وكالة مهر للأنباء- الكاتب والباحث السياسي اليمني عدنان عبدالله الجنيد: لم يكن المشهد متكرّرًا بقدر ما كان متصاعدًا:دمٌ يفتح الطريق، وصرخةٌ تُؤسِّس مشروعًا، ومشروعٌ يتحوّل إلى قدر أُمّة.من الإمام روح الله الخميني الذي أطلق الفكرة، إلى القائد علي الخامنئي الذي ختمها بدمه، بقيت القدس ميزان الكرامة الذي لا يميل، وبوصلة الشرف التي لا تنحرف.
فالقدس ليست مدينةً محتلة على خارطة فلسطين فحسب، بل قلبُ الأُمّة النابض، ومِعيارُ صدقها، ومقياسُ أهلية قادتها وشعوبها.ومنذ أن حوّل الإمام الخميني آخر جمعة من رمضان إلى يومٍ عالميٍّ للقدس، خرجت القضية من ضيق الشعار إلى سعة المشروع الحضاري والعقائدي.واليوم، يأتي يوم القدس في ظرفٍ استثنائي، ليُكتب بمداد الدم لا الحبر، بعد أن صار القائد شهيدًا على طريقها، مُحوِّلًا القيادة من موقع التوجيه إلى ميثاق تضحية، ومُعلنًا أن القدس لا تُستعاد إلا بفداء العظماء.فهل بقي بعد هذا الفداء عذرٌ للمتقاعسين؟وهل تملك الأُمّة حُجّةً بعد أن سبقها قائدها إلى ميدان الشهادة؟
من الصرخة إلى المشروع الحضاريلم يعد يوم القدس العالمي مجرّد مناسبة موسمية للتضامن، بل تحوّل — عبر العقود — إلى مشروعٍ حضاريٍّ شامل، يعيد وصل الأُمّة بكرامتها وبمركز صراعها الحقيقي.في الرؤية الاستراتيجية للقائد الشهيد:القدس ليست شعارًا عاطفيًا، بل محورًا لإعادة بناء التوازنات الإقليمية.القضية الفلسطينية خرجت من حدود الجغرافيا لتصير قضية الأُمّة كلّها، جامعةً للشيعة والسُّنّة، متجاوزةً كلّ الحواجز المصطنعة.يوم القدس بات ميزانًا أخلاقيًا يُقاس به صدق المواقف، لا كثافة الخطابات.وهكذا، لم يعد يوم القدس تذكيرًا، بل ميثاق التزام:إمّا شراكة في صناعة النصر، أو شراكة في وزر الصمت.
أدوات المشروع: من الخطاب إلى معادلات الردع:لم يقف مشروع القدس عند حدود البيان السياسي، بل نزل إلى أرض الفعل، متسلّحًا بأدوات حقيقية:دعم فصائل المقاومة الفلسطينية بالسلاح والخبرة والتكنولوجيا.توحيد جبهات محور المقاومة ضمن غرفة تنسيق واحدة.تطوير منظومات الردع، الصاروخية والمسيّرة.بناء مظلّات ردع استراتيجية، تتقدّمها القدرات النوعية الكبرى.لم تعد القدس كلمةً على لافتة.فحين انطلقت طوفان الأقصى، كانت الصواريخ تحمل توقيع جغرافيا المقاومة كلّها.وحين فُتحت معركة وحدة الساحات، كان التنسيق بين صنعاء وحزب الله والحشد الشعبي والحرس الثوري يتم تحت سقف مشروع القدس.
هنا تحوّلت الشعارات إلى خرائط نيران،وتحوّلت المواقف إلى معادلات ردع.دماء القادة… حين يصبح الفكر شهادة:لم يكن استشهاد القائد حدثًا عابرًا في سياق الصراع، بل ذروة التطبيق العملي لنظريته.فالدم، حين يسيل من جسد القائد، يصبح أبلغ من ألف خطاب.لقد علّم — طوال سنوات — أن القدس لا تُوهب، بل تُنتزع.ثم وقّع بدمه على صدق ما قال.هنا يبرز السؤال المصيري:هل نكتفي بالبكاء على القائد؟أم نقرأ في دمه خريطة الطريق؟لقد رحل الجسد، وبقي الميثاق مفتوحًا:إمّا أن تُحمل الراية بذات الروح،أو يُعترف بالعجز دون مواربة.يوم القدس 2026: استثنائية اللحظة وحتمية المسار:جاء يوم القدس هذا العام في مشهد غير مسبوق:وحدة ساحات فعلية من فلسطين إلى البحر الأحمر.عمليات نوعية كسرت قيود الردع التقليدي.ضرب القواعد العسكرية الأمريكية وإذلال جنودها.انتفاض الضمير العالمي في مظاهرات عارمة.
لم يعد يوم القدس ذكرى…بل صار محطة تقييم، وميزان قوة، وإعلانًا عالميًا بأن النصر لم يعد احتمالًا، بل مسارًا.الخاتمة:هكذا هي القدس:صرخةُ إمام،ثم مشروعُ قائد،ثم وعدٌ يُوقَّع بدم الشهداء.اليوم تختلط دماء القادة بدماء أطفال غزة وشباب الضفة.لم يعد في المشهد مكان للحياد.إمّا أن تُكتب في سجل الفداء،أو يُكتب عليك اسمك في سجل التقاعس بلا عذر.القدس لا تنتظر.والدم لا يزال ينطق.فأين أنت من هذه المعادلة؟
/انتهی/
تعليقك