٠٥‏/٠٧‏/٢٠٢٦، ١٢:٠٧ م

كسر حصار دام عقداً من الزمن

كسر حصار دام عقداً من الزمن

رحلة أول طائرة ركاب إيرانية إلى صنعاء بعد عقد من الزمن تتجاوز كونها عملًا إنسانيًا، فهي بمثابة لعبة عدائية في الشطرنج الجيوسياسي لغرب آسيا. وبهذا الإجراء، تحدّت طهران عمليًا الحصار الجوي المفروض على اليمن، ورسمت معادلات جديدة في المنطقة.

وكالة مهر للأنباء: في تطور يمكن اعتباره نقطة تحول في المعادلات المعقدة لشبه الجزيرة العربية ومنطقة غرب آسيا بأسرها، حطّت وللمرة الأولى منذ ما يقارب عقداً كاملاً، طائرة ركاب إيرانية في مطار صنعاء الدولي. ويحمل هذا الحدث، الذي جاء لنقل عدد من الجرحى والمرضى اليمنيين، إضافة إلى وفد من كبار مسؤولي حركة أنصار الله للمشاركة في مراسم تشييع قائد إيران الراحل، أبعاداً استراتيجية وجيوسياسية عميقة، قد تنعكس على توازنات القوى في المنطقة خلال المرحلة المقبلة.

صباح الجمعة، أقلعت طائرة تابعة لشركة «ماهان إير» من طهران متجهة إلى صنعاء. وكانت الطائرة تقل أكثر من 200 مريض ويمني عالق خارج بلاده، لتصبح أول رحلة جوية مباشرة بين إيران وصنعاء منذ نحو عشر سنوات، حيث هبطت في مطار العاصمة الخاضع لسيطرة حركة أنصار الله.

غير أن ما منح هذه الرحلة بعداً يتجاوز طابعها الإنساني، هو الأنباء التي تحدثت عن محاولة مقاتلات تابعة للتحالف الذي تقوده السعودية منع الطائرة من دخول الأجواء اليمنية.

وبحسب المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية، العميد يحيى سريع، فإن المقاتلات السعودية دخلت الأجواء اليمنية في محاولة لاعتراض الطائرة ومنعها من الهبوط، إلا أنها اضطرت إلى الانسحاب بعد أن تصدت لها منظومات الدفاع الجوي اليمنية، لتواصل الطائرة رحلتها وتهبط في مطار صنعاء من دون أي عوائق.

وأعلنت حركة أنصار الله أن هذه الخطوة تمثل بداية مرحلة جديدة لكسر الحصار الجوي والبحري المفروض على اليمن منذ أحد عشر عاماً، محذرةً السعودية من أن أي محاولة جديدة لمنع الرحلات الجوية ستُقابل باستهداف المطارات والمنشآت الحيوية السعودية براً وبحراً.

في المقابل، جاء رد التحالف الذي تقوده السعودية حاداً. فقد توعد المتحدث باسم التحالف، العميد تركي المالكي، بالرد على أي محاولة لـ«انتهاك المجال الجوي اليمني» أو تهديد السعودية بـ«قوة وعزم غير مسبوقين»، ملوحاً باستهداف مطار صنعاء وموانئ الحديدة.

ويعكس تبادل هذه التهديدات حجم الحساسية التي أثارتها هذه الرحلة، كما يكشف عن احتمالات عودة التصعيد العسكري في المنطقة.

والواقع أن مطار صنعاء ظل لسنوات طويلة خاضعاً لحصار كامل فرضه التحالف السعودي ـ الإماراتي، ولم تُستأنف فيه سوى رحلات محدودة إلى عمّان والقاهرة عام 2022 في إطار اتفاق الهدنة. كما تعرض المطار خلال السنوات الثلاث الماضية لأضرار جسيمة جراء الهجمات الإسرائيلية، وكان آخرها في أيار/مايو 2025 عندما استهدف الاحتلال الإسرائيلي الطائرة المدنية الوحيدة الموجودة في المطار ودمرها بالكامل.

ومن هذا المنطلق، لا يمكن النظر إلى رحلة «ماهان إير» باعتبارها مجرد خطوة رمزية، بل تمثل إجراءً عملياً لكسر الحصار الجوي المفروض على صنعاء.

تحول استراتيجي في مقاربة طهران

ولعل أبرز دلالات هذا التطور تكمن في التحول الذي طرأ على مقاربة الجمهورية الإسلامية الإيرانية تجاه اليمن.

فقبل الحرب الأخيرة في غرب آسيا، كانت طهران، بفعل جملة من الاعتبارات السياسية والأمنية، تتجنب حتى التفكير في تشغيل خط جوي مباشر إلى صنعاء، فضلاً عن تنفيذه عملياً. وكانت أي حركة تنقل إلى اليمن أو منه بالغة الصعوبة، وتتطلب في حال حصولها مستويات عالية من السرية.

غير أن المشهد تبدّل بعد اتساع رقعة الحرب إقليمياً، وانهيار كثير من المحظورات والخطوط الحمراء، وتراجع منسوب الردع النفسي الذي كان يحكم سلوك الأطراف المختلفة. وفي ضوء إدراكها حدود قدرة بعض القوى الإقليمية، وفي مقدمتها السعودية، تحركت طهران بثقة أكبر نحو كسر الحصار الجوي المفروض على حليفها اليمني، من دون أن تبدو مكبلة بالهواجس التي كانت تحكم تحركاتها في السابق.

ينبغي النظر إلى هذه الرحلة الجوية كمقدمة لإنشاء خط جوي مباشر ومنتظم بين طهران وصنعاء. فإذا استمرت هذه الرحلات وتمّ إنشاؤها، وتمّ كسر الحصار الجوي اليمني فعلياً، فسيمهد ذلك الطريق لوجود عسكري ودبلوماسي إيراني أكثر مباشرة في البلاد، ولإنشاء جسر جوي لنقل الأسلحة. ويمثل هذا النهج تحولاً واضحاً عن حقبة ما قبل الحرب، حين كان أي اتصال مع اليمن محفوفاً بالمخاطر الأمنية. ولكن بعد الحرب، يبدو أن طهران تجد نفسها في موقف تحاول فيه بتهور تجاوز هذه السياسة الحذرة، وتتحدى علناً الحصار الجوي على صنعاء بإرسال طائرات. وتكمن الأهمية الاستراتيجية لليمن بالنسبة لإيران في سيطرتها على مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات المائية في العالم، والذي يمر عبره نحو 12% من التجارة العالمية، بما في ذلك شحنات النفط والغاز. وباعتبارها ذراعاً رئيسياً لطهران في المنطقة، أثبتت أنصار الله قدرتها على تهديد هذا الممر المائي المهم وتعطيل الاقتصاد العالمي. من خلال السيطرة الفعلية على مطار صنعاء وإنشاء ممر جوي آمن، تستطيع إيران زيادة تدفق الأسلحة والدعم اللوجستي إلى هذا الحليف الحيوي بشكل غير مسبوق، وإرساء توازن جديد في شبه الجزيرة العربية.

الردود والرسائل السياسية

على الصعيد السياسي، رحّبت أنصار الله والحكومة في صنعاء ترحيباً حاراً بالخطوة الإيرانية، واصفةً إياها بأنها رمز لكسر احتكار إيران للمجال الجوي و"إنهاء الحصار الجائر". وأشاد عبد الواحد أبو راس، نائب وزير خارجية حكومة صنعاء، بدور إيران، معتبراً هذه الخطوة دليلاً على عمق العلاقات الأخوية بين البلدين، وعقد مقارنة رمزية بين الطائرة الإيرانية التي تنقل المرضى والطائرات السعودية التي تحمل القنابل والصواريخ لقتل اليمنيين.

وأكد قائلاً: "سيفهم الشعب اليمني رسائل اليوم جيداً، وسيحدد مواقفه المستقبلية بناءً عليها. لقد بدأ اليمن مرحلة جديدة في تحقيق الحقوق، وكسر الحصار، واحتواء العدوان". أعلنت وكالة أنباء أنصار الله الرسمية أن الرحلة أعادت 200 يمني كانوا يتلقون العلاج في الخارج إلى صنعاء، ونقلت 200 آخرين كانوا مضطرين للسفر إلى إيران لتلقي العلاج. وإلى جانب هؤلاء، سافر وفد رسمي من الجمهورية اليمنية إلى طهران على متن هذه الرحلة للمشاركة في مراسم وداع وشُيّع الزعيم الشهيد. في المقابل، وصف المجلس القيادي الرئاسي اليمني، المدعوم من السعودية، هذه العملية بأنها "انتهاك صارخ للسيادة اليمنية" و"تحدٍّ سافر للقانون الدولي". لكن الأهم من ذلك كان رد فعل التحالف السعودي الحاد. فقد أكد تركي المالكي، مشدداً على أن التحالف يمتلك "قوة وعزيمة غير مسبوقتين" للدفاع عن مجاله الجوي، مهدداً بسحق أي تهديد جديد و"تدمير مطار صنعاء وموانئ الحديدة تدميراً كاملاً".

ويُظهر هذا الرد أن الرياض تعتبر هذه العملية أكثر من مجرد لفتة رمزية، وتقيّمها على أنها تغيير في قواعد اللعبة في المنطقة. مع ذلك، لا يبدو أن السعودية ستتخذ أي إجراء ملموس على الأرض لمنع استمرار هذه الرحلات الجوية في الوضع الراهن. فمن جهة، قد يؤدي أي مواجهة عملية مع هذه الرحلات إلى صراع مباشر مع طهران؛ في حين أظهرت تجربة الحرب الأخيرة والهجمات المتواصلة على السعودية أن الرياض غير مستعدة للدخول في صراع لأي سبب كان. ومن جهة أخرى، عندما ترى الرياض أن الولايات المتحدة مستعدة حاليًا للالتزام بوقف الحرب الإسرائيلية على لبنان بفضل توقيع مذكرة تفاهم وفتح مضيق هرمز، لم يعد بإمكانها الاعتماد على تدخل واشنطن لفرض منطقة حظر طيران في اليمن ضد طهران.

السيناريو المستقبلي: هدوء مؤقت أم مقدمة لانفجار كبير؟

على الرغم من الهدنة المؤقتة للحرب على جبهات مختلفة، يبدو أن المنطقة تمر بنوع من "ديناميكية التوازن"؛ وهي عملية طويلة ومحفوفة بالمخاطر أمام كل طرف حتى تصل إلى النظام المنشود. تسعى الأطراف المعنية، خلال فترات الهدوء الميداني ووقف إطلاق النار الدوري، إلى صياغة معادلات جديدة في المراكز الاستراتيجية للمنطقة، من مضيق هرمز إلى باب المندب. وتُظهر هذه الجهود أن الوضع الراهن ليس انتقالاً إلى عهد سلام دائم واتفاق نهائي، بل مجرد هدوء مؤقت قائم على الأولويات الخاصة لكل طرف، حيث يحاول الفاعلون الحفاظ على مواقعهم وتوازنهم قبل أن ينفجر الوضع مجدداً.

في غضون ذلك، يبقى أن نرى كيف سترد الولايات المتحدة مستقبلاً إذا أصرت طهران على تدشين هذا الخط الجوي المباشر. فإلى جانب الرياض، من المرجح أن تنظر إسرائيل والولايات المتحدة، وغيرها من الأطراف، إلى هذه الرحلة واستمرارها كإنذار خطير لتوسيع الوجود الإيراني المباشر في اليمن حتى شواطئ باب المندب. وسيعتبر الكيان الصهيوني، الذي يسعى للسيطرة على هذه المنطقة الحيوية عبر جمهورية أرض الصومال المعلنة من جانب واحد، استمرار هذه الرحلات تهديداً خطيراً لمصالحه. من غير المرجح أن تقف الولايات المتحدة، التي سعت سابقًا إلى إدارة الأزمات في مضيق هرمز عبر إبرام مذكرات تفاهم، مكتوفة الأيدي إزاء فرض منطقة حظر طيران في اليمن لصالح طهران. مع ذلك، فإن الوضع الراهن للولايات المتحدة، المنخرطة في تحديات عديدة على الساحة الدولية، فضلًا عن نهجها الجديد القائم على التفاهم مع إيران في بعض المحاور، قد يحول دون رد عسكري فوري من جانب واشنطن، رغم أن الضغط السياسي والدبلوماسي سيكونان بالتأكيد على جدول الأعمال.

الخلاصة: إن رحلة أول طائرة ركاب إيرانية إلى صنعاء بعد عقد من الزمن تتجاوز كونها عملًا إنسانيًا، فهي بمثابة لعبة عدائية في الشطرنج الجيوسياسي لغرب آسيا. وبهذا الإجراء، تحدّت طهران عمليًا الحصار الجوي المفروض على اليمن، ورسمت معادلات جديدة في المنطقة.

رمز الخبر 1972056

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha