مهر للأنباء: حتى قبل اندلاع الحرب التي استمرت أربعين يوماً بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والكيان الصهيوني، لم يكن كثيرون داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة يتوقعون أن تنتهي المواجهة بصورة تدفع شريحة واسعة من الرأي العام الإسرائيلي إلى اعتبار إيران الرابح الأكبر في هذه الحرب. فعلى مدى سنوات، عملت الآلة الإعلامية والدعائية الإسرائيلية على ترسيخ صورة لإيران باعتبارها دولة ضعيفة وقابلة للاحتواء، بما يعزز قناعة لدى الإسرائيليين بأن أي مواجهة مع طهران ستنتهي حتماً بتفوق إسرائيلي حاسم.
غير أن مجريات الحرب الأخيرة قلبت كثيراً من هذه المعادلات الذهنية. فقد أسهمت القدرة الدفاعية الإيرانية، واستمرار الضربات الصاروخية طوال أيام الحرب، والحفاظ على التماسك الداخلي، إلى جانب فشل "إسرائيل" في تحقيق أهدافها المعلنة، في تقويض الرواية الرسمية التي روّجت لها حكومة الاحتلال. ولم يعد هذا التحول مقتصراً على استطلاعات الرأي داخل "إسرائيل"، بل أصبح واضحاً أيضاً في وسائل الإعلام الغربية.
وفي أحدث المؤشرات، نشرت مجلة نيوزويك الأمريكية تقريراً رأت فيه أن الاتفاق الأخير بين إيران والولايات المتحدة قد يشكل بداية النهاية للمسيرة السياسية لبنيامين نتنياهو. واعتبرت المجلة أن هذا الاتفاق أطاح بالرواية التي بناها نتنياهو طوال ثلاثة عقود، والقائمة على أنه السياسي الوحيد القادر على منع إيران من التحول إلى القوة الإقليمية الأولى وضمان أمن "إسرائيل".
وأوضحت المجلة أن التفاهم بين طهران وواشنطن أضعف أحد أهم أعمدة الشرعية السياسية لنتنياهو، الذي جعل "التهديد الإيراني" محوراً أساسياً لسياساته الداخلية والخارجية، وظل يؤكد أن التعامل مع إيران لا يكون إلا عبر الضغوط القصوى أو العقوبات أو الخيار العسكري. إلا أن التوصل إلى اتفاق أمريكي-إيراني من دون تحقيق معظم المطالب الإسرائيلية وضع هذه الرواية أمام اختبار حقيقي.
وتزداد أهمية هذا التحول مع انعكاسه المباشر على الرأي العام الإسرائيلي. فقد أظهر استطلاع للرأي نشرته صحيفة تايمز أوف إسرائيل أن 92.1% من المشاركين يرون أن إيران خرجت منتصرة من هذه المواجهة، أو أنها على الأقل حققت مكاسب أكبر من "إسرائيل". وتكشف هذه النتيجة عن فجوة واضحة بين الرواية الرسمية للحكومة وقناعة الشارع الإسرائيلي، رغم محاولات المسؤولين الإسرائيليين تسويق الحرب باعتبارها نجاحاً عسكرياً.
كما أظهرت نتائج الاستطلاع أن 82.9% من الإسرائيليين يعتقدون أن الأمن الاستراتيجي طويل الأمد لـ"إسرائيل" قد تضرر نتيجة الحرب، وهو ما يعكس تنامي الشعور بالقلق وعدم الثقة في المستقبل الأمني للدولة العبرية.
أما اللافت في نتائج الاستطلاع، فهو ما يتعلق بقاعدة نتنياهو التقليدية. فحتى داخل الأوساط اليمينية، التي شكلت طوال السنوات الماضية الخزان السياسي الأهم لرئيس الوزراء، يرى 93.1% من المستطلعة آراؤهم أن إيران هي الطرف الذي خرج منتصراً من هذه الحرب.
وتحمل هذه النتيجة دلالة سياسية بالغة؛ إذ تكشف أن الفجوة بين خطاب الحكومة وقراءة الرأي العام لم تعد تقتصر على خصوم نتنياهو، بل امتدت إلى داخل معسكر مؤيديه، الأمر الذي أدى إلى تصاعد الانتقادات لأداء الحكومة في إدارة الحرب وعلاقتها بالولايات المتحدة.
ويرى عدد من المحللين أن أحد الأسباب الرئيسية لهذا التحول يتمثل في إخفاق "إسرائيل" في تحقيق الأهداف التي أعلنتها مع بداية الحرب، والتي تمثلت في تغيير موازين القوى الإقليمية، وإضعاف قدرة الردع الإيرانية، وفرض واقع أمني جديد. لكن التطورات الميدانية جاءت بعكس تلك التوقعات، إذ أصبحت القدرات الصاروخية الإيرانية وقوة الردع التي تمتلكها من أبرز القضايا المطروحة للنقاش داخل المجتمع الإسرائيلي.
وخلال الحرب، فرضت الهجمات الصاروخية الإيرانية واقعاً أمنياً غير مسبوق، بعدما وجد المستوطنون أنفسهم للمرة الأولى أمام مشاهد واسعة من تعرض البنية التحتية والمنشآت الحيوية للاستهداف، وهو ما زعزع الصورة التقليدية عن التفوق العسكري الإسرائيلي المطلق.
وفي المقابل، حافظت إيران على مستوى مرتفع من التماسك الداخلي، خلافاً لما كانت تراهن عليه بعض الدوائر الغربية والإسرائيلية، التي توقعت أن تؤدي الضغوط العسكرية إلى انقسامات داخلية. إلا أن مجريات الأحداث أظهرت أن المجتمع الإيراني تعامل مع التهديد الخارجي بدرجة عالية من التضامن، وهو ما انعكس أيضاً على تقييم الرأي العام الإسرائيلي لنتائج الحرب.
وجاء الاتفاق الأخير بين طهران وواشنطن ليعزز هذا الانطباع، إذ بدا أن إيران استطاعت الانتقال من مرحلة المواجهة العسكرية إلى مرحلة جديدة من التفاهمات الدبلوماسية، من دون تقديم تنازلات تتوافق مع الشروط القصوى التي طالبت بها "إسرائيل". وفي المقابل، وجدت تل أبيب نفسها أمام واقع لم تتمكن فيه من منع الاتفاق أو فرض رؤيتها السياسية.
وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى تقرير مجلة نيوزويك بوصفه انعكاساً لتحول أوسع يمتد من الإعلام الغربي إلى الرأي العام الإسرائيلي. فإذا كان نتنياهو قد سعى لسنوات إلى تقديم نفسه باعتباره رمز المواجهة مع إيران، فإن نتائج الحرب والاتفاق الأخير دفعت كثيراً من المراقبين إلى القول إن هذه الاستراتيجية لم تحقق أهدافها، بل أسهمت في إضعاف مكانته داخلياً وخارجياً.
ومن هنا، تتصاعد الدعوات داخل "إسرائيل" للمطالبة برحيل نتنياهو. ورغم أن الحكم النهائي على مستقبله السياسي لا يزال مبكراً، فإن المؤكد أن الحرب الأخيرة وما أعقبها من تطورات أعادت رسم صورة موازين القوى في المنطقة، وأحدثت تحولاً عميقاً في قناعات شريحة واسعة من المجتمع الإسرائيلي، التي باتت ترى أن إيران هي الرابح الأكبر في هذه المواجهة.

تعليقك