٢٤‏/٠٨‏/٢٠٢٦، ١١:١١ ص

ترامب وتكرار مصير جيمي كارتر

ترامب وتكرار مصير جيمي كارتر

تحولت الحرب مع إيران إلى عبء سياسي متزايد على الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وسط تحذيرات من تكرار تجربة جيمي كارتر وتحول الأزمة الخارجية إلى عامل مؤثر في الانتخابات النصفية المقبلة.

وكالة مهر للأنباء: تحولت الحرب مع إيران بالنسبة إلى دونالد ترامب تدريجياً من مشروع في السياسة الخارجية إلى قضية سياسية داخلية، قد تؤثر في مستقبل الجمهوريين خلال انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل. والتشابه مع تجربة جيمي كارتر لا يكمن في تطابق الأزمتين، بل في وقوع الرئيس الأميركي في حرب أصبح الخروج منها صعباً بقدر صعوبة الدخول فيها.

وصفت صحيفة «الغارديان» في تحليل حديث ترامب، مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، بأنه «عالق» في الحرب مع إيران، وقارنت وضعه بأزمة الرهائن الإيرانيين خلال عهد الرئيس جيمي كارتر. فقد دخل كارتر انتخابات عام 1980 في ظل أزمة رهائن تحولت إلى رمز لعجز إدارته عن حل أزمة خارجية، فيما عزز فشل عملية إنقاذ الرهائن هذا الانطباع. وترى «الغارديان» أن ترامب يواجه اليوم قضية مختلفة، لكنها متشابهة سياسياً؛ إذ تحولت الحرب التي كان يفترض أن تظهر قوة الولايات المتحدة وقدرة الرئيس على فرض إرادة واشنطن، إلى أزمة استنزاف تتزايد تكاليفها الاقتصادية والسياسية داخل الولايات المتحدة.

لكن الفارق المهم هو أن طهران تراقب هذه المرة بوضوح التوقيت السياسي في واشنطن. وكانت «الغارديان» قد ذكرت في تقارير سابقة أن مسؤولين إيرانيين يسعون إلى إدارة المفاوضات بطريقة تجعل تكاليف الحرب مستمرة حتى انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني. وكان ترامب نفسه قد اتهم إيران سابقاً بمحاولة كسب الوقت حتى انتخابات التجديد النصفي ووضع الولايات المتحدة في موقف أكثر صعوبة.

ويُحدث ذلك تحولاً مهماً في طبيعة الحرب. فعندما يصل نزاع خارجي إلى عتبة الانتخابات الداخلية، لم تعد حسابات الطرفين عسكرية فقط. ويمكن لطهران مواصلة الحرب ليس فقط لفرض تكاليف في الميدان، بل أيضاً لزيادة الضغوط الاقتصادية والسياسية على الإدارة الأميركية. في المقابل، يواجه ترامب معضلة صعبة: مواصلة الحرب قد تفرض تكاليف إضافية، فيما قد يُفسَّر الانسحاب من جانب خصومه على أنه اعتراف بالهزيمة أو العجز.

وتكمن مشكلة ترامب الرئيسية هنا. فهو يحتاج إلى «نصر قابل للتسويق» لإنهاء الحرب، لكن كلما اتسعت أهداف الحرب أصبح تحقيق مثل هذا النصر أكثر صعوبة. وتشير تحليلات «الغارديان» الأخيرة إلى التذبذب المتكرر في مواقف ترامب، بين التهديدات الحادة والتراجع والعودة مجدداً إلى المفاوضات، وهو ما يرى منتقدون أنه يعكس غياب مسار واضح للخروج من الأزمة.

من جهة أخرى، وصلت التكلفة الاقتصادية للحرب إلى مرحلة لم يعد من الممكن اعتبارها مجرد نتيجة جانبية. فاستمرار الأزمة في مضيق هرمز، وارتفاع أسعار الطاقة، والضغوط على تكاليف المعيشة للأميركيين، جعلت الحرب حاضرة مباشرة في الحياة اليومية للناخبين. وأظهر استطلاع أجرته «واشنطن بوست» و«إبسوس»، ونقلت «الغارديان» نتائجه، أن 28 بالمئة فقط من الأميركيين يرون أن الحرب مع إيران تستحق خوضها، مقابل 68 بالمئة يعارضونها. كما رأى 52 بالمئة من المشاركين أن مكانة الولايات المتحدة القيادية في العالم أصبحت أضعف خلال ولاية ترامب.

وهنا تكتسب المقارنة مع كارتر أهميتها. فمشكلة كارتر لم تكن أزمة الرهائن بحد ذاتها، بل تحول الأزمة إلى رمز لعجز الإدارة. وفي السياسة الأميركية، لا يتابع الرأي العام بالضرورة جميع تفاصيل الأزمات الخارجية؛ بل يترسخ الانطباع البسيط والقابل للتداول: هل تمكن الرئيس من السيطرة على الأزمة أم لا؟

ويواجه ترامب الاختبار نفسه. فإذا انتهت الحرب مع إيران باتفاق يستطيع تقديمه على أنه انتصار، فقد يتمكن من تعويض جزء من تكلفته السياسية. أما إذا طال أمد الحرب، واستمرت أسعار الطاقة في الارتفاع، وزادت الخسائر والتكاليف العسكرية، وانتهت واشنطن في نهاية المطاف إلى الانسحاب من دون تحقيق أهدافها المعلنة، فقد تتغير الرواية الانتخابية سريعاً: الحرب التي كان يفترض أن تكون استعراضاً للقوة الأميركية ستتحول إلى دليل على حدود هذه القوة.

وهناك مسألة أخرى تشكل خطراً على ترامب، وهي الوقوع في فخ القرارات السابقة. فكل مرحلة من مراحل تصعيد الحرب تجعل الخروج منها أكثر صعوبة. وإذا لم يحقق هجوم إضافي النتيجة المرجوة، تتزايد الضغوط لتنفيذ هجوم آخر، وإذا لم ينجح الهجوم التالي أيضاً، تصبح التكلفة السياسية للهزيمة أكبر. وهي الحلقة التي قد تنقل الرئيس من «اختيار الحرب» إلى «الاضطرار إلى مواصلة الحرب».

وتتحدث تقارير «الغارديان» عن هذا الوضع تحديداً؛ فمن جهة يسعى ترامب إلى الخروج من المستنقع الإيراني، ومن جهة أخرى تستفيد طهران من استمرار الوضع لزيادة الضغط عليه قبيل الانتخابات. وفي مثل هذه الظروف، يصبح الزمن متغيراً استراتيجياً. فكل أسبوع تستمر فيه الحرب من دون نتيجة واضحة يزيد أهمية الانتخابات ويقلص هامش المناورة أمام ترامب.

ومع ذلك، لا ينبغي الاعتقاد بأن إيران تنتظر فقط هزيمة ترامب انتخابياً. فالهدف الإيراني، وفق هذه التحليلات، يتمثل في خلق وضع تصبح فيه تكلفة استمرار السياسة الأميركية أكبر من عوائدها. وإذا عجزت واشنطن عن إنهاء الحرب بنتيجة واضحة، فإن إيران، حتى من دون تحقيق نصر عسكري تقليدي، يمكنها القول إنها نجحت في منع الولايات المتحدة من تحقيق أهدافها القصوى.

في نهاية المطاف، فإن التشابه بين ترامب وكارتر لا يتعلق بطبيعة الشخصيتين أو الحربين بقدر ما يتعلق بـ«معضلة الخروج». فقد يبدأ الدخول في أزمة عسكرية بحسابات تتعلق بالقوة، لكن إنهاءها يتطلب حسابات سياسية واقتصادية ونفسية أكثر تعقيداً بكثير. ولم يتمكن كارتر عام 1980 من إدارة أزمة إيران بطريقة تعيد ترميم صورته السياسية، وأصبح ذلك أحد العوامل المهمة في هزيمته. ولا يزال أمام ترامب فرصة لاختيار مسار مختلف، لكن كلما طال أمد الحرب، اتسعت الفجوة بين «النصر المعلن» و«النتيجة التي يراها الناخب».

وبالتالي، فإن الخطر الأكبر على ترامب لا يكمن فقط في الهزيمة في الحرب، بل في تحول الحرب إلى رمز لهزيمته السياسية. وإذا خلص الناخب الأميركي في نوفمبر/تشرين الثاني إلى أن ترامب دخل حرباً لم يتمكن من الانتصار فيها، ولم يستطع إنهاءها في الوقت المناسب، ثم نقل تكلفتها إلى الاقتصاد الأميركي، فإن المقارنة مع كارتر لن تكون مجرد تشبيه تاريخي، بل قد تتحول إلى واقع انتخابي.

رمز الخبر 1973225

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha