٢١‏/٠٦‏/٢٠٢٦، ١١:٤١ ص

المعادلة غير المكتملة..

إيران ومتطلبات إعادة صياغة نظام أمني جديد في مواجهة انتهاكات وقف إطلاق النار

إيران ومتطلبات إعادة صياغة نظام أمني جديد في مواجهة انتهاكات وقف إطلاق النار

ما الذي ينبغي على ایران فعله ردًا على هذا الانتهاك الصارخ لوقف إطلاق النار، ومحاولة تغيير المعادلة في لبنان؟ لا يمكن تحليل هذه المسألة على مستوى الانتهاك التكتيكي لوقف إطلاق النار فحسب. بل ينبغي تحليلها في سياق العلاقة الهيكلية بين الولايات المتحدة وإسرائيل ومتطلبات إرساء نظام أمني جديد لايران.

وكالة مهر للأنباء: في ظل الوضع الراهن، وبعد توقيع مذكرة تفاهم من أربعة عشر بندًا بين رئيسي إيران والولايات المتحدة عقب حرب رمضان، يواصل الكيان الصهيوني انتهاك وقف إطلاق النار في جنوب لبنان. نصّت الفقرة الأولى من هذه المذكرة على إنهاء فوري ودائم للحرب على جميع الجبهات، بما فيها لبنان، وتعهد الطرفان بالامتناع عن أي عمل عدائي أو تهديد أو استخدام للقوة. إلا أن وجود قوات الكيان الصهيوني في المناطق الحدودية وجنوب لبنان، ومحاولته ترسيخ موقع ميداني متفوق، يشير إلى أن تل أبيب إما غير راغبة في تنفيذ التزاماتها بالكامل، أو أنها تسعى لتحقيق ذلك ضمن حسابات منفصلة.

يطرح هذا الوضع سؤالًا جوهريًا أمام صانعي القرار الإيرانيين: ما الذي ينبغي على الجمهورية الإسلامية فعله ردًا على هذا الانتهاك الصارخ لوقف إطلاق النار، ومحاولة تغيير المعادلة في لبنان؟ لا يمكن تحليل هذه المسألة على مستوى الانتهاك التكتيكي لوقف إطلاق النار فحسب. بل ينبغي تحليلها في سياق العلاقة الهيكلية بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وتأثير حرب رمضان على الردع، ومتطلبات إرساء نظام أمني جديد لإيران.

ورغم وجود مؤشرات على وجود خلاف بين الولايات المتحدة وإسرائيل، فإن مبدأ التحالف الاستراتيجي بين الطرفين لا يزال قائماً. وحتى لو كان هذا الخلاف حقيقياً، فإن احتمال الانفصال التام بين المسارين ضئيل، بل قد يُعيد إنتاج نموذج الشرطة الجيدة والسيئة؛ بمعنى أن تقدم إسرائيل سيفتح المجال أمام أمريكا للتفاوض، ويُخرج المعادلة اللبنانية من إطار الاتفاق. بعد حرب رمضان وفشل الطرف الآخر في تحقيق أقصى قدر من الأهداف، أصبحت إيران الآن في وضع يسمح لها بأخذ زمام المبادرة لإرساء نظامها الأمني الجديد.

ويُعدّ الكيان الصهيوني المنافس الرئيسي لإيران في هذه المعادلة، والذي يجب أن يتأثر بالاتفاق. في ظل هذه الظروف، تتطلب سياسة إيران تحقيق توازن بين الحفاظ على الردع الفعال، واستغلال النفوذ الجيوسياسي (المضائق)، والمرونة التكتيكية والذكية في الملف النووي.

العلاقة الأمريكية الإسرائيلية: خلاف حقيقي أم تنسيق هيكلي؟

يُظهر الوضع الراهن، بعد حرب رمضان وهزيمة الجانب الصهيوني الأمريكي أمام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بوادر توتر وخلاف بين نتنياهو وترامب. إلا أن هذه الخلافات تتجاوز مجرد تباين المسارات بين هذين الحليفين القديمين، فهي تعكس اختلاف الأهداف، وربما اختلاف أساليب استغلال الأزمة. من جهة أخرى، تواصل إسرائيل لعب دور الوكيل الأمني الرئيسي للولايات المتحدة في غرب آسيا، وواشنطن ليست مستعدة للتخلي عن هذا المكسب الاستراتيجي بسهولة. في الوقت نفسه، يُمكن أن يُفيد تقدم الكيان الصهيوني التدريجي في جنوب لبنان الطرفين من ناحيتين: أولاً، يُعزز موقف الولايات المتحدة في المفاوضات مع إيران، وثانياً، يُوفر منصة لتغيير موازين القوى في جنوب لبنان لصالح تل أبيب، وترسيخ نظام أمني جديد على هذه الجبهة. يُوضح هذا التآزر المحتمل بين الجانبين الأمريكي والصهيوني متطلبات السياسة الخارجية الإيرانية في هذا الوضع. فإذا اكتفت إيران بالتنفيذ الآلي لتفاهم النقاط الأربع عشرة، فإنها تُخاطر بخلق وضع غير متكافئ واستمرار وجود النظام في جنوب لبنان دون انسحاب، مما سيُغير معادلة الردع لصالح المقاومة.

أدوات الضغط الإيرانية وخياراتها العملياتية

في ظل هذا الوضع، تمتلك إيران عدة خيارات يمكنها استخدامها بذكاء وعلى مراحل. فإغلاق مضيق هرمز أو باب المندب، باعتبارهما أداتين جيوسياسيتين قويتين واستراتيجيتين، من شأنه أن يزيد بشكل كبير من تكلفة انتهاك وقف إطلاق النار على الطرف الآخر، وأن يغير جذرياً معادلات الربح والخسارة لواشنطن وتل أبيب. ولا تقتصر أهمية هاتين الأداتين على التأثير المباشر على تدفق الطاقة العالمي فحسب، بل تمتد لتشمل زيادة الضغط الاقتصادي والسياسي على الحكومة الأمريكية، ومن جهة أخرى، إظهار أن أي محاولة لتغيير المعادلات من جانب واحد على الجبهة اللبنانية لن تمر دون رد متناسب. وبالطبع، يجب اتخاذ هذه الإجراءات على مراحل، وبشكل تدريجي، وبما يتناسب مع خطورة ونطاق انتهاك الاتفاق، وذلك لمنع تحوله إلى صراع شامل آخر، وفي الوقت نفسه إيصال رسالة إيران الحاسمة والمُحكمة.

وفيما يتعلق بالملف النووي، يمكن لإيران أن تُظهر مرونة تكتيكية ذكية عند مستويات تخصيب منخفضة. مرونةٌ ذات دلالة رمزية وعملية بالغة الأهمية للجانب الأمريكي، وقد تُفسح المجال أمام إحراز تقدم في المفاوضات. ومن غير المرجح أن تُشكل هذه المرونة تحديًا أمنيًا لإيران، إذ أن حفاظها على مخزونها من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% سيُبقيها على حافة الهاوية، ويُمكّنها من تغيير عقيدتها وتطوير قدراتها بسرعة في المستقبل. في الواقع، ينبغي إدارة هذه المرونة التكتيكية بحيث لا تُطبّق إلا مقابل تحقيق مكاسب ملموسة واستراتيجية في مجالات أخرى. ولعلّ وقف إطلاق النار على الجبهة اللبنانية، والانسحاب الإسرائيلي من هذه المنطقة، والسيطرة على مضيق هرمز، والحفاظ الكامل على مخزون اليورانيوم بنسبة 60%، هي خطوط حمراء لا يمكن لإيران تجاوزها. والهدف النهائي من هذا التوازن الذكي هو إجبار الكيان الصهيوني على قبول الواقع الجديد بعد حرب رمضان والانسحاب الكامل من جنوب لبنان؛ واقعٌ لا تستطيع فيه إسرائيل استغلال ثغرات الاتفاق لتغيير ساحة المعركة من جانب واحد، وتثبيت المعادلة الأمنية في منطقة الشرق الأوسط لصالح محور المقاومة.

متطلبات إرساء نظام أمني جديد

لتحقيق الاستقرار المنشود للنظام الأمني في المنطقة، تحتاج إيران إلى إعادة صياغة المعادلة الأمنية للجبهة اللبنانية. ويلعب حزب الله، بوصفه لاعباً رئيسياً في محور المقاومة، دوراً هاماً في هذه المعادلة. وأي اتفاق لا يراعي الوضع الراهن لحزب الله من شأنه أن يُلحق أضراراً جسيمة في المستقبل. لذا، يجب أن ترتكز سياسة إيران على تعزيز التنسيق بين أعضاء محور المقاومة، وتفعيل أوراقها الجيوسياسية، واستخدام الدبلوماسية والردع معاً. وقد أظهرت تجربة حرب رمضان أن صمود إيران وتنسيق محور المقاومة قد فندا مزاعم ضعف جبهة المقاومة. والآن، حان الوقت لتحويل هذا الصمود إلى إنجاز استراتيجي مستدام.

تُظهر نتائج التطورات التي أعقبت توقيع اتفاقية النقاط الأربع عشرة أن انتهاك وقف إطلاق النار في جنوب لبنان يُمثل اختباراً جدياً لمدى صحة الاتفاقية وإرادة إيران في إعادة صياغة النظام الأمني في المنطقة. على الرغم من أن الخلاف بين الولايات المتحدة وإسرائيل حقيقي، فمن المرجح أن يستمر طالما أنه لا يقوض مبدأ الوكالة الذي تتبناه تل أبيب. لذا، لا يمكن لإيران الاعتماد فقط على حسن نية واشنطن لإجبار إسرائيل على الانسحاب من جنوب لبنان، بل يجب عليها توحيد جهودها لإجبار الكيان الصهيوني على قبول المعادلة الجديدة. إن ترسيخ الوجود الإسرائيلي في جنوب لبنان لن يُفقد وقف إطلاق النار فعاليته فحسب، بل سيزيد أيضًا من خطر تكرار أزمات لاحقة. ونظرًا لموقفها المُعزز بعد حرب رمضان، تمتلك إيران القدرة على تغيير هذه المعادلة لصالحها. إن الاستراتيجية المنشودة ليست الإفراط في المواجهة الشاملة ولا السلبية الدبلوماسية، بل إدارة ذكية للأزمة تهدف إلى تحقيق عمق أمني جديد في لبنان وتعزيز الردع الإقليمي. إن مستقبل الأمن الإقليمي ومصداقية الردع الإيراني يعتمدان على حسم طهران في هذه المرحلة الحرجة.

رمز الخبر 1971733

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha