وكالة مهر للأنباء، المجموعة الدولية: منذ بداية العدوان العسكري الأمريكي والصهيوني على إيران، لم تتحقق الأهداف المعلنة لهذه العملية فحسب، بل تتزايد الأدلة على وصول المعتدين إلى طريق مسدود استراتيجي وهزائم ميدانية وسياسية. هذه الحرب، التي بدأت بهجمات واسعة النطاق وقتل مدنيين، بمن فيهم طلاب أبرياء، سرعان ما اكتسبت أبعادًا إنسانية وأمنية واقتصادية واسعة النطاق، وأثارت ردود فعل متباينة في وسائل الإعلام الدولية. ورغم التوصل إلى وقف إطلاق نار لمدة أسبوعين، لا يزال الطريق أمامنا معقدًا حتى النهاية الحقيقية لهذا العدوان.
حاولت وسائل الإعلام العالمية، كلٌّ منها بمنهجها الخاص، تشكيل سردية هذه الحرب؛ إنّ دراسة هذه التأملات تُتيح فهمًا أوضح للوضع الحقيقي للحرب وآفاقها.
وسائل الإعلام الغربية
كتبت صحيفة الغارديان في تحليل لها أن نهج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الفوضوي وغير المستقر قد أدخل محادثات السلام مع إيران في حالة من الفوضى والارتباك. ووفقًا لهذه الوسيلة الإعلامية البريطانية، فإن قرار ترامب إرسال وفد أمريكي إلى إسلام آباد بعد 24 ساعة فقط من إغلاق إيران مضيق هرمز مجددًا، يُرسل رسالة إلى طهران مفادها أن هذا الممر المائي الاستراتيجي لا يزال أداة تفاوض لا غنى عنها.
وحذرت شبكة سي إن بي سي الإخبارية في تقرير لها من أن الاشتباكات الجديدة في الخليج الفارسي واحتجاز البحرية الأمريكية لسفينة حاويات إيرانية قد دفعا وقف إطلاق النار الهش بين إيران والولايات المتحدة إلى حافة الانهيار. ووفقًا لهذه الوسيلة الإعلامية، وبعد مرور 50 يومًا على بدء الحرب، تصاعدت التوترات مجددًا، وعلى الرغم من إعلان ترامب استئناف المحادثات في إسلام آباد، فقد أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية أنه لا توجد حاليًا أي خطط لجولة ثانية من المحادثات مع الولايات المتحدة.
في ختام التقرير، حذّر خبراء من معهد الشرق الأوسط من أنه طالما لم تتخلَّ واشنطن عن وهم أن النصر العسكري يُساوي التفوق الاستراتيجي، فإن حلاً دبلوماسياً دائماً سيظل بعيد المنال، بل إن احتمال استئناف الأعمال العدائية قد ازداد.
وذكرت شبكة CNN أنه بعد يومين فقط من ادعاء ترامب أن إيران وافقت على كل شيء، أغلقت طهران مضيق هرمز مجدداً، وهدّد الرئيس الأمريكي بتدمير الجسور ومحطات الطاقة الإيرانية.
وفي تحليل لها، استخدمت صحيفة فايننشال تايمز، في إشارة إلى الأجواء الغامضة السائدة في العلاقات الإيرانية الأمريكية، مصطلح "ضباب السلام" لوصف الوضع الراهن، وحذّرت من أن الأزمة الإيرانية لم تبلغ ذروتها بعد. ووفقاً للصحيفة الاقتصادية، فرغم رغبة كلا الجانبين في التوصل إلى اتفاق سلام، إلا أن انعدام الثقة المتبادل والخلاف العميق حول القضايا النووية، ومضيق هرمز، والعقوبات، ولبنان، قد أثّرت سلباً على فرص التوصل إلى اتفاق.
ذكرت صحيفة فايننشال تايمز أن الاقتصاد العالمي لا يتحمل أشهرًا من المفاوضات الشاقة، وأن استمرار إغلاق مضيق هرمز سيؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة ووقود الطائرات والأسمدة الكيميائية. وأشار التحليل، مستشهدًا بنمط إدارة ترامب المتكرر في المبالغة في قدرتها على فرض إرادتها على إيران والاستهانة بصمود نظام الجمهورية الإسلامية، إلى أن السيناريو الأرجح ليس التوصل إلى اتفاق سريع، بل تصعيد الصراع.
وسائل الإعلام العربية والإقليمية
كتبت صحيفة الدستور المصرية، في معرض حديثها عن التداعيات الاقتصادية للحرب مع إيران: أبلغ مسؤولون إماراتيون نظرائهم الأمريكيين أنه في حال تفاقمت الأزمة، قد تستخدم الإمارات اليوان الصيني لبيع النفط وإتمام معاملات أخرى.
وصرح مسؤولون أمريكيون لصحيفة وول ستريت جورنال بأن الإمارات طلبت من الولايات المتحدة ضمانات مالية طارئة تحسبًا لانزلاقها إلى أزمة أعمق نتيجة للحرب مع إيران.
و وبحسب المسؤولين، طرح خالد محمد بلامي، محافظ مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي، فكرة إنشاء خط لمبادلة العملات مع وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسانت ومسؤولين من وزارة الخزانة والاحتياطي الفيدرالي في اجتماعات عقدت في واشنطن الأسبوع الماضي.
أكد الإماراتيون خلال هذه الاجتماعات أنهم تجنبوا حتى الآن أسوأ التداعيات الاقتصادية للصراع، لكنهم قد يحتاجون إلى دعم مالي إذا تفاقم الوضع.
وتُشكل هذه التصريحات تهديدًا ضمنيًا لمكانة الدولار الأمريكي، الذي يتصدر قائمة العملات العالمية، ويعود ذلك جزئيًا إلى استخدامه شبه الحصري في معاملات النفط.
وفيما يتعلق بالجيوسياسة الإيرانية كسلاحها الرئيسي، كتبت صحيفة القدس الفارسي: "بات من الواضح أن إيران تمتلك بالفعل عامل ردع، ألا وهو الموقع الجغرافي الاستراتيجي. فقد تسبب قرار الجمهورية الإسلامية فرض سيطرتها على الملاحة عبر مضيق هرمز في مشاكل اقتصادية عالمية، ورفع أسعار البنزين والأسمدة وغيرها من السلع الأساسية. وقد أدى ذلك إلى تعطيل التخطيط الحربي في الولايات المتحدة وإسرائيل".
وفي ضوء التوترات الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة، كتبت صحيفة الشروق المصرية: "إن استمرار الحصار الأمريكي لمضيق هرمز يُقوّض محادثات السلام". إن القدرات الدفاعية الإيرانية، بما فيها برنامجها الصاروخي، غير قابلة للتفاوض مع الولايات المتحدة، واستمرار الحصار الأمريكي لمضيق هرمز يقوض محادثات السلام.
لا تزال الخلافات قائمة حول البرنامج النووي، وتسعى إيران والولايات المتحدة للتوصل إلى حل دائم للأزمة. ويؤدي استمرار الحصار الأمريكي لمضيق هرمز إلى تقويض محادثات السلام.
لا توجد حاليًا أي خطط لعقد جولة أخرى من المحادثات مع الولايات المتحدة، مع التأكيد على أنه لم يتم اتخاذ أي قرار بشأن هذه المسألة بعد.
وسائل الإعلام الصينية والروسية
كتبت قناة CGTN الصينية في تحليل لدور باكستان كوسيط في الحرب الأخيرة: في الأزمة المستمرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، برزت باكستان سريعًا كلاعب دبلوماسي رئيسي. ومن خلال الحفاظ على علاقات عمل مع واشنطن وطهران، فضلًا عن علاقات وثيقة مع دول الخليج الفارسي، تمكنت البلاد من إيجاد موقف "متوازن" مقبول لدى جميع الأطراف.
مهّد رئيس الوزراء الباكستاني وقائد الجيش، عبر جهود دبلوماسية وزيارات إلى طهران ودول إقليمية، الطريق أمام جولتين من المحادثات في إسلام آباد ووقف إطلاق نار لمدة أسبوعين. كما دفعت المخاوف الأمنية (الحدود الممتدة على طول 900 كيلومتر مع إيران وخطر امتداد الصراع إلى داخل البلاد) واعتماد باكستان على مضيق هرمز في مجال الطاقة، البلاد إلى التوسط. وتستغل باكستان هذه الفرصة لتعزيز مكانتها العالمية ونفوذها الإقليمي.
أجبرت الهجمات قطر على "تقليص استراتيجي" وأظهرت أن نموذجها الدبلوماسي المرن يجعلها عرضة للخطر في أوقات التوترات المتصاعدة. وتلعب قطر الآن دورًا حذرًا بدلًا من دور فاعل.
وفي تحليلها لتوتر العلاقات الأمريكية مع حلف شمال الأطلسي (الناتو) وتداعياته الإقليمية، كتبت قناة روسيا اليوم: "يكمن أكبر نقاط ضعف أمريكا في علاقاتها مع أوروبا في أن واشنطن بحاجة إلى هذه العلاقة أكثر من أوروبا نفسها. فبعد الحرب العالمية الثانية، استخدمت الولايات المتحدة القارة كقاعدة متقدمة ضد الاتحاد السوفيتي بنشر قوات في أوروبا، لكن هذا الوجود لم يُغفر بالكامل في برلين وباريس ولندن". الآن، ومع قرارات واشنطن الأخيرة، وجد الأوروبيون فرصة لاستغلال ضعف أمريكا لصالحهم. ومن الأمثلة الواضحة على ذلك القرار غير المتوقع لرئيس الوزراء البريطاني بعدم الانضمام إلى الحصار البحري المفروض على إيران في مضيق هرمز. تدرك أوروبا الغربية أنه بدون وجود لها في هذه القارة، ستكون أمريكا عرضة للعزلة الجيوسياسية، وأن التوازن الاستراتيجي مع روسيا يتغير لصالح واشنطن.
كتبت وكالة ريا نوفوستي الروسية في تحليل لها: رفضت إيران المشاركة في محادثات السلام مع ممثلي ترامب بسبب المطالب المفرطة للولايات المتحدة واستمرار الحصار البحري لمضيق هرمز. ويختلف الخبراء حول إمكانية استئناف الحرب. لكن الأهم هو أن المفاوضات نفسها قد تستغرق شهورًا (كما هو الحال في كوريا وفيتنام)، في حين أن الاقتصاد العالمي لا يملك الوقت الكافي للانتظار.
إن الإغلاق اليومي لمضيق هرمز لا يدفع الاقتصاد العالمي نحو أزمة حادة فحسب، بل يُسرّع أيضًا عملية إعادة بناء النظام الاقتصادي والسياسي العالمي. ويواجه قطاع الطيران وضعًا صعبًا بسبب ارتفاع الأسعار ونقص وقود الطائرات، وتقف اقتصادات دول عديدة على حافة الانهيار المتسلسل.
وكتبت ريا نوفوستي: كشفت عملية "الغضب الملحمي" الأمريكية ضد إيران عن مشاكل واشنطن الدفاعية والذخيرية. وقد وسّعت إيران نطاق الحرب باستهداف حلفائها العرب. كانت ذخائر الاعتراض (باتريوت: 12 مليون دولار، ثاد: 15 مليون دولار) أغلى بعشرات المرات من الطائرات المسيّرة الإيرانية (التي يصل سعرها الأقصى إلى 70 ألف دولار). وانخفضت مخزونات صواريخ باتريوت لدى الإمارات والكويت والبحرين بنسبة 87%. واستهلكت الولايات المتحدة 850 صاروخ توماهوك (3.6 مليون دولار) و786 صاروخ JSM، بينما يبلغ إنتاجها السنوي 57 و396 صاروخًا على التوالي. ويهدد هذا النقص جاهزية الولايات المتحدة لمواجهة الصين.
في تحليلٍ له، أقرّ معاريو بقوة حزب الله اللبناني، وكتب: خلال العمليات البرية الإسرائيلية في جنوب لبنان، برز تحدٍ جديد: استخدم حزب الله مئات الطائرات المسيّرة الانتحارية المجهزة بكابلات الألياف الضوئية. وعلى عكس الطائرات المسيّرة التقليدية التي تُوجّه عبر الموجات اللاسلكية أو الأقمار الصناعية، تتصل هذه الطائرات بالمشغل عبر كابلات الألياف الضوئية، وبالتالي فهي محصنة ضد الحرب الإلكترونية.
يُقرّ القادة الإسرائيليون بأن حزب الله تجنّب المواجهة المباشرة، وحاول إيقاف أو إبطاء التقدّم الإسرائيلي باستخدام مزيج من الطائرات المسيّرة المزودة بألياف بصرية، وقذائف الهاون، والصواريخ المضادة للدبابات بعيدة المدى. ورغم أن الأضرار التراكمية لهذه الطائرات المسيّرة تُعتبر محدودة، إلا أن طبيعتها الفتاكة وصعوبة مواجهتها شكّلت تحديًا خطيرًا للجيش الإسرائيلي وصناعته الدفاعية. ووفقًا لمسؤولين عسكريين إسرائيليين، تتمتع هذه الطائرات المسيّرة بقدرات عالية على الرؤية والكشف، ما يستدعي حلولًا تكنولوجية جديدة لتحييدها. وقد استُخدمت الخبرة العملياتية للجيش الإسرائيلي في غزة، إلا أن الخصائص الفريدة لهذه الطائرات في لبنان جعلت مواجهتها أولوية ملحة. وكتبت صحيفة "واي نت نيوز" في تحليل لها: يوم السبت، أطلقت البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني النار على سفينتين تجاريتين ترفعان العلم الهندي في مضيق هرمز. وجاء الهجوم بعد أقل من 24 ساعة من إعلان وزير الخارجية الإيراني فتح المضيق. وأعلنت إيران على الفور استعادة السيطرة على المضيق، وأن جميع السفن ستحتاج إلى تصريح من البحرية الإيرانية ودفع رسوم مرور. تُظهر هذه الخطوة الإيرانية أن مضيق هرمز يخضع لسيطرة طهران المطلقة.
أما بالنسبة لإسرائيل، فإن أهمية هذا الحدث تتجاوز مسألة تخصيب اليورانيوم. تستخدم إيران مضيق هرمز كأداة استراتيجية وسياسية في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة؛ وقد أعلنت وسائل إعلام مقربة من الحرس الثوري الإيراني قبول وقف إطلاق النار، الذي يتضمن "استمرار سيطرة إيران على مضيق هرمز"، كجزء من الخطة العشرية. وبالتالي، فإن أي اتفاق يسمح لإيران بالاحتفاظ بالسيطرة على مضيق هرمز سيُبدّل التهديد النووي بتهديد دائم آخر: أداة لتوليد الإيرادات الاقتصادية، أثبتت إيران استعدادها لاستخدامها ضد أي دولة. هذا خط أحمر ثانٍ لإسرائيل يجب توضيحه بشكل جليّ.
تعليقك