٢٦‏/٠٥‏/٢٠٢٦، ٩:٠٤ ص

خاص لـ"مهر",

 ترامب ومشروع الابتزاز الجديد للدول العربية

 ترامب ومشروع الابتزاز الجديد للدول العربية

أثبتت تصريحات ترامب الأخيرة أن النظرة الأمريكية للمنطقة هي نظرة "تكلفة ومنفعة". وفي هذه النظرة، يتعين على الدول العربية أن توظف مواردها المالية وقدراتها السياسية لتحقيق الأهداف الأمريكية في المنطقة.

وكالة مهر للأنباء: إن المواقف الأخيرة التي أبداها دونالد ترامب بشأن ضرورة انضمام المزيد من الدول العربية إلى مسار تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني، بالتزامن مع أي اتفاق محتمل مع إيران، هي، أكثر من كونها مبادرة دبلوماسية، تذكرنا بتلك السياسة الأمريكية القديمة؛ السياسة التي لا تعتبر الدول العربية شركاء حقيقيين، بل أدوات لتحقيق مصالح واشنطن وتأمين أمن الكيان الصهيوني.

على مر السنوات الماضية، حاولت الإدارات الأمريكية المختلفة خلق هذا الانطباع في المنطقة بأن التقارب مع تل أبيب والتحرك في إطار المشاريع الأمنية لواشنطن يمكن أن يجلب الاستقرار والطمأنينة للحكومات العربية. لكن ما هي النتيجة العملية لهذه السياسات؟ فالمنطقة اليوم ليست أقل هدوءاً فحسب، بل تواجه طبقات أكثر تعقيداً من انعدام الأمن والأزمات السياسية والتوترات العسكرية.

ربما ترامب هو السياسي الوحيد الذي يعبر عن هذه النظرة دون مواربة. لقد وصف مراراً الدول العربية بأنها مصدر تمويل السياسات الأمريكية، والآن يتبع نفس النهج في شكل ضغط لتوسيع "اتفاقيات إبراهيم". المعنى الواضح لهذه السياسة هو أن الحكومات العربية يجب أن تدفع الثمن، وتقدم تنازلات سياسية، وفي النهاية تعتمد فقط على ضمانات أثبت تاريخ المنطقة أنها ليست موثوقة إلى هذا الحد.

التطبيع.. مشروع لم يصنع أمناً

عندما بدأت عملية تطبيع العلاقات بين بعض الحكومات العربية والكيان الصهيوني، كان أحد الدعايات الإعلامية الرئيسية لأمريكا هو أن هذه الاتفاقيات يمكن أن تخفض مستوى التوترات الإقليمية وتخلق مساراً جديداً للأمن الجماعي. لكن التطورات في السنوات القليلة الماضية شككت تقريباً في كل هذه الادعاءات.

فلم تتوقف الصراعات الإقليمية، ولم تختف التهديدات، ولا حتى الدول التي انضمت إلى هذا المسار شعرت بأمان أكبر. على العكس من ذلك، ترى العديد منها نفسها الآن أكثر عرضة للأزمات الأمنية من أي وقت مضى. لقد واجهت البنى التحتية الاقتصادية ومسارات الطاقة وحتى الموقع الجيوسياسي للدول العربية في السنوات الأخيرة تهديدات متكررة، وهذا يظهر أن الأمن ليس نتاج توقيع اتفاقيات استعراضية.

في الواقع، ما باعته أمريكا للدول العربية كان أكثر من كونه "أمناً"، كان تبعية دائمة؛ تبعية خلقت أعباء مالية وسياسية ثقيلة على العالم العربي. العقود الضخمة للتسليح، والضغط للمسايرة السياسية لواشنطن، والدخول في مشاريع إقليمية مكلفة، كان جزءاً من الثمن الذي دفعته الحكومات العربية، دون أن تحقق مكاسب ملموسة في مجال الاستقرار والأمن.

من ناحية أخرى، التطبيع لم يحل القضية الفلسطينية، بل وجعل الفجوة بين الحكومات العربية والرأي العام في العالم الإسلامي أعمق. لا تزال فلسطين قضية محورية لشعوب المنطقة، وأي محاولة لتجاهلها ستعني زيادة انعدام الثقة داخل المجتمعات العربية.

تجربة الحرب.. مقاومة أم تبعية؟

لقد غيرت تطورات حرب الأربعين يوماً على إيران العديد من المعادلات السابقة. ففي الوقت الذي كانت أمريكا والكيان الصهيوني يعتقدان أنه يمكنهما، بأقصى درجات الضغط، تغيير ميزان القوى الإقليمي لصالحهما، أظهرت مقاومة إيران أن معادلات غرب آسيا لم تعد أحادية كما كانت في الماضي.

ما لفت انتباه الرأي العام الإقليمي في هذه الحرب لم يكن مجرد البعد العسكري للأحداث؛ بل كانت حقيقة أنه، خلافاً للدعاية لعقود، أن التبعية لأمريكا لا تؤدي بالضرورة إلى الأمن، وأن المقاومة لا تعني بالضرورة الانهيار. هذا الأمر زعزع الصورة التي سعت أمريكا لسنوات لبناءها عن قوتها المطلقة وقوة الكيان في المنطقة.

في المقابل، شاهدت العديد من الحكومات العربية التي كانت ترسم سياساتها لسنوات على أساس الدعم الأمريكي، أن حتى الكم الهائل من مشتريات الأسلحة والمسايرة السياسية الكاملة لواشنطن لم يستطع أن يوفر لها أمناً مستداماً. هذا الأمر بالذات جعل اليوم جزءاً من النخب العربية يطرح سؤالاً جاداً: هل استمرار هذا المسار هو حقاً لمصلحة شعوب المنطقة؟

الحقيقة أن تجربة العقود الماضية تظهر أن أمريكا، أكثر من سعيها لتحقيق الاستقرار، تستخدم الأزمات الإقليمية لإدارة مصالحها. فكلما زاد التوتر، زاد بيع السلاح، وتشكلت تحالفات جديدة، وتعمق التبعية الأمنية للدول العربية.

مصير العرب.. استقلال أم تكرار خطأ تاريخي؟

اليوم، يواجه العالم العربي اختباراً مهماً. لا تزال بعض الحكومات تعتقد أن الاقتراب أكثر من واشنطن وتل أبيب يمكن أن يعزز موقعها، لكن التجارب الأخيرة تحمل رسالة أخرى. لقد دخلت منطقة غرب آسيا مرحلة لم يعد من الممكن فيها إدارتها بالصيغ القديمة.

ترى الشعوب العربية بوضوح أن مشروع التطبيع لم يوقف الحرب، ولم يحل الأزمة الفلسطينية، ولم يمنع حتى زيادة التهديدات ضد الدول العربية. في مثل هذه الظروف، قد يؤدي الإصرار على الاستمرار في هذا المسار إلى تعميق الفجوات السياسية والاجتماعية داخل العالم العربي.

أثبتت تصريحات ترامب مرة أخرى أن النظرة الأمريكية للمنطقة لا تزال نظرة "التكلفة والمنفعة". في هذه النظرة، يجب على الدول العربية أن تنفق مواردها المالية وقدراتها السياسية وحتى مكانتها الإقليمية لدفع المشاريع الأمريكية، دون أن يكون هناك ضمان حقيقي لمستقبلها.

النتيجة

أظهرت تطورات السنوات الأخيرة أن الأمن المستورد ليس أمناً مستداماً. الحكومات التي تعتقد أنه يمكن خلق الاستقرار بالاعتماد على قوة خارجية وتجاهل مطالب الشعوب، ستواجه عاجلاً أم آجلاً الحقائق القاسية للمنطقة. كما أظهرت تجربة تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني حتى اليوم أن هذا المسار لم يؤد إلى الهدوء، ولم ينجح في تقليل الأزمات القائمة.

ربما حان الوقت الآن للدول العربية، بدلاً من تكرار الوصفات الأمريكية الفاشلة، أن تتحرك نحو إعادة تعريف مستقلة لمصالحها. فالمنطقة بحاجة أكثر من أي شيء إلى تعاون حقيقي بين شعوبها، وليس إلى تحالفات تقوم على الخوف والتبعية والمساومات على حساب القضية الفلسطينية.

/انتهى/

رمز الخبر 1971134

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha