وكالة مهر للأنباء، رسول حسين أبو السبح: في المنعطفات التاريخية الكبرى التي تمر بها الأمم، تبرز الحاجة إلى الكلمة المسؤولة والرؤية الواعية القادرة على قراءة الأحداث من منظورٍ يتجاوز اللحظة الآنية إلى آفاقها الفكرية والرسالية العميقة، ومن هنا، كانت المرجعية الدينية العليا والحوزات العلمية الأصيلة عبر التاريخ صمام أمان الأمة ومرجعيتها في تشخيص المواقف واستلهام معاني الصبر والثبات والبصيرة.
وفي ظل التطورات المتسارعة التي تشهدها الساحة الإسلامية، وما تفرضه من أسئلة مصيرية تتصل بمستقبل الأمة وهويتها ووحدة صفها، كان لنا هذا اللقاء الخاص مع سماحة الشيخ علي بشير النجفي، نجل المرجع الديني الكبير آية الله العظمى الشيخ بشير النجفي دام ظله الوارف، للوقوف عند جملة من القضايا الفكرية والعقائدية والوجدانية المرتبطة بالأحداث الراهنة، واستطلاع رؤية الحوزة العلمية تجاه معاني الشهادة ودور العلماء ووحدة الأمة والتحديات التي تواجه المشروع الإسلامي الأصيل.
وفي حديث اتسم بالعمق والهدوء والبصيرة، استحضر سماحته مدرسة أهل البيت عليهم السلام بوصفها المنطلق الأساس لفهم التحولات الكبرى التي تعصف بالأمة، مؤكدًا أن العلماء الربانيين والشهداء الصالحين يمثلون امتدادًا واحدًا لمسيرة الحق، وأن قوة الأمة الحقيقية تكمن في تمسكها بدينها وقيمها ووحدتها، وفي قدرتها على تحويل المحن والتضحيات إلى عوامل وعيٍ وثباتٍ واستمرار.
سماحة الشيخ علي النجفي، لطالما علمتنا الحوزة العلمية أن دماء العلماء والقادة ليست غيابًا، بل امتداد لخط الشهادة التاريخي الذي افتتحه الأئمة الأطهار عليهم السلام صيانةً للدين، في هذه اللحظات العصيبة والمنعطف التاريخي الذي تلقيتم فيه نبأ شهادة سماحة آية الله السيد علي الخامنئي، كيف تقرأ عين المرجعية الأثر الروحي والغيبي لهذه التضحية الجليلة في تثبيت القلوب وتأصيل قيم الفداء في وجدان الأمة الإسلامية؟
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين.
بدايةً نتقدم بأحر التعازي إلى المؤمنين كافة، وإلى أبناء الأمة الإسلامية، وإلى أهلنا في الجمهورية الإسلامية خاصة، بهذا المصاب الجلل، بفقدان عالم رباني وقائد كبير أفنى عمره في خدمة الدين والأمة يمثل بلا شك خسارة عظيمة وحدثًا مؤلمًا يترك أثره العميق في نفوس المؤمنين.
إن نبأ استشهاد شخصية علمائية وجهادية بهذا الحجم وقع على القلوب وقعًا ثقيلًا، لما كان يمثله من حضور مؤثر في الساحة الإسلامية، ولما تركه من بصمات واضحة في خدمة الإسلام والدفاع عن قضايا المؤمنين، ومهما بلغت مرارة الفقد، فإن مدرسة أهل البيت عليهم السلام علمتنا أن دماء الشهداء لا تتوقف عند حدود الألم، بل تتحول إلى مصدر قوة وباعث حياة للأمة.
وحين يكون الشهيد عالمًا ربانيًا وقائدًا استثنائيًا كرّس حياته للدفاع عن الدين وصيانة كرامة المسلمين، فإن شهادته لا تمثل نهاية لمسيرته، بل تتوجها بأسمى مراتب العطاء، فالشهادة في المفهوم الإسلامي ليست انقطاعًا، وإنما امتداد لنهج الأنبياء والأوصياء والصالحين الذين بذلوا أنفسهم في سبيل إعلاء كلمة الله.
لقد سار العلماء الربانيون عبر التاريخ على خط أجدادهم من أهل بيت العصمة والطهارة عليهم السلام، فكان همهم حفظ الدين، وصيانة المجتمع، وترسيخ قيم العزة والكرامة والارتباط بالله سبحانه وتعالى، ومن هنا فإن مثل هذه التضحيات العظيمة تترك آثارًا روحية ومعنوية عميقة تتجاوز حدود الزمان والمكان، فتمنح المؤمنين مزيدًا من الثبات، وتعزز ارتباطهم بالمبادئ التي استشهد من أجلها أصحابها.
ومن هذا المنطلق فإننا نعتقد أن الشهادة، رغم ما تحمله من ألم الفقد، تمثل في الوقت نفسه رسالة حياة واستمرار، وتجدد في الأمة روح التضحية والإخلاص والثبات على الحق. وهي وسام إلهي يختص الله به عباده المخلصين الذين أفنوا أعمارهم في خدمة دينه والدفاع عن أوليائه.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتغمد الشهداء بواسع رحمته، وأن يلحقهم بمحمد وآل محمد صلوات الله وسلامه عليهم، وأن يجعل ما قدموه من تضحيات نورًا وهدايةً للأجيال القادمة، وأن يثبت المؤمنين جميعًا على طريق الحق والهدى.
سماحة الشيخ، إن غياب الطود الشامخ والقامة الفكرية والجهادية الكبرى المتمثلة بسماحة السيد الخامنئي وغيره من المراجع العظام، يثلم في الإسلام ثلمة لا يسدها شيء، لكنه يورث السائرين على هذا الدرب عزمًا لا يلين. من موقعكم الأبوي والمعرفي في نجف الأنبياء والأوصياء، كيف تصفون الخسارة الفادحة التي منيت بها الحوزات العلمية والساحات الإسلامية برحيل هذا العالم المجاهد؟
بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم صل على محمد وآل محمد.
لقد أكدت النصوص الشريفة في مضامينها أن وفاة العالم العامل تحدث في جسد الأمة ثلمة عظيمة لا يسدها شيء، وذلك لما يمثله العالم الرباني من موقع ريادي في حفظ الدين وصيانة الهوية الإيمانية وقيادة الناس نحو الحق.
والله سبحانه وتعالى جعل للإيمان والعلم منزلة رفيعة، فقال عزّ من قائل: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾، فالعلماء ليسوا مجرد حملة معرفة، بل هم أمناء الرسالة وحراس القيم وحملة مشاعل الهداية في المجتمعات.
ومن هنا فإن فقدان أي عالم رباني يمثل خسارة كبيرة، فكيف إذا كان الراحل شخصية جمعت بين العلم والجهاد والقيادة والخدمة العامة والتأثير الواسع في واقع الأمة الإسلامية؟ لا شك أن الخسارة تكون مضاعفة ومؤلمة على المستويين العلمي والاجتماعي.
إلا أن سنن الله تعالى جرت على أن العطاء الصادق لا ينقطع برحيل أصحابه، فالعالم الذي يبذل عمره في خدمة الدين ويقرن جهده بالتضحية والإخلاص يترك وراءه مدرسة فكرية وأثرًا ممتدًا في الأجيال، بل إن التضحيات الكبرى التي تتوج بالشهادة تمنح المشروع الرسالي حياة جديدة وحضورًا أعمق في وجدان المؤمنين.
لقد كان العلماء الربانيون عبر التاريخ نماذج عملية تُجسد القيم التي يدعون إليها، ولذلك كان تأثيرهم يتجاوز حدود الدرس والمنبر إلى صناعة القدوة وبناء الإنسان، وكل عالم يحمل بصمته الخاصة في خدمة الإسلام، لكنهم جميعًا يلتقون عند هدف واحد هو نصرة دين الله وخدمة عباده.
ومن هذا المنطلق، فإن خسارة العلماء تبقى فادحة ومؤلمة، غير أن آثارهم العلمية والتربوية والجهادية تستمر في النفوس والعقول، وتتحول إلى دافع يدعو الأجيال الجديدة إلى التمسك بطريق العلم والتفقه وخدمة الإسلام، لتبقى مسيرة الرسالة متواصلة جيلاً بعد جيل.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتغمد علماء الأمة و شهداءها بواسع رحمته، وأن يبارك في آثارهم المباركة، وأن يوفق أبناء الحوزات العلمية والمؤمنين جميعًا للسير على نهجهم المبارك.
سماحة الشيخ علي النجفي، إن القواعد الفقهية والكلامية الحاكمة لوجوب عزة المؤمنين و حرمة الركون إلى الظالمين تتجسد اليوم علنًا في المواجهة المصيرية التي تخوضها الجمهورية الإسلامية الإيرانية ضد قوى الاستكبار العالمي والهيمنة الطاغوتية، كيف تنظر المرجعية الدينية الشريفة إلى هذه المعركة من منظور التكليف الشرعي والمسؤولية الإلهية لحماية بيضة الإسلام وصيانة كرامة الأمة؟
بسم الله الرحمن الرحيم.
إن المواقف والبيانات الصادرة عن المرجعيات الدينية المباركة في النجف الأشرف وفي غيرها من مراكز العلم الديني قد عبّرت بوضوح عن رؤية شرعية وأخلاقية ثابتة تجاه ما يجري من أحداث، وأكدت أن معيار الموقف الإسلامي ينبغي أن ينطلق من تشخيص الحق والباطل، والتمييز بين المعتدي والمعتدى عليه، وبين الظالم والمظلوم.
وعندما تتعرض الشعوب المؤمنة للعدوان والظلم، فإن الواجب الشرعي والأخلاقي يقتضي الوقوف إلى جانب المظلومين ومساندتهم بما ينسجم مع أحكام الشريعة ومبادئ العدالة التي جاء بها الإسلام.
ومن يتابع مواقف المرجعيات والعلماء يجد أنها اتسمت بالوضوح وعدم التردد في إدانة العدوان والوقوف مع المتضررين منه، انطلاقًا من المسؤولية الدينية والإنسانية التي تحتم نصرة المظلوم والدفاع عن حقوقه المشروعة.
كما أن هذه المواقف المباركة حملت دعوات متواصلة إلى الثبات والصبر والتكاتف، وإلى تعزيز روح التضامن بين المؤمنين في مواجهة التحديات التي تستهدف أمنهم واستقرارهم وكرامتهم.
إن الأمة الإسلامية أحوج ما تكون في هذه الظروف إلى البصيرة ووحدة الموقف والتمسك بالقيم الإلهية، لأن الصراعات الكبرى لا تُقاس فقط بموازين القوة المادية، وإنما تُقاس أيضًا بمقدار الثبات على المبادئ والالتزام بالحق مهما بلغت التضحيات.
ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يثبت المؤمنين على طريق الحق، وأن يوفق الأمة الإسلامية لما فيه عزتها وكرامتها وصلاحها، وأن يدفع عنها كل سوء ومكروه.
سماحتكم، إن المتأمل في مآلات الصراع الراهن يدرك أنه ليس نزاعًا سياسيًا عابرًا، بل هو صراع هوياتي وحضاري وجودي يستهدف اقتلاع الجذور العقائدية للأمة، كيف يساهم التكامل والترابط المتين بين الحوزة العلمية كحاضنة فكرية أصيلة وبين ساحات الجهاد والمقاومة في صياغة استراتيجية صمود حقيقية تفشل مخططات التغريب والتركيع؟
بسم الله الرحمن الرحيم.
لا شك أن البعد الفكري والعلمي يمثل الأساس الذي تنطلق منه جميع المشاريع الحضارية والرسالية، لأن أي حركة إصلاحية أو جهادية أو اجتماعية لا يمكن أن تؤتي ثمارها ما لم تستند إلى وعي راسخ ورؤية واضحة ومنهج معرفي أصيل.
ومن هنا كانت الحوزات العلمية عبر تاريخها الطويل مناراتٍ للعلم والفكر والتربية، ومراكز لصناعة الوعي وترسيخ العقيدة وبناء الإنسان المؤمن القادر على تحمل مسؤولياته الدينية والاجتماعية والإنسانية.
ونحن نعتقد أن الحوزات العلمية في النجف الأشرف وقم المقدسة وسائر المراكز العلمية الأصيلة تنهل جميعها من معين واحد، هو القرآن الكريم والعترة الطاهرة عليهم السلام، ولذلك فإن وحدة المنطلقات تؤدي بطبيعتها إلى وحدة المشروع والغاية، مهما اختلفت الأساليب أو تنوعت مجالات العمل.
فما تنتجه الحوزة من فكر وعلم وثقافة وتربية، ينعكس بصورة مباشرة على مختلف ساحات العمل الإسلامي؛ سواء في المجال التبليغي أو الخدمي أو الاجتماعي أو الجهادي أو الإداري، ولهذا فإن العلاقة بين المؤسسة العلمية وساحات التضحية ليست علاقة انفصال أو تباعد، وإنما هي علاقة تكامل وتساند ضمن مشروع إسلامي واحد.
وقد أثبتت التجارب التاريخية أن النهضات الكبرى لا تقوم على القوة المجردة وحدها، كما لا تقوم على الفكر المجرد وحده، بل تحتاج إلى تكامل بين الوعي والتضحية، وبين البصيرة والعمل، وبين العلماء الذين يبينون الطريق والمجاهدين الذين يقدمون التضحيات في سبيل حماية المبادئ والقيم.
ومن هذا المنطلق أرى أن الدرس الحوزوي والعلم الديني يمثلان العمود الفقري لاستمرار الأمة وحفظ هويتها، لأنهما يحفظان صلتها بمنابعها الأصيلة، ويقودان عملية نقل علوم القرآن وأهل البيت عليهم السلام إلى المجتمع، بما يضمن استمرار المشروع الرسالي جيلاً بعد جيل.
إن المشروع الإسلامي في جوهره مشروع حياة متكامل، تتعاون فيه مختلف الطاقات والقدرات، وكل فرد يسهم من موقعه في خدمة الدين والأمة، فمنهم من يضحي بعلمه، ومنهم من يضحي بجهده، ومنهم من يضحي بعمره، ومنهم من يضحي بنفسه، لكن الجميع يتحركون في مسار واحد وغاية واحدة هي إعلاء كلمة الله وخدمة عباده.
ولهذا فإن التكامل بين الحوزة وساحات التضحية يشكل أحد أهم عوامل الصمود والثبات، ويمنح الأمة القدرة على مواجهة التحديات الفكرية والثقافية والسياسية التي تستهدف هويتها وقيمها ومقدساتها.
سماحة الشيخ، إن إحياء شعائر الوفاء لعلماء الأمة طالما كان مظهرًا من مظاهر القوة والمنعة، ونحن على أعتاب مراسم التشييع التاريخية والوداع المليوني المرتقب لجسد القائد الشريف الراحل، برأيكم كيف تتحول هذه المشاهد الجماهيرية الغاضبة والمستبصرة من مجرد مجالس عزاء إلى استفتاء شعبي متجدد على خيار المقاومة ورسالة ردع في وجه الأعداء؟
بسم الله الرحمن الرحيم.
لقد علمتنا مدرسة سيد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام أن الدماء الطاهرة لا تُراق عبثًا، وإنما تتحول إلى طاقة متجددة تصنع الوعي وتحفظ المبادئ وترسم ملامح المستقبل للأمم والشعوب.
ومن هذا المنطلق فإن تشييع الشخصيات الرسالية والعلمائية الكبرى لا يمثل مجرد مناسبة عاطفية أو حدثًا اجتماعيًا عابرًا، بل يعكس عمق الارتباط الشعبي بالمبادئ التي عاش أولئك القادة من أجلها وضحوا في سبيلها.
إن الحشود الجماهيرية التي تخرج لتوديع العلماء والقادة الربانيين تعلن في الحقيقة وفائها للنهج الذي حملوه، وتجدد التزامها بالقيم التي ناضلوا من أجل ترسيخها، ولذلك فإن هذه المشاهد تمثل رسالة واضحة بأن الأفكار والمبادئ لا تموت برحيل أصحابها، بل تزداد حضورًا وتجذرًا في ضمير الأمة.
كما أن هذه المناسبات تعبر عن حالة الوعي الشعبي والإيمان العميق بعدالة القضية التي ضحى من أجلها الراحلون، وهي بهذا المعنى تتحول إلى موقف جماهيري واسع يؤكد استمرار المسيرة وعدم السماح للضغوط أو التحديات بأن تنال من إرادة الشعوب المؤمنة.
أما على مستوى التفاعل الشعبي، فقد لمسنا بالفعل مشاعر واسعة من الحزن والتعاطف والتضامن في مختلف الأوساط، ولا سيما في العراق وسائر البلدان الإسلامية، وهو أمر طبيعي يعكس حجم المحبة والتقدير الذي يكنه المؤمنون للعلماء والقادة الذين أفنوا أعمارهم في خدمة الإسلام وقضايا الأمة.
ونحن نعتقد أن الشعوب المؤمنة حين تعبّر عن وفائها بهذه الصورة الحضارية الواسعة، فإنها تقدم للعالم رسالة بليغة مفادها أن المبادئ التي تأسست على الإيمان والتضحية لا يمكن أن تُهزم، وأن أصحابها باقون في ضمير الأمة وإن غابوا عن الأنظار.
كما أن هذه المشاهد الجماهيرية تمثل في كثير من الأحيان جوابًا عمليًا على حملات التشويه والاستهداف، لأنها تكشف حجم الالتفاف الشعبي حول القيم والرموز التي يلتف حولها المؤمنون، وتؤكد أن الرابطة العقائدية والوجدانية بين الأمة وعلمائها تبقى أقوى من كل محاولات التفريق و الإضعاف.
لطالما شكلت النجف الأشرف وقم المقدسة الجناحين المعرفيين لحفظ بيضة التشيع وقيادة الأمة نحو وعيها الحقيقي، وفي أجواء هذا التوديع التاريخي، وفي ظل هذه الظروف الدقيقة، ما هي الكلمة الوجدانية والتوجيهية الفاصلة التي يبرق بها سماحتكم إلى شعب الجمهورية الإسلامية والمؤمنين عامة لتعزيز التلاحم ورص الصفوف ووحدة الكلمة؟
بسم الله الرحمن الرحيم.
إن ما يجمع النجف الأشرف وقم المقدسة أكبر بكثير من حدود الجغرافيا أو العناوين المؤسسية، فهما امتدادان لمدرسة واحدة، ومنهلان يرتويان من القرآن الكريم وعلوم محمد وآل محمد صلوات الله عليهم أجمعين.
لقد أثبت التاريخ أن قوة الأمة كانت دائمًا في وحدتها، وأن العلماء الربانيين كانوا على الدوام دعاة اجتماعٍ وائتلافٍ وبناء، لا دعاة فرقةٍ واختلاف. ومن هنا فإن المرحلة الراهنة تفرض على المؤمنين جميعًا أن يستحضروا حجم المسؤولية الملقاة على عواتقهم، وأن يجعلوا من التحديات سببًا لمزيد من التلاحم لا مدخلًا للتباعد والتنازع.
إن ارتباط المؤمنين بعلمائهم ومراجعهم ليس ارتباطًا عاطفيًا عابرًا، بل هو ارتباط بمنهج الهداية الذي امتد عبر القرون، وحفظ للأمة هويتها وعقيدتها وكرامتها. ولذلك فإن أفضل وفاء للعلماء والقادة الربانيين هو الثبات على المبادئ التي عاشوا من أجلها، والعمل على ترسيخها في واقع الأمة ومستقبلها.
ونحن ندعو أبناء الأمة الإسلامية جميعًا إلى التمسك بالدين والعلم والمعرفة والبصيرة، وإلى تجاوز أسباب الخلاف والتنازع، لأن ما يجمع المؤمنين أكبر بكثير مما قد يفرقهم. فهذه الدنيا قصيرة الزمان، أما ما يبقى فهو العمل الصالح ووحدة الموقف وحسن العلاقة مع الله سبحانه وتعالى.
ونسأل الله عز وجل أن يحفظ المؤمنين في كل مكان، وأن يؤلف بين قلوبهم، وأن يجعلهم صفًا واحدًا في مواجهة التحديات، وأن يوفقهم لما فيه عز الإسلام وكرامة المسلمين.
رسالة من مكتب سماحة المرجع الديني آية الله العظمى الشيخ بشير النجفي دام ظله
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى أبناء الشعب الإيراني العزيز،
وإلى المؤمنين كافة في أنحاء العالم الإسلامي،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
نتقدم إليكم بأصدق مشاعر المواساة والتعزية في هذا المصاب الأليم، سائلين الله تعالى أن يمنّ على الأمة الإسلامية بالصبر والثبات، وأن يتغمد الشهداء والصالحين بواسع رحمته ورضوانه.
إن الأمم الحية لا تُقاس بحجم ما تواجهه من تحديات ومحن فحسب، بل تُقاس أيضًا بقدرتها على تحويل الألم إلى وعي، والتضحية إلى قوة، والمحنة إلى منطلق جديد لمزيد من الثبات والعطاء.
لقد علمتنا مدرسة أهل البيت عليهم السلام أن الرجال العظام لا يغيبون برحيل أجسادهم، بل تبقى آثارهم حاضرة في ضمير الأمة، وتستمر مبادئهم في صناعة الوعي وتوجيه المسيرة وإلهام الأجيال.
وإننا إذ نشارككم مشاعر الحزن في هذا الظرف العصيب، نؤكد أن وحدة المؤمنين وتكاتفهم وتمسكهم بقيم الإسلام الأصيل هي الضمانة الحقيقية لعبور التحديات ومواجهة الأخطار وحفظ عزّة الأمة وكرامتها.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يحفظ الجمهورية الإسلامية وشعبها الكريم، وأن يحفظ بلاد المسلمين كافة، وأن يجمع القلوب على الهدى والتقوى، وأن يجعل مستقبل الأمة أكثر قوة ووحدة وثباتًا على طريق الحق.
والحمد لله رب العالمين.
الخاتمة
اخيراً.. وفي ختام هذا اللقاء، تتجلى ملامح الرؤية التي تحملها مدرسة النجف الأشرف في قراءة الأحداث الكبرى، رؤية تنطلق من الإيمان بالله تعالى، والثقة بوعده، والالتزام بثوابت الإسلام المحمدي الأصيل، واستحضار المسؤولية الشرعية والأخلاقية تجاه قضايا الأمة ومصيرها.
لقد عكست كلمات سماحة الشيخ علي بشير النجفي صورةً واضحة عن عمق العلاقة بين العلم والجهاد، وبين المرجعية والأمة، وبين الفكر الرسالي وميدان التضحية، مؤكدة أن مسيرة الحق لا تتوقف برحيل الرجال، بل تستمد من تضحياتهم قوة جديدة تدفعها نحو الاستمرار والعطاء.
ويبقى العلماء الربانيون والشهداء الصالحون علاماتٍ مضيئة في طريق الأمة، تستلهم منهم الأجيال معاني الثبات والبصيرة والإخلاص، فيما تبقى وحدة المؤمنين وتكاتفهم والالتفاف حول قيمهم وثوابتهم الضمانة الأهم لحفظ الهوية وصيانة الكرامة ومواجهة التحديات.
نسأل الله تعالى أن يحفظ مراجع الدين والعلماء العاملين، وأن يديم على الأمة الإسلامية نعمة الهداية والبصيرة، وأن يجعل مستقبلها عامرًا بالعزة والوحدة والكرامة، إنه سميع مجيب
/انتهى/
تعليقك