وأفادت وكالة مهر للأنباء، انه كتب محمد باقر قاليباف، رئيس مجلس الشورى الإسلامي، مقالا في مجلة "سرو" الثقافية والفنية الشهرية، وهي عدد خاص عن قائد الثورة الشهيد، آية الله السيد علي الخامنئي، جاء فيها:
إننا ننعى سيدنا الشهيد، ولكن هذا النعي ليس مجرد حزن عاطفي. فمعرفتنا به من خلال تجربتنا الحياتية تُؤكد لنا باستمرار كم فقدنا من جوهرة فريدة؛ وهي أيضاً، بطبيعة الحال، تزرع في قلوبنا بذور الثأر لأعدائه، أعداء الإسلام وإيران. ويمكن بل ويجب أن يُقال الكثير عن السيد، فاسمحوا لي أن أشارك في هذا السرد؛ سرد جندي من القائد العام، وسرد طالب من معلمه الذي تعلم جزءاً مهماً من حياته في مدرسته.
لقد أمضيت سنوات عديدة من حياتي في مناصب مختلفة؛ من ميدان الدفاع المقدس إلى المناصب التنفيذية والإدارية. في هذا المسار، أتيحت لي الفرصة لأتأمل عن كثب رؤيته واستراتيجيته، المتجذرتين في عاطفته الإنسانية.
أحيانًا، تنشأ علاقة بين القائد وجنوده تتجاوز التسلسل الهرمي التنظيمي. علاقة لا تقوم على الأوامر الهيكلية، بل على الثقة والإيمان والخبرة والمعتقد المشترك. في مثل هذه العلاقة، لا يقتصر دور القائد على توزيع المهام، بل يحدد مسار الحركة، ويرسم الأفق، وفي أصعب المعارك، يصبح المعيار الذي يميز بين الحق والباطل. بالنسبة لي، كان للإمام السيد علي الخامنئي هذه المكانة.
كثير من الناس يعرفون القادة من وراء المنابر؛ من خلال الخطابات والمواقف والرسائل. لكن من خاضوا غمار المسؤولية يعرفون القائد في لحظات اتخاذ القرارات الصعبة، حيث يجب اختيار المسار الأمثل من بين عدة مسارات شاقة. حيث يشتدّ الضغط، لكن لا ينبغي التراجع عن المبادئ ولو قيد أنملة. حيث يجب الحفاظ على المثل العليا ومواجهة الواقع. في هذه اللحظة تحديدًا تجلّت براعة إمامنا الشهيد.
كان معلمًا للمثالية الواقعية، لم يسمح يومًا للمثالية بأن تتحول إلى خيال، ولم يقبل قط اختزال الواقعية إلى مجرد جمود. سعى دائمًا إلى بناء جسر يربط بين المثل العليا والعمل، بين القيمة والكفاءة، بين الإيمان والإدارة.
خلال فترات خدمتي المختلفة، ولا سيما في المناصب التنفيذية، شهدتُ مرارًا وتكرارًا تأكيده على "كفاءة" النظام فوق كل اعتبار. كان يؤمن بأن الشرعية الشعبية للنظام الإسلامي لا يمكن الحفاظ عليها بالشعارات وحدها؛ بل يجب أن يشعر الناس بآثار الثورة في حياتهم. يجب أن يشعروا بالعدالة. يجب أن يروا التقدم. يجب أن يلمسوا الخدمات في حياتهم اليومية. ولذلك، احتل مفهوم "الإدارة الجهادية" مكانة خاصة في فكره. لم يكن مجرد لقب شرفي، بل كان "أسلوبه الخاص في الحكم". أي أن مدير الدولة لا ينبغي أن ينتظر استيفاء جميع الشروط، بل عليه أن يجد سبيلًا لتجاوز القيود، وأن يستغل القدرات الوطنية، وأن يثق بالشباب، وأن يتخطى المآزق. أتذكر أنه خلال السنوات التي كنت مسؤولًا فيها عن إدارة مدينة طهران، كان دعمه وتأكيده على الروح الجهادية بمثابة دعم معنوي كبير لنا. عندما كان قائد الثورة يتحدث عن خدمة الشعب والجهود اليومية للمديرين، كان في الواقع يرسم نموذجًا إداريًا؛ نموذجًا يتمحور حول الشعب. لقد آمن إيمانًا راسخًا بالشعب.
كان هذا الإيمان متجذرًا في فهمه العميق للأمة الإيرانية، لا مجرد شعارٍ يُستخدم في السياسة. لقد آمن بقدرات هذه الأمة، وآمن بأنه متى ما انخرط الشعب في العمل السياسي، أمكن حلّ حتى أعقد المشاكل. وبهذه الرؤية قاد البلاد عبر أزماتٍ عديدة خلال المراحل الحرجة من تاريخ الثورة.
لو أردتُ التحدث من منظور شخصي، لوددتُ أن أذكر سمةً أخرى، سمةً قلّما ذُكرت. كان قائد الثورة، رغم قوته، إنسانًا عاطفيًا وحنونًا. قد يكون من شاهدوا خطاباته الرسمية فقط أكثر درايةً بملامحه القوية الثابتة. لكن من التقوا به ووقفوا إلى جانبه عن كثب، يعلمون أن وراء تلك القوة قلبًا يفيض حبًا للشعب، ولأسر الشهداء، والمحاربين القدامى، والمضحّين، وخدام الوطن. في لقاءاتٍ عديدة، لاحظتُ مرارًا وتكرارًا كيف كان يُنصت باهتمام للآخرين، وكيف كان يتذكر أدق التفاصيل، وكيف كان يُظهر حساسيةً تجاه مشاكل الشعب. هذه هي السمات التي خلقت رابطةً عميقةً بينه وبين شعبه.
على مرّ العقود، عرفه ملايين الإيرانيين ليس فقط كقائدٍ سياسي، بل أيضًا كسندٍ روحي. في الأوقات العصيبة، كانت كلماته مُريحة، وفي أيام اليأس، كان يُبثّ الأمل، وفي لحظات الشك، كان يُنير الدرب. قد يظن البعض أن الشغل الشاغل للقائد هو ببساطة القضايا السياسية والأمنية الكبرى. بالطبع، هذه القضايا بالغة الأهمية، لكن ما لمسته في شخصيته هو اهتمامه العميق بحياة الناس اليومية. كان يعلم أن السلطة الوطنية لا يمكن أن تستمر دون رضا الشعب، وأن رضا الشعب لا يتحقق إلا من خلال خدمة صادقة للشعب. ولذلك كان يشدد دائماً على أهمية القيادة الجهادية.
كان يرى أن الإدارة الجهادية "أسلوب حياة". وهذا يعني أن المسؤول يضحي براحته من أجل تقدم البلاد. ويعني أن المدير لا يعتبر السلطة غايةً، بل يعتبر الخدمة غايةً. ويعني أنه يبحث عن حلول للمشاكل بدلًا من التبريرات والأعذار. لو أردتُ تلخيص أهم درس تعلمته منه اليوم في جملة واحدة، لقلت: "فترة مسؤوليتنا هي ثقة الشعب وميدان النضال، وليست فخًا وفرصة للمصالح الشخصية".
وقد جسّد هذا الرأي ليس بالقول فحسب، بل بالفعل أيضًا. فقد تحمل مسؤولية القيادة الجسيمة لعقود، بينما كانت البلاد تمر بأعقد الأحداث الإقليمية والعالمية. حروب، وعقوبات، وفتوحات، وضغوط سياسية، وأزمات اقتصادية، وعشرات التحديات الأخرى، التي كان من الممكن أن تُسقط أي دولة. لكن سفينة الثورة الإسلامية أبحرت عبر كل هذه العواصف، واليوم، بالاعتماد على الله والإيمان بدور الشعب، لدينا إيران شامخة.
كان الخامنئي يعرف الشعب جيدًا، ورأينا كيف أصبحت رؤيته الثاقبة ملموسة حتى بعد رحيله عن العالم المادي. "مهمة الشعب"، نهضتهم، وعدم خوفهم من الحرب، وفعلهم كل ما في وسعهم لصدّ الشعب؛ وهكذا يشهد العالم اليوم "إنجاز قيادة خامنئي الجهادية" في الشوارع والساحات.
كان لديه أملٌ في المستقبل، أملٌ لم ينبع من تفاؤلٍ ساذج، بل من فهمٍ عميقٍ لإمكانيات الأمة الإيرانية. رأيته مرارًا وتكرارًا، في مواقفَ يسودها القلق والشك، يقف شامخًا كالسُّرس، ويتحدث بهدوءٍ عن المستقبل. لم يكن الأمر أنه لم يرَ المشاكل، بل كان يرى آفاق الفرص التي تتجاوزها. هذه الصفة نعمةٌ عظيمةٌ للقائد.
خلال حقبة الدفاع المقدس، تعلمنا أن القائد يجب أن يكون قادرًا على الحفاظ على الأمل في أحلك الظروف. فإذا فُقد الأمل، فُقدت القدرة القتالية. وقد حافظ الشهيد السيد علي خامنئي على هذه الروح حيةً على مستوى الأمة. بالنسبة لجيلٍ عايش الثورة عن كثب، كان بمثابة تذكير بأيام الكفاح والمقاومة. أما بالنسبة للأجيال الجديدة، فقد كان رمزًا للمقاومة والتقدم.
في ثقافة الجهاد والاستشهاد، لا يقتصر دور القائد على إصدار الأوامر، بل هو من يرى الخطر بأم عينه، ويتحمل المسؤولية، ويتحمل عبء اتخاذ القرارات. القائد الحقيقي هو من يميز، في اللحظات الحاسمة، بين الصواب والخطأ، ويرشد الآخرين إلى الطريق الصحيح والغاية المنشودة.
لم يعرفه جيلنا فقط كقائد للجمهورية الإسلامية، بل عرفه قبل ذلك في ساحة المعركة. في سنوات الاختناق والقمع، في أيام السجن والمنفى، في أيام النضال من أجل إقامة النظام الإسلامي، ثم في سنوات الدفاع المقدس العصيبة، نهض من قلب الميدان، ولذلك فهم "لغة الميدان".
كان خامنئي رجلاً لم يتهرب قط من الصعاب، رجلاً صمدت شامخةً في ميادينها، رجلاً تحمل عبء الثورة الثقيل وحماها، رجلاً علمنا أنه من الممكن بلوغ ذروة السلطة مع البقاء في خدمة الشعب. بالنسبة لجيلنا، لم يكن مجرد قائد سياسي، بل كان معلماً غرس فينا الصبر، وقائداً هدى لنا الطريق، وزعيماً دعا طلابه إلى الخدمة والإخلاص والجهاد.
أحيانًا تبقى الأسماء، وأحيانًا أخرى تتلاشى؛ لكن المدارس تبقى. ما سيبقى من السيد علي خامنئي، قبل كل شيء، هو مدرسة فكرية وإدارية؛ مدرسة قائمة على الروحانية والعقلانية والعدالة والتفكير الإنساني، والنضال والخدمة.
لقد لاحظت مرارًا وتكرارًا في اجتماعات مختلفة أن نظرة آية الله لقضايا البلاد لم تكن نظرة قصيرة المدى وسطحية. بل كان يحلل كل قضية ضمن إطار رؤية طويلة الأمد. فإذا تحدث عن الاقتصاد، فكّر في مستقبل البلاد. وإذا حذّر بشأن الثقافة، كان يضع نصب عينيه مصير الأجيال القادمة. وإذا شدد على العلوم والتكنولوجيا، فقد نظر في مكانة إيران في العقود المقبلة. هذه الرؤية الاستراتيجية هي التي ميّزته عن كثير من الزعماء السياسيين في العالم.
في عالم اليوم، ينشغل كثير من السياسيين باستطلاعات الرأي اليومية والحسابات قصيرة المدى. أما هو، فكان ينظر إلى آفاق بعيدة. أحيانًا كان يقول أشياء قد لا يفهمها البعض في حينها، لكن أهميتها وعمقها سيتضحان بعد سنوات. بالنسبة لنا نحن الذين شغلنا مناصب قيادية، كان هذا درسًا.
كانت أبرز سماته الفكرية أنه لم يعتبر الثورة مجرد حدث عابر أو نقطة في التاريخ، بل اعتبرها مسيرةً يجب أن تستمر من جيل إلى جيل، وكل جيل مسؤول عن المضي بها قدمًا.
عندما نتحدث عنه اليوم، لا ينبغي أن نكتفي بالذكريات والمشاعر فحسب، بل إن أعظم تكريم لشخصية كهذه هو مواصلة مسيرته. مسيرةٌ تقوم على الإيمان والحرية والعدالة والتقدم والاستقلال وخدمة الشعب، ولن يحيا الشهداء إلا ببقاء مُثلهم.
إذا أردنا تكريم ذكراه، فعلينا أن نغرس الروح نفسها التي أكد عليها لسنوات في إدارة شؤون البلاد: أي الثقة بالشباب، وتفعيل الطاقات الوطنية، والعمل الدؤوب على حل مشاكل الشعب، والابتعاد عن الجدال العقيم، وتكريس كل طاقاتنا لبناء إيران.
اليوم، على كل من يهتم بإيران، وكل من يفكر في كرامة هذه الأمة، وكل من يكترث لمستقبلها، أن يسأل نفسه كيف يمكنه مواصلة هذا الدرب. إن منهجه، إن طُبِّق عمليًا، سيظل منارةً للمستقبل، منارةً تهتدي بها الأجيال القادمة. وأي شرف أعظم من أن يبقى الإنسان حاضرًا في أفكار أمته ومبادئها وجهودها بعد رحيله؟
إن إرثه الأهم هو منظومة فكرية ومنهج حياة عملي، يربط الاستقلال بالتقدم، والعدل بالكفاءة، والروحانية بالعقلانية، والديمقراطية بالقيم الإسلامية. هذه الخطة، كما ورثها عن إمامه الجليل الراحل، نجدها بحق في حضرة آية الله السيد مجتبى حسيني خامنئي، حفظه الله. إن الشيء الوحيد الذي يعزينا في حزننا على رحيل مثل هذا القائد هو أن نتكاتف مع مثل هذا الشخص الصالح حتى نتمكن من بلوغ قمم التقدم، بإذن الله.
تعليقك