وكالة مهر للأنباء - ذكرت صحيفة "ذا هيل"، نقلاً عن استطلاع رأي جديد أجراه معهد "نافيجيتور"، أن 31% من أبناء جيل زد الذين صوتوا لترامب في انتخابات 2024 يندمون الآن على تصويتهم. والأهم من ذلك، أن 33% فقط من المستطلعة آراؤهم من هذا الجيل راضون تماماً أو إلى حد ما عن أداء ترامب.
للوهلة الأولى، قد تبدو هذه الأرقام وكأنها انخفاض طبيعي في شعبية رئيس حالي، لكنها في الواقع تشير إلى مشكلة أعمق: بعض ناخبي ترامب لم يعودوا يقيسون أداءه بناءً على وعوده الانتخابية فقط؛ بل يقارنون أداءه الفعلي بالصورة التي رسمها لمستقبل أمريكا قبل الانتخابات، وهنا تبرز أهمية الحرب مع إيران.
في سياسته الخارجية، سعى ترامب دائمًا إلى تقديم صورة الرئيس القوي، غير المتوقع، والمنتصر؛ القائد الذي يُفترض به إخراج أمريكا من الحروب المكلفة، وفي الوقت نفسه منع خصوم واشنطن من تحمل تكلفة تحدي قوة أمريكا. تُشكل هذه الصورة جزءًا هامًا من علامته السياسية. لكن الحرب مع إيران وضعت هذه الصورة أمام اختبار حقيقي.
لا يقتصر الأمر على دخول ترامب الحرب أو حجم القوة العسكرية التي نشرتها الولايات المتحدة، بل الأهم هو النتيجة التي خلفتها هذه الحرب في الرأي العام الأمريكي. إذا بدأ رئيس حربًا بخطاب النصر والقوة والتفوق، فمن الطبيعي أن يتوقع المجتمع الأمريكي نتيجة واضحة وملموسة. هنا تبرز أهمية الفجوة بين "النصر المُعلن" و"النصر المُتصوَّر".
قد تتمكن إدارة ترامب من الحديث عن بعض الإنجازات العسكرية، لكن السياسة الداخلية الأمريكية لا تُحدد بإحصاءات العمليات العسكرية وحدها. يتساءل الناخب العادي: ما هي تكلفة هذه الحرب؟ ما الذي تحقق؟ هل اختفى التهديد الإيراني حقًا؟ هل أصبحت أمريكا أكثر أمانًا؟ والأهم من ذلك، هل كان ذلك ما وعد به ترامب؟
بالنسبة للجيل الشاب، قد تكون هذه الأسئلة أكثر أهمية. فبخلاف الأجيال الأكبر سنًا، لا يملك جيل زد بالضرورة تجربة مباشرة لحروب أمريكا الطويلة في الشرق الأوسط، ولكنه حساس للتكاليف الاقتصادية، وفرص العمل، والتضخم، وجودة الحياة. لذا، تصبح أي حرب خارجية أكثر خطورة على الرئيس عندما يعجز عن الربط بوضوح بين تكلفتها والفوائد الملموسة التي تعود على المواطنين.
من هذا المنظور، لا ينبغي النظر إلى نسبة ندم 31% من ناخبي جيل زد تجاه ترامب على أنها مجرد رقم انتخابي. قد يكون هذا الرقم مؤشرًا على الفجوة بين "ترامب وعود الحملة الانتخابية" و"ترامب البيت الأبيض".
في انتخابات 2024، استطاع ترامب استقطاب شريحة من الناخبين الشباب بمزيج من الوعود الاقتصادية، ومعارضته للبنية السياسية التقليدية، وصورة القائد القوي. لكن الحفاظ على هذا التحالف أصعب من بنائه. فالناخب الذي ينأى بنفسه عن حزبه أو مرشحه المتوقع لأول مرة، لا يبقى بالضرورة في معسكر المعارضة إلى الأبد. إذا لم يرضَ الناخب عن خياره الجديد، فقد يصبح ناخبًا متقلبًا، ناخبًا يُؤثر في نتيجة الانتخابات القادمة. وهذا مهم للجمهوريين من جانب آخر.
لا يمكن للحزب الجمهوري الاعتماد فقط على قاعدته التقليدية لتحقيق انتصارات طويلة الأمد. فالتغيرات الديموغرافية والجيلية في أمريكا تعني أن كسب تأييد شريحة من أصوات الشباب بات ذا أهمية متزايدة لمستقبل الحزب. إذا استطاع الجمهوريون الحفاظ على الشباب الذين صوتوا لترامب في عام ٢٠٢٤، فقد يُحدثون تحولًا جيليًا كبيرًا في تحالفهم الانتخابي. ولكن إذا سرعان ما خاب أمل هؤلاء الناخبين، فقد يتحول هذا الإنجاز إلى نجاح مؤقت.
في الوقت نفسه، يبقى الاقتصاد العامل الأهم. لكن من الخطأ اختزال كل شيء في الاقتصاد. قد يكون الناخبون غير راضين عن التضخم، ولكن عندما يقترن هذا الاستياء بفشل في السياسة الخارجية، تتغير الصورة. في مثل هذه الحالة، لم تعد الحرب قضية خارجية منفصلة عن الحياة اليومية، بل أصبحت جزءًا من التقييم الشامل للرئيس.
لهذا السبب، قد تُصبح الحرب على إيران رمزًا للتناقض في أذهان بعض الشباب الأمريكي: فقد وعد ترامب بجعل أمريكا أقوى واتباع سياسة خارجية مختلفة، لكن نتائج الحرب بالنسبة لهم لا تتوافق بالضرورة مع هذا الوعد.
الأهم هو أن هذا التصور لا يعني بالضرورة أن هؤلاء الشباب سيصبحون من مؤيدي الحزب الديمقراطي. فالندم على التصويت لترامب لا يعني بالضرورة التصويت لمنافسه. قد تكون النتيجة انعدام الثقة واللامبالاة. لكن هذا التغيير يُشكل خطرًا على الجمهوريين أيضًا؛ لأنه في الانتخابات القادمة، قد لا يكون الهدف هو جذب المزيد من الأصوات، بل الحفاظ على نسبة ضئيلة من الأصوات بين الناخبين السابقين.
من هذا المنظور، لا تُعد انتخابات التجديد النصفي لعام 2026 بالنسبة للجمهوريين مجرد منافسة على مقاعد الكونغرس، بل اختبارًا لقياس مدى متانة التحالف الذي شكّله ترامب في انتخابات 2024.
إذا شعر قطاع من جيل الألفية أن ترامب قد أخفق في الوفاء بوعوده بشأن الاقتصاد أو السياسة الداخلية أو الحرب على إيران، فإن المشكلة تتجاوز شعبية الرئيس الشخصية. قد يُلحق هذا الاستياء ضرراً بمصداقية الخطاب السياسي الجمهوري برمته، القائم على مفاهيم "القوة" و"النصر" و"التغيير".
في نهاية المطاف، ربما لا تكمن أهم قضية بالنسبة لترامب في نسبة الشباب الراضين عن أدائه اليوم، بل في شعور بعض من منحوه فرصة في انتخابات 2024 بأن اختيارهم لم يُلبِّ توقعاتهم. وهنا تحديداً، قد تدخل السياسة الأمريكية مرحلة خطيرة بالنسبة لترامب: حين لا يعود الناخب المعارض له مجرد خصم، بل يتحول ناخبه السابق إلى ناقد له. أما الحرب الإيرانية، فهي ليست مجرد قضية سياسية خارجية، بل قد تُصبح أحد أهم اختبارات مصداقية ترامب السياسية.
تعليقك