٠٣‏/٠٨‏/٢٠٢٦، ١٢:٥٨ م

سرّ تراجع ترامب المتكرر عن تهديداته لإيران

سرّ تراجع ترامب المتكرر عن تهديداته لإيران

للمرة العاشرة، يتراجع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تهديداته بشن عمل عسكري ضد إيران، في مشهد لم يعد يبدو حدثًا عابرًا، بل تحول إلى نمط متكرر في سياسة إدارته تجاه طهران. فخلال الأشهر الماضية، تحدث ترامب مرارًا عن هجوم «كبير» و«حاسم» و«غير مسبوق»، لكنه كان يخفف من حدة مواقفه.

وكالة مهر للأنباء: هذا السلوك المتكرر يثير سؤالًا جوهريًا: لماذا يختار رئيسٌ يقدّم نفسه باعتباره صاحب القرارات الحاسمة، التهديد ثم التراجع، بدلًا من الإقدام على تنفيذ تهديداته ضد إيران؟

يكمن الجواب في الفجوة بين الحسابات الأولية لواشنطن والواقع الميداني. فقد افترضت الولايات المتحدة والكيان الصهيوني في بداية الحرب أن ضغوطًا عسكرية محدودة ستجبر إيران على التراجع، وتضعف قدرتها الردعية، وتدفعها إلى القبول بالشروط الأمريكية. إلا أن مجريات الأحداث جاءت بعكس تلك التقديرات.

فالعملية التي كان يُراد لها أن تكون سريعة ومحدودة تحولت إلى أزمة معقدة بالنسبة للبيت الأبيض، لم تفشل فقط في تحقيق أهدافها، بل رفعت أيضًا الكلفة السياسية والعسكرية والاقتصادية على إدارة ترامب.

ومن أبرز الأخطاء في الحسابات الأمريكية سوء تقدير رد الفعل الداخلي في إيران. فقد راهنت دوائر صنع القرار في واشنطن على أن يؤدي الضغط العسكري الخارجي إلى تعميق الانقسامات الداخلية، لكن النتيجة جاءت معاكسة؛ إذ ساهم التهديد الخارجي في تعزيز التماسك الوطني، وأصبح الدفاع عن البلاد عاملًا أساسيًا في تعزيز الوحدة الداخلية.

ويمثل هذا التطور ضربة لأحد الأهداف الرئيسية للضغوط الأمريكية، التي كانت تسعى إلى إضعاف إيران من الداخل وتقليص هامشها التفاوضي، وهو ما لم يتحقق.

وفي الوقت نفسه، شهد ميزان الردع في المنطقة تغيرًا ملحوظًا. فإيران لم تكن قد كشفت قبل اندلاع المواجهة عن جميع قدراتها، إلا أن الهجمات الأمريكية والإسرائيلية أبرزت أهمية عدد من أدواتها الاستراتيجية، القادرة على التأثير في الحسابات الأمنية للولايات المتحدة وحلفائها.

ويأتي مضيق هرمز في مقدمة هذه الأدوات؛ فهو ليس مجرد ممر بحري لنقل الطاقة، بل يعد أحد أهم الشرايين الحيوية للاقتصاد العالمي. وأي اضطراب فيه ينعكس مباشرة على أسواق الطاقة وكلفة النقل وحسابات القوى الكبرى.

ومن هذا المنطلق، تنظر طهران إلى مضيق هرمز بوصفه عنصرًا أساسيًا في معادلة الردع، وترى أن الحفاظ على أوراقها الاستراتيجية يظل ضرورة أمنية ما دامت التهديدات العسكرية والضغوط الخارجية مستمرة.

كما أن القدرات الصاروخية الإيرانية أسهمت في تعقيد الحسابات الأمريكية. فالتطور في دقة الصواريخ، وتعزيز القدرات المسيّرة، والخبرة العملياتية التي اكتسبتها إيران خلال المواجهات الأخيرة، رسمت صورة مختلفة عن قدراتها العسكرية.

وبالنسبة لواشنطن، لا تكمن المشكلة في قدرة إيران على الرد فحسب، بل في حجم الكلفة التي قد تتحملها المصالح الأمريكية في المنطقة إذا اندلعت مواجهة جديدة. فالقواعد العسكرية الأمريكية، والبنى التحتية الحيوية، وخطوط الطاقة، والحلفاء الإقليميون، جميعهم معرضون لتداعيات أي حرب واسعة.

وقد أثبتت إيران خلال السنوات الماضية أنها لا تكتفي بإطلاق التهديدات الإعلامية، بل تمتلك إرادة استخدام قدراتها عند الضرورة، الأمر الذي يدفع صناع القرار في واشنطن إلى أخذ ردود الفعل الإيرانية المحتملة في الحسبان، حتى عندما يستخدمون خطابًا تصعيديًا.

إلى جانب ذلك، فإن قدرة الولايات المتحدة على خوض حرب جديدة واسعة ليست بلا حدود. فالجيش الأمريكي يواجه ضغوطًا متزايدة نتيجة انخراطه في عدة أزمات وجبهات، إضافة إلى التحديات التي تطال مخزونات الأسلحة وسلاسل الإمداد والقدرة الإنتاجية للصناعات الدفاعية.

كما أن أي حرب مع إيران تختلف عن المواجهات القصيرة، إذ قد تتحول إلى صراع استنزاف طويل يتطلب موارد مالية وعسكرية ضخمة، وهو السيناريو الذي يثير قلقًا متزايدًا داخل الأوساط الأمريكية.

وعلى الصعيد الداخلي، يواجه ترامب قيودًا سياسية متزايدة. فقد عاد إلى السلطة بشعار تقليص التدخلات العسكرية وإنهاء الحروب المكلفة، لكن استمرار الأزمة مع إيران يهدد بتحويلها إلى عبء سياسي داخلي.

فارتفاع كلفة الحرب، والقلق من اضطراب أسواق الطاقة، والضغوط على الاقتصاد الأمريكي، واعتراض شريحة من الرأي العام على الانخراط في حرب جديدة، كلها عوامل تجعل قرارات البيت الأبيض أكثر تعقيدًا. فبدء الحرب قد يكون أسهل من إنهائها، خصوصًا إذا خرجت عن السيطرة وتحولت إلى أزمة إقليمية واسعة.

ولهذا، يبدو أن سلوك ترامب خلال الأشهر الماضية أصبح أقرب إلى دائرة متكررة من التهديد ثم التراجع؛ فهو يستخدم الخطاب التصعيدي لإحداث ضغط نفسي وسياسي، لكنه يتراجع عندما تصطدم التهديدات بواقع الكلفة الباهظة.

كما أن تكرار هذا السلوك يؤدي إلى نتيجة أخرى، تتمثل في تراجع مصداقية التهديدات الأمريكية. فحين تُطلق التهديدات مرارًا من دون تنفيذ، فإن تأثيرها يتضاءل في نظر الخصوم وحتى الحلفاء، لأن قوة الردع لا تعتمد على امتلاك القوة العسكرية فقط، بل أيضًا على اقتناع الآخرين بإمكانية استخدامها.

واليوم يجد ترامب نفسه أمام معادلة لم يكن يتوقعها؛ فهو لا يستطيع بسهولة توسيع نطاق الحرب بسبب كلفتها المرتفعة، ولا يستطيع الانسحاب منها من دون تحقيق إنجاز واضح، لأن ذلك سيُفسَّر على أنه تراجع.

لقد تحولت الأزمة مع إيران من ملف في السياسة الخارجية إلى تحدٍّ سياسي واستراتيجي داخلي لإدارة ترامب. ويبدو أن الخروج من هذا المأزق يتطلب مراجعة شاملة للحسابات التي افترضت أن الضغوط العسكرية والتهديدات ستدفع إيران إلى الاستسلام.

وتؤكد تجربة الأشهر الماضية أن إيران لم تحافظ على أدوات ردعها فحسب، بل رفعت أيضًا كلفة أي عمل عسكري جديد ضدها، الأمر الذي قد يجعل استمرار النهج الحالي يوقع إدارة ترامب في مأزق يصعب على البيت الأبيض الخروج منه.

رمز الخبر 1972794

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha