أبو مهدي المهندس الذي أطلق شعار “الحشد في خدمتكم”، ومنذ ذلك الوقت توسعت قدرات الجهد الخدمي والهندسي، وأصبحت تمتلك كوادر هندسية وفنية متخصصة وإمكانات متقدمة في تنفيذ المشاريع الخدمية والاستجابة للكوارث الطبيعية والأزمات المختلفة.
واليوم يواصل الحشد الشعبي تطوير هذه القدرات ليكون حاضرًا إلى جانب المواطن في مختلف الظروف، سواء في الزيارات المليونية أو المشاريع الخدمية أو حالات الطوارئ.
اخيراً…
أظهر التشييع المليوني في النجف الأشرف وكربلاء المقدسة حجم الخبرة التنظيمية والخدمية التي راكمتها مؤسسات الحشد الشعبي خلال السنوات الماضية، وقدرتها على إدارة الأحداث الجماهيرية الكبرى بكفاءة عالية، وبينما كان المشهد عنوانًا للوفاء والعقيدة، شكّل أيضًا اختبارًا عمليًا لقدرات التخطيط والتنسيق والإسناد اللوجستي، وهو اختبار نجحت فيه كوادر الجهد الخدمي والهندسي والتموين والنقل بصورة لافتة. ويؤكد هذا النجاح أن العمل المؤسسي المتكامل بات يشكل إحدى أبرز ركائز أداء الحشد الشعبي في خدمة المجتمع العراقي.
/انتهى/
تعليقك