وكالة مهر للأنباء: وجّه زعيم الديمقراطيين في مجلس النواب الأميركي حكيم جيفريز انتقادات حادة إلى أداء إدارة ترامب، واصفاً الحرب على إيران بأنها «متهورة ومكلفة» ومعتبراً أنها فشلت في تحقيق أهدافها.
وتكتسب تصريحات جيفريز أهمية سياسية، كونها تشير إلى أن الحرب على إيران بدأت تتحول إلى جزء من الصراع السياسي الداخلي في الولايات المتحدة. ويسعى الديمقراطيون إلى ربط التداعيات الاقتصادية والاجتماعية للحرب بشكل مباشر بسياسات إدارة ترامب، وطرح تساؤل أمام الرأي العام الأميركي حول مدى تناسب التكلفة التي تدفعها واشنطن لهذه الحرب مع النتائج التي حققتها.
ويرى جيفريز أن ترامب تعهد، قبل وصوله إلى السلطة، بخفض تكاليف المعيشة على الأميركيين، إلا أن الضغوط الاقتصادية على المواطنين لم تتراجع، بل ازدادت، مع ارتفاع أسعار الوقود وتكاليف أخرى.
ومن وجهة نظر معارضي الإدارة، أصبحت الحرب على إيران أحد العوامل التي يمكن أن تؤدي إلى تفاقم هذه الضغوط الاقتصادية، خصوصاً في ظل تأثر سوق الطاقة العالمية بالتطورات الإقليمية، وإمكانية أن تنعكس أي اضطرابات في طرق نقل النفط والغاز بصورة مباشرة على أسعار الطاقة.
ارتفاع أسعار الوقود يفاقم الضغوط على الأميركيين
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة بالنسبة إلى إدارة ترامب، لأن ارتفاع أسعار الوقود لا يعني فقط زيادة تكلفة البنزين بالنسبة إلى السائقين الأميركيين، بل يمكن أن يؤدي ارتفاع تكاليف الطاقة إلى زيادة نفقات النقل والإنتاج والزراعة وتوزيع السلع، وبالتالي فرض ضغوط إضافية على النفقات اليومية للأسر.
ومن هذا المنطلق، فإن الحرب التي طُرحت في واشنطن في بدايتها باعتبارها قضية تتعلق بالأمن القومي والسياسة الخارجية، يمكن أن تتحول الآن إلى قضية اقتصادية وانتخابية.
تكلفة عسكرية مباشرة تثقل كاهل واشنطن
إلى جانب التداعيات غير المباشرة للحرب، تفرض العمليات العسكرية المباشرة أيضاً تكاليف كبيرة على الحكومة الأميركية. فالعمليات الجوية والبحرية الواسعة، ونشر القوات، واستهلاك الذخائر، والدعم اللوجستي وتأمين المعدات، تتطلب موارد مالية ضخمة.
وتأتي هذه التكاليف في وقت يواجه فيه الاقتصاد الأميركي ديوناً مرتفعة للغاية وعجزاً كبيراً في الموازنة، ما يعني أن استمرار الحرب لفترة أطول قد يفرض ضغوطاً إضافية على الموارد المالية للحكومة، ويزيد في الداخل الأميركي من النقاش بشأن ضرورة مواصلة العمليات العسكرية.
الحرب تدخل صلب المنافسة السياسية
وقد أسهمت هذه المعطيات في تحويل الحرب على إيران تدريجياً من ملف خارجي إلى قضية حاضرة في المنافسة السياسية داخل واشنطن.
ويسعى الديمقراطيون إلى تكريس صورة مفادها أن ترامب دخل حرباً تتزايد تكلفتها على دافعي الضرائب الأميركيين، وأثرت في أسعار الطاقة، من دون أن تتمكن في الوقت نفسه من تحقيق نتيجة واضحة وحاسمة للولايات المتحدة.
وأكد جيفريز في تصريحاته هذا الطرح، مدعياً أن إيران خرجت من الحرب في موقع أقوى، بينما بات الأميركيون يواجهون ظروفاً اقتصادية أكثر صعوبة.
ومع ذلك، ينبغي النظر إلى هذا التقييم في إطار المنافسة السياسية داخل الولايات المتحدة، ولا يمكن اعتبار تصريحات زعيم الديمقراطيين في مجلس النواب بمفردها تقييماً عسكرياً مستقلاً لنتائج الحرب.
لكن الأهمية السياسية لهذه التصريحات تكمن في أن هذه الرواية بدأت تدخل إلى صلب النقاش السياسي الداخلي الأميركي، بما قد يؤثر في نظرة الرأي العام إلى أداء إدارة ترامب.
عندما تنتقل تداعيات الحرب إلى حياة الأميركيين
وتظهر تجارب الحروب الأميركية أن الكلفة السياسية لأي حرب ترتفع عندما تتجاوز آثارها ساحة المعركة وتصل إلى الحياة اليومية للمواطنين.
فعندما يشعر المواطن الأميركي بارتفاع أسعار الوقود، أو عندما ترتفع تكاليف النقل والسلع، أو عندما يدور نقاش حول زيادة نفقات الحكومة والضرائب، فإن الحرب لم تعد قضية بعيدة في الشرق الأوسط، بل تصبح جزءاً من الحياة الاقتصادية للمجتمع الأميركي.
ومن هذه الزاوية، يمكن أن تضع الحرب على إيران ترامب أمام تحدٍّ مزدوج؛ إذ إن استمرار المواجهة يعني استمرار النفقات العسكرية واحتمال تصاعد الضغوط الاقتصادية، في حين أن إنهاء الحرب قد يتيح لخصومه تصوير الخطوة على أنها تراجع أو إقرار بالفشل.
وفي مثل هذه الظروف، ستكون إدارة ترامب مطالبة بتحقيق توازن بين الحفاظ على ما تعتبره مكاسب عسكرية من جهة، والسيطرة على التكاليف الاقتصادية والسياسية للحرب من جهة أخرى.
الانتخابات النصفية تزيد الضغوط على ترامب
وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي. فإذا استمر ارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف المعيشة، يمكن للديمقراطيين تحويل الحرب على إيران إلى أحد المحاور الرئيسية في هجومهم على إدارة ترامب، ووضعها إلى جانب التضخم وتكاليف المعيشة والوضع الاقتصادي في الولايات المتحدة.
وفي هذه الحالة، لن تُقاس نتائج الحرب فقط بما يحدث في الميدان العسكري، بل ستصبح ردود فعل الناخبين الأميركيين أيضاً جزءاً من تقييم أداء الإدارة.
ومن جهة أخرى، إذا تعززت رواية فشل الحرب على إيران لدى الرأي العام الأميركي، فإن الضغوط السياسية على البيت الأبيض لتقديم توضيحات بشأن أهداف الحرب وتكاليفها ونتائجها ستزداد.
وقد يؤدي ذلك إلى مزيد من الخلافات داخل البنية السياسية الأميركية، خصوصاً إذا بدأ جزء من الجمهوريين أيضاً يشعر بالقلق إزاء تكاليف استمرار المواجهة.
وبذلك، دخلت الحرب الأميركية على إيران مرحلة لم يعد فيها الميدان العسكري وحده أحد العوامل الحاسمة، بل أصبحت الاقتصاد الأميركي وسوق الطاقة والرأي العام والمنافسة الانتخابية ساحات لا تقل أهمية.
ويمكن النظر إلى تصريحات حكيم جيفريز باعتبارها مؤشراً على هذا التحول؛ إذ لم تعد الحرب مجرد قضية تتعلق بالهجمات العسكرية والتطورات في الشرق الأوسط، بل تحولت إلى نقاش حول الكلفة التي يتعين على الأميركيين تحملها نتيجة قرارات حكومتهم.
وإذا استمرت هذه الضغوط، فقد يكون الجزء الأصعب من الحرب بالنسبة إلى إدارة ترامب ليس في ساحة المعركة، بل داخل الولايات المتحدة نفسها؛ حيث يمكن لأسعار الوقود وتكاليف المعيشة وأصوات الناخبين أن تحدد في نهاية المطاف الحكم على النجاح أو الفشل السياسي للحرب.

تعليقك