٢٤‏/٠٤‏/٢٠٢٦، ٦:٤٣ م

أفول رواية النصر الأمريكي في الحرب ضد إيران

أفول رواية النصر الأمريكي في الحرب ضد إيران

عندما كان دونالد ترامب يتحدث بلغة هجومية عن "الخيارات المتاحة على الطاولة" ضد إيران، كانت الصورة السائدة في واشنطن ترى أن شن هجوم محدود، خاطف، ومضبوط يمكن أن يغير المعادلة بسرعة لصالح أمريكا. لكن ما حدث عملياً كان على مسافة مليئة بالمعاني من هذا التصور الأولي.

وكالة مهر للأنباء، قسم الشؤون الدولية: قبل نحو شهرين، عندما كان دونالد ترامب يتحدث بلغة هجومية عن "الخيارات المتاحة على الطاولة" ضد إيران، كانت الصورة السائدة في واشنطن ترى أن شن هجوم محدود، خاطف، ومضبوط يمكن أن يغير المعادلة بسرعة لصالح أمريكا. في هذا الإطار، لم تكن الحرب تُعرَّف كمسار مكلف ومعقد، بل كأداة سريعة لإجبار إيران على التراجع؛ وسيناريو كان يُفترض فيه أن الإعلان عن النصر والعودة إلى طاولة السياسة بعد بضع ضربات دقيقة هو النهاية الطبيعية للمسألة. لكن ما حدث عملياً كان على مسافة مليئة بالمعاني من هذا التصور الأولي.

فأربعون يوماً من الاشتباك، بدلاً من أن تكون عرضاً للقوة الأمريكية، تحولت إلى ساحة لكشف حدود هذه القوة. الحرب التي كان من المفترض أن تكون قصيرة وحاسمة، دخلت تدريجياً في مرحلة استنزاف؛ مرحلة لم تتحقق فيها الأهداف الأولية فحسب، بل ارتفعت فيها التكاليف بشكل متصاعد. وهذه هي النقطة التي يتحول عندها العمليات العسكرية المحدودة إلى قضية استراتيجية؛ حيث لم يعد صناع القرار يواجهون سؤال "كيف ننتصر؟"، بل عليهم الإجابة على سؤال "كيف نخرج من هذا الوضع؟".

يمكن ملاحظة مؤشرات هذا التحول في الوضع بوضوح في سلوك ولغة الخطاب الصادرة عن البيت الأبيض. فالتراجعات المتكررة عن المهلة المحددة (الإنذارات)، وتغيير النبرة من التهديد إلى اقتراح المفاوضات، ومحاولة تنشيط قنوات الوساطة، كلها تعكس حقيقة مفادها أن واشنطن لم تعد في موقع يسمح لها بتصميم نصر. والتقرير الذي نُشر مؤخراً في وسائل الإعلام الأمريكية، وأشار إلى محاولات ترامب إيجاد "مخرج مشرف"، إنما يعكس واقعاً أعمق على مستوى صنع القرار.

على الصعيد الميداني، كان أهم إخفاق لأمريكا هو عدم قدرتها على تغيير سلوك إيران. فخلافاً للتوقعات الأولية، لم يؤد الضغط العسكري إلى إضعاف الإرادة الإيرانية، بل على العكس، أدى إلى مزيد من التماسك على مستوى صنع القرار وزيادة الجاهزية لإدارة الأزمة. وهذا هو الخطأ الحسابي الرئيسي الذي كان قائماً منذ البداية في هندسة هذه الحرب، ألا وهو تصور إمكانية تغيير معادلة معقدة ومتعددة الطبقات بسرعة عبر صدمة عسكرية.

وإلى جانب هذه المسألة، لم تتمكن أمريكا أيضاً من تثبيت معادلة الميدان لصالحها. فرغم أن التفوق العسكري الأمريكي لا يمكن إنكاره على المستوى التكتيكي، إلا أن هذا التفوق لم يتحول، على المستوى الاستراتيجي، إلى إنجاز دائم. ففي ظل هذه الظروف، تتحول الحرب من أداة قوة إلى عامل استنزاف؛ استنزاف لا يستهدف الموارد المادية فحسب، بل يمتد ليُضعف المصداقية والمكانة الدولية أيضاً.

من جهة أخرى، كان أحد الأهداف الضمنية لواشنطن هو تشكيل إجماع دولي ضد إيران؛ وهو هدف لم يتحقق بالكامل أيضاً. إذ أبدى العديد من الفاعلين الدوليين، ولا سيما في ظل تصاعد التكاليف الاقتصادية والأمنية للحرب، رغبة محدودة في الانضمام إلى نزاع طويل الأمد ومآله غير واضح. ونتيجة لذلك، لم تواجه أمريكا القيود في الميدان فحسب، بل أيضاً على الصعيد الدبلوماسي، مما قلص من نطاق مناورتها.

ولكن ربما أخطر تداعيات هذه الحرب هو الهوة بين الأهداف المعلنة والنتائج الفعلية. فهذه الهوة تتجاوز مجرد إخفاق تكتيكي، إذ تعني إضعاف المصداقية الاستراتيجية للولايات المتحدة. فعندما يفشل قوة عظمى في تحقيق الأهداف التي حددتها بنفسها، تنتقل هذه الرسالة بسرعة إلى النظام الدولي، وتؤثر في حسابات الفاعلين الآخرين.

في ظل هذه الظروف، يتحول مفهوم "الخروج المشرّف" إلى أحد الكلمات المفتاحية الأساسية في أدبيات صنع السياسات. وهذا المفهوم، وإن كان يعني ظاهرياً إنهاء نزاع، إلا أنه في الواقع محاولة لإدارة صورة الهزيمة. فأمريكا تدرك جيداً أن الخروج دون إنجاز قد يترتب عليه تداعيات داخلية وخارجية واسعة النطاق، بدءاً من الضغوط السياسية في الداخل وصولاً إلى إضعاف الردع أمام المنافسين.

ولهذا السبب، فإن ما يُرى اليوم في سلوك واشنطن هو مزيج من إجراءات عسكرية محدودة، وحراك دبلوماسي، وعمليات إعلامية؛ إنه محاولة لبناء رواية يُقدَّم فيها الخروج من الحرب ليس كتراجع، بل كـ"خيار ذكي"!

وهذه هي النقطة التي تنتقل فيها الحرب من ساحة المعركة إلى ميدان السرديات.

غير أن الحقائق الميدانية لا يمكن تجاهلها بمجرد تغيير الرواية. فالحرب التي تحولت إلى مستنقع لها قواعدها الخاصة. في مثل هذا الوضع، الاستمرار يعني زيادة التكاليف وتعميق الأزمة، في حين أن الخروج، وإن كان ضرورياً، لا مفر من أن يرافقه قبول جزء من الهزيمة. وهذا هو الازدواج الذي تواجهه أمريكا اليوم: الاختيار بين مزيد من التكاليف أو قبول تداعيات الخروج.

أما النقطة المهمة الأخرى، فهي تأثير هذه الحرب على الحسابات المستقبلية لأمريكا تجاه إيران وسائر الفاعلين الآخرين. لقد أثبتت تجربة هذه الأربعين يوماً أن الأداة العسكرية وحدها غير قادرة على حل المسائل الجيوسياسية المعقدة. وهذه المسألة يمكن أن تؤدي إلى إعادة النظر في مناهج السياسة الخارجية الأمريكية، وإن كان من غير الواضح حتى أي مدى ستكون هذه المراجعة عميقة ومستدامة.

في نهاية المطاف، ما خرجت به هذه الحرب، أكثر من أي شيء آخر، هو حقيقة بسيطة لكنها مهمة: القوة لا تتلخص فقط في القدرة على بدء نزاع، بل إنها تجد معناها أيضاً في القدرة على إنهائه. فعندما بدأت أمريكا هذه الحرب، تصورّت أنها تمسك بزمام المبادرة، لكنها تواجه اليوم تحدياً يصعب السيطرة عليه بكثير.

بعبارة أخرى، الحرب التي كان من المفترض أن تكون عرضاً للقوة، تحولت إلى اختبار لقياس حدود هذه القوة. أمريكا اليوم ليست في موقع المنتصر، بل في موقع فاعل يجب أن يجد طريقاً أقل كلفة للخروج من وضع معقد. طريق، وإن كان قد يُقدَّم على المستوى الدبلوماسي باعتباره نجاحاً، فإنه على المستوى الاستراتيجي يعد مؤشراً على الوقوع في ذلك المستنقع الذي لن يكون الخروج منه سهلاً أو غير مكلف.

/انتهى/

رمز الخبر 1970216

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha