وكالة مهر للأنباء - يحاول دونالد ترامب، من خلال تكرار مزاعمه حول عودة الأمن إلى مضيق هرمز، ترسيخ صورة مفادها أن الولايات المتحدة نجحت في احتواء أحد أهم تداعيات الصراع مع إيران. إلا أن التقارير المتعلقة بالهجمات على ناقلات النفط والمواقف الرسمية لطهران تُظهر وجود فجوة كبيرة بين خطاب البيت الأبيض والواقع الأمني لهذا الممر المائي؛ فجوة لا يمكن سدها بمجرد نشر خرائط عن عمليات نقل النفط أو الإعلان عن عودة تدريجية لحركة الملاحة البحرية.
وفي هذا السياق، أفادت شبكة CNBC أن الهجمات على ناقلات النفط في مضيق هرمز بلغت أعلى مستوياتها منذ بدء الحرب في أواخر فبراير. ووفقًا لهذا التقرير، فقد تعرضت إحدى عشرة ناقلة نفط للهجوم أثناء مرورها عبر هذا الممر المائي في الأسبوع المنتهي في 4 أكتوبر؛ وهو رقم يُعد الأعلى أسبوعيًا للهجمات على السفن التجارية منذ بدء الصراع. كما يشير تقرير الشبكة إلى تكرار حوادث إطلاق النار على ناقلات النفط العابرة. لا تتوافق هذه الإحصائيات مع صورة العودة الكاملة للأمن في ممر نقل الطاقة.
وبالطبع، لا تعني زيادة حركة ناقلات النفط وحدها أمنًا مستدامًا، تمامًا كما أن الهجوم على بعض السفن لا يعني توقف حركة النقل بالكامل. تكمن المشكلة الرئيسية في قدرة شركات الشحن على استئناف أنشطتها المعتادة دون القلق من الهجمات، وارتفاع تكاليف التأمين، وتعطيل مسار النقل. أفادت وكالة رويترز في 5 أكتوبر/تشرين الأول أن صادرات النفط عبر مضيق هرمز قد عادت إلى نحو 80% من مستويات ما قبل الحرب، لكن تكاليف النقل والتأمين لا تزال مرتفعة. يُظهر هذا الوضع أن زيادة حجم الصادرات لا تعني بالضرورة العودة الكاملة إلى الوضع الطبيعي.
تحاول الحكومة الأمريكية تصوير هذه التطورات كدليل على نجاح سياستها من خلال تسليط الضوء على زيادة شحنات النفط ومرور السفن التجارية. وادعى البيت الأبيض في بيان صدر في 28 أغسطس/آب أن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز وأن قواتها تضمن أمن نقل الطاقة. مع ذلك، يكتسب الادعاء بالسيطرة على ممر مائي استراتيجي مصداقية عملية عندما يُحافظ على أمن الملاحة البحرية بشكل مستدام ويُقلل من خطر الهجمات على السفن التجارية. ويُثير العدد القياسي للهجمات الأسبوعية على ناقلات النفط منذ بداية النزاع تساؤلاً حول مدى توافق ادعاء واشنطن مع الواقع البحري.
من هذا المنظور، ينبغي دراسة تصريحات ترامب في سياق الاحتياجات السياسية والاقتصادية للحكومة الأمريكية. إن تعطيل نقل النفط عبر مضيق هرمز لن يؤثر على دول المنطقة فحسب، بل سيُشكل ضغطًا على سوق الطاقة العالمية، وتكاليف النقل، وأسعار الوقود. وقد يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى استياء المستهلكين الأمريكيين وزيادة التكلفة السياسية للسياسة الخارجية للحكومة. في مثل هذه الظروف، يصبح من المهم للبيت الأبيض إظهار عودة الاستقرار إلى سوق الطاقة؛ لكن جهود إدارة توقعات السوق لا تُغني عن ضمان الأمن الحقيقي.
من جهة أخرى، أكدت إيران أن وضع مضيق هرمز لن يُحدد بمعزل عن التطورات السياسية والعسكرية والتزامات الطرف الآخر. أعلن محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين، في الرابع من أكتوبر/تشرين الأول، أن مضيق هرمز لن يُفتح إلا بعد أن تُلبّي إيران سبعة شروط، استنادًا إلى مذكرة التفاهم الموقعة مع إسلام آباد. كما أعلن وزير الخارجية عباس عراقجي أن المقترح الإيراني، في حال قبوله من قِبل الولايات المتحدة، قد يُمهّد الطريق لإعادة فتح المضيق وعودة حركة الملاحة البحرية إلى طبيعتها في غضون سبعة أيام. تُشير هذه المواقف إلى أن طهران لا ترى في الأمر مجرد مرور عدد قليل من ناقلات النفط أو زيادة مؤقتة في الصادرات، بل مجموعة من الالتزامات والترتيبات المتنازع عليها مع واشنطن.
وبالتالي، فإن الإعلان عن عودة حركة ناقلات النفط أو نشر رسوم بيانية عن أحجام نقل النفط لا يعني في حد ذاته نهاية الأزمة. فاستمرار الهجمات، وارتفاع تكلفة التأمين والنقل، والخلافات حول الشروط السياسية لإعادة فتح المضيق، كلها تُشير إلى أن الوضع لا يزال هشًا. في ظل هذه الظروف، لا يمكن قبول ادعاء السيطرة الكاملة على مضيق هرمز استنادًا إلى تصريحات المسؤولين الأمريكيين فحسب؛ بل يجب تقييم هذا الادعاء بمؤشرات قابلة للقياس، تشمل سلامة السفن، واستمرارية حركة الملاحة، وخفض تكاليف المخاطر.
في هذا السياق، لا يُعدّ مضيق هرمز مجرد ممر لنقل النفط، بل أصبح أحد أهم أوراق المساومة في الصراع الإيراني الأمريكي. تحاول واشنطن الترويج لفكرة عودة الاستقرار من خلال إظهار زيادة في حركة الملاحة البحرية؛ في المقابل، تُشدد طهران على ضرورة الوفاء بشروطها. وطالما لم يُحلّ هذا النزاع ولم يُستعد الأمن البحري إلى وضعه المستقر، ستظل الفجوة قائمة بين الادعاءات السياسية والواقع على أرض الواقع.
تعليقك