٣٠‏/٠٥‏/٢٠٢٦، ١١:١١ ص

قضية انهيار إسرائيل؛ أبعادها ودلالاتها

قضية انهيار إسرائيل؛ أبعادها ودلالاتها

في السنوات الأخيرة، تجاوز النقاش حول مستقبل الكيان الصهيوني مستوى التحليل السياسي المحدود، وأصبح أحد المواضيع المحورية في الأدبيات الاستراتيجية للمنطقة، بل وحتى في بعض مراكز الدراسات الغربية.

وكالة مهر للأنباء: في العقد الماضي، أصبحت قضية انهيار إسرائيل من أهم المواضيع في وسائل الإعلام العالمية. وقد برزت هذه القضية بعد التصريح الحاسم للقائد الشهيد بأن إسرائيل ستُدمر خلال السنوات الخمس والعشرين القادمة. واستمرارًا لهذا التوجه، أكد آية الله السيد مجتبى حسيني خامنئي، قائد الثورة الإسلامية، في رسالة بمناسبة حلول موسم الحج الإبراهيمي: "إن الكيان الصهيوني المهتز والخبيث يقترب أيضًا من المراحل الأخيرة من حياته المشؤومة، وبفضل الله، ووفقًا للتصريح الحاسم والمستقبلي للقائد العظيم الشهيد، رضوان الله عليه، لن يرى الکیان الصهیونی التاريخ بعد ذلك التاریخ المحدد، بإذن الله".

في السنوات الأخيرة، تجاوز النقاش حول مستقبل الكيان الصهيوني مستوى التحليل السياسي المحدود، وأصبح أحد المواضيع المحورية في الأدبيات الاستراتيجية للمنطقة، بل وحتى في بعض مراكز الدراسات الغربية.

في هذا السياق، بات التركيز اليوم أكثر من أي وقت مضى ليس فقط على التهديدات الخارجية التي تواجه هذا النظام، بل على سلسلة من الأزمات الداخلية التي ضغطت تدريجيًا على أسسه الأمنية والاجتماعية والسياسية.

شكّلت تطورات السنوات الأخيرة، ولا سيما بعد عملية 7 أكتوبر، نقطة تحول في نظرة الرأي العام إلى البنية الأمنية الإسرائيلية. فقد بدأت الصورة التي بُنيت على مدى عقود لهذا النظام كقوة أمنية متماسكة ورادعة بالتلاشي تدريجيًا. وفي هذه العملية، ولأول مرة، ترسخ لدى المستوطنين انطباع بأن أجهزة الأمن والاستخبارات الإسرائيلية، خلافًا للدعاية السابقة، لا تمتلك القدرة الكاملة على منع التسلل والمباغتة. لم يكن هذا التغيير في التصور مجرد حدث عسكري، بل كان بمثابة ضربة نفسية لأحد أسس شرعية النظام الأمنية.

واستمرارًا لهذا التوجه، فشلت الحروب الطويلة والمكلفة في غزة أيضًا في تحقيق أهداف تل أبيب المعلنة. فعلى الرغم من ضخامة العمليات العسكرية والتكاليف البشرية والاقتصادية الباهظة، ظلت قوى المقاومة فاعلة على الساحة. وقد دفع هذا الأمر شريحة من المجتمع الإسرائيلي والنخبة السياسية والعسكرية إلى التشكيك جدياً في فعالية استراتيجيات النظام الأمنية والعسكرية الكبرى.

وعلى الصعيد الداخلي، ومع تفاقم الأزمات الأمنية، تعمقت الانقسامات السياسية والاجتماعية. فحتى قبل الحروب الأخيرة، أدت الخلافات الواسعة النطاق حول الإصلاحات القضائية إلى انقسام المجتمع الإسرائيلي إلى قطبين متناقضين. وقد نُشرت تقارير في بعض الأحيان تشير إلى أن قطاعاً من قوات الاحتياط في الجيش، بما في ذلك وحدات حساسة، يعترض على استمرار التعاون العسكري إذا ما استمرت سياسات الحكومة. ويُعتبر هذا الوضع بمثابة تحذير خطير لهيكلٍ اعتمد جزءاً كبيراً من قوته العسكرية على قوات الاحتياط.

وبالتزامن مع هذه التطورات، أصبحت ظاهرة الهجرة العكسية موضوعاً هاماً في التحليلات الديموغرافية الإسرائيلية. وتُظهر التقارير الإعلامية والبحثية أن عشرات الآلاف من سكان الأراضي المحتلة قرروا في السنوات الأخيرة مغادرة المنطقة لأسباب مختلفة، منها انعدام الأمن، وعدم الاستقرار السياسي، وعدم وضوح المستقبل، والانقسامات الاجتماعية. وتزداد أهمية هذا التوجه عندما يكون جزء كبير من المهاجرين متخصصين ومتعلمين ونشطين في مجالات التكنولوجيا والطب. أي نفس المجموعات التي تُشكّل العمود الفقري لاقتصاد إسرائيل القائم على المعرفة.

من منظور اقتصادي، خلّفت الضغوط الناجمة عن الحروب والتوترات المستمرة آثارًا بالغة على الهيكل المالي والإنتاجي لإسرائيل. ويُشار إلى زيادة الإنفاق العسكري، وانخفاض الاستثمار الأجنبي، وركود بعض قطاعات الخدمات، وتراجع عائدات السياحة، كنتائج مباشرة أو غير مباشرة للبيئة الإقليمية غير المستقرة. وبشكل عام، تُقدّم هذه الاتجاهات صورة لاقتصاد واجه قيودًا خطيرة على النمو في ظل ضغوط أمنية مستمرة.

على الصعيد الدولي، واجهت صورة إسرائيل في الرأي العام العالمي تحديات غير مسبوقة. فقد أدى الانتشار الواسع لصور الحرب والأزمة الإنسانية في غزة، لا سيما في وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي، إلى موجات من الاحتجاجات في بعض الدول الغربية. وتُظهر هذه الاحتجاجات، وخاصة بين الطلاب ومنظمات المجتمع المدني، أن جزءاً من الرأي العام العالمي يشكك في الرواية الرسمية لتل أبيب.

إلى جانب هذه القضايا، تُعدّ أزمة الهوية داخل المجتمع الإسرائيلي من أعمق التحديات. فالفجوة بين التيارات العلمانية والدينية، والاختلافات بين الجماعات العرقية والاجتماعية، والتوتر بين المؤسسات العسكرية والسياسية، كلها مؤشرات على مجتمع فقد إلى حد كبير تماسكه السابق. في ظل هذه الظروف، تعرّض مفهوم "التضامن الأمني"، الذي كان يُعتبر في السابق أحد الركائز الأساسية لبقاء هذا النظام السياسي، لتآكل خطير.

ورغم هذه التحديات، لا تزال إسرائيل تحظى بالدعم السياسي والعسكري من الولايات المتحدة. إلا أن التجربة التاريخية أثبتت أن الاعتماد على الدعم الخارجي وحده، دون تماسك داخلي، لا يضمن استقرار النظام السياسي على المدى البعيد. ويرى العديد من المحللين أن استمرار الأزمات الداخلية قد يكون له آثار أكثر حسمًا على المدى البعيد من الضغوط الخارجية.

في السنوات الأخيرة، أثارت بعض وسائل الإعلام والأوساط التحليلية الغربية نقاشات حول مستقبل هذا النظام. وتركز هذه التحليلات، بغض النظر عن توجهاتها السياسية، بشكل أساسي على مجموعة من المؤشرات، مثل تراجع التماسك الاجتماعي، وتزايد الهجرة، وأزمة ثقة الجمهور، وتآكل فعالية المؤسسات الحكومية. أشارت بعض التقارير صراحةً إلى دخول إسرائيل مرحلة "تآكل بنيوي تدريجي".

باختصار، ما نراه اليوم في إسرائيل هو مزيج من أزمات متزامنة في مجالات الأمن والسياسة والاقتصاد والهوية الاجتماعية. لا تعني هذه الأزمات بالضرورة انهيارًا فوريًا، لكنها تشير إلى عملية تآكل داخلي تدريجي، قد تُشكّل، في حال استمرارها، تحديات خطيرة لأسس هذا النظام السياسي على المدى البعيد.

من هذا المنظور، يرتبط مستقبل إسرائيل بقدرتها على إدارة أزماتها الداخلية وإعادة بناء تماسكها الاجتماعي، بدلًا من اعتمادها كليًا على التطورات الخارجية؛ وهي مسألة تُعدّ من أعقد التحديات التي تواجه هذا النظام في الظروف الراهنة.

رمز الخبر 1971205

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha