وكالة مهر للأنباء: واجهت الحرب الأمريكية على إيران، خلافاً لكثير من التدخلات العسكرية الكبرى لواشنطن، أزمة شرعية داخل الرأي العام الأمريكي منذ بدايتها، إذ أظهرت استطلاعات الرأي أن المعارضة الشعبية لهذا الصراع تجاوزت مستويات الرفض المسجلة في حروب أمريكية كبرى أخرى. ولا تعكس هذه النتائج تراجع شعبية عملية عسكرية فحسب، بل تكشف أيضاً عجز إدارة دونالد ترامب عن بناء إجماع داخلي أولي بشأن الانخراط في مواجهة خارجية، على غرار ما شهدته تجارب رؤساء أمريكيين سابقين.
وقارن ستيفن سملر، المحلل في مجلة «بوليغراف»، مستوى التأييد الشعبي للحرب على إيران بست حروب أمريكية كبرى أخرى، هي الحرب العالمية الثانية، والحرب الكورية، وحرب فيتنام، وحرب الخليج الفارسی، وحرب أفغانستان، وحرب العراق. واعتمدت المقارنة على معيار «صافي التأييد»، أي الفارق بين نسبة المؤيدين والمعارضين للحرب.
وبحسب أحدث البيانات التي استند إليها سملر، بلغ صافي التأييد للحرب على إيران سالب 32 نقطة مئوية، وهو مستوى أدنى حتى من سالب 31 نقطة مئوية المسجل لحرب فيتنام في آخر استطلاع ضمن مجموعة البيانات نفسها.
وتتضح أهمية هذه المقارنة عند استعراض مسار الرأي العام الأمريكي في الحروب السابقة. فقد بدأت الحرب العالمية الثانية بصافي تأييد بلغ 95 نقطة مئوية، وظل عند 62 نقطة إيجابية في آخر استطلاع شمله التحليل. وأسهم الهجوم الياباني على بيرل هاربر، وما ولّده من شعور بوجود تهديد مباشر للأراضي الأمريكية، في تشكيل إجماع واسع بشأن ضرورة دخول الحرب.
أما الحرب الكورية، فقد بدأت بصافي تأييد بلغ 45 نقطة مئوية، وظل المؤشر عند 14 نقطة إيجابية في أحدث البيانات التي تناولها التحليل.
وفي حرب فيتنام، تآكل التأييد الأولي البالغ 37 نقطة مئوية تدريجياً مع استمرار القتال وارتفاع الخسائر وتزايد التكاليف السياسية والإنسانية، ليصل في النهاية إلى سالب 31 نقطة مئوية. وبدأت حرب الخليج الفارسي بصافي تأييد بلغ 57 نقطة مئوية، وظل عند 21 نقطة إيجابية في آخر استطلاع ضمن المجموعة. كذلك حظيت حرب أفغانستان بتأييد أولي بلغ 80 نقطة مئوية عقب هجمات 11 سبتمبر، قبل أن يتراجع المؤشر لاحقاً إلى سالب نقطة واحدة. أما حرب العراق، التي بدأت بصافي تأييد بلغ 52 نقطة مئوية، فقد انخفض المؤشر فيها إلى سالب 14 نقطة في أحدث البيانات.
ويتمثل الاختلاف الأبرز في حالة الحرب على إيران في نقطة انطلاقها؛ إذ بلغ صافي التأييد للعملية في أولى البيانات التي تناولها التحليل سالب 13 نقطة مئوية، ما يعني أن المعارضة كانت متقدمة على التأييد منذ البداية. ويشير ذلك إلى أن إدارة ترامب لا تواجه خطر التراجع التدريجي في الدعم الشعبي، كما حدث في فيتنام والعراق وأفغانستان فحسب، بل أخفقت أساساً في الحصول على التأييد الأولي الذي غالباً ما يصاحب اندلاع الحروب الكبرى.
لكن لماذا عجزت العمليات العسكرية ضد إيران عن استقطاب التأييد الشعبي منذ البداية؟
يتمثل أحد العوامل الرئيسية في غياب الإجماع بشأن وجود تهديد وشيك ومباشر للولايات المتحدة. ففي الحرب العالمية الثانية وأفغانستان، ترك الهجوم على بيرل هاربر وعمليات 11 سبتمبر تأثيراً عميقاً في المشهدين السياسي والاجتماعي الأمريكيين، وعززا التأييد للتحرك العسكري. أما في الملف الإيراني، فقد واجهت الإدارة الأمريكية صعوبة أكبر في إقناع الرأي العام بضرورة شن عملية عسكرية عاجلة.
وأظهر استطلاع أجرته رويترز بالتعاون مع إبسوس خلال الأيام الأولى من المواجهة أن 27 في المئة فقط من الأمريكيين يؤيدون الهجمات، مقابل 43 في المئة يعارضونها، فيما لم يكن لدى 29 في المئة موقف محدد. وتكشف هذه الأرقام أن دخول الحرب لم يؤد، خلافاً لتجارب تاريخية سابقة، إلى موجة من الالتفاف الشعبي حول الحكومة.
ومن العوامل الأخرى غموض الأهداف النهائية للعملية وموعد انتهائها. ففي حرب الخليج الفارسي، كان الهدف المعلن تحرير الكويت، بينما تمحورت مبررات الحرب في أفغانستان حول مواجهة تنظيم القاعدة وحكومة طالبان. أما في حالة إيران، فقد طُرحت أهداف متعددة، تراوحت بين منع امتلاك سلاح نووي وإضعاف القدرات العسكرية وصولاً إلى تغيير النظام السياسي. ويجعل تعدد هذه الأهداف تحديد معايير النصر وتقدير مدة العملية وتكاليفها أمراً أكثر صعوبة.
وأظهر استطلاع لمجلة «ذي إيكونوميست» ومؤسسة «يوغوف» في يوليو 2026 أن 65 في المئة من الأمريكيين يؤيدون التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب في أسرع وقت، مقابل 15 في المئة يعارضون هذا التوجه. وتعكس هذه النتيجة رغبة واسعة في إنهاء المواجهة، وإن كانت لا تعني بالضرورة موافقة الرأي العام على أي اتفاق كان.
كذلك تلقي تجارب فيتنام والعراق وأفغانستان بظلالها على موقف المجتمع الأمريكي. فقد أسهمت إطالة أمد العمليات العسكرية وارتفاع الخسائر واتساع الفجوة بين الأهداف المعلنة والنتائج الفعلية في إضعاف ثقة الأمريكيين بالتدخلات العسكرية المكلفة.
وفي هذا السياق، أظهر استطلاع لجامعة كوينيبياك في يوليو 2026 أن 74 في المئة من الناخبين الأمريكيين يعارضون إرسال قوات برية أمريكية إلى إيران، مقابل 19 في المئة يؤيدون ذلك. ويعكس هذا الرفض الواسع عدم استعداد قطاع كبير من المجتمع الأمريكي لتوسيع نطاق المواجهة نحو مرحلة تستلزم التزاماً عسكرياً طويل الأمد وتنطوي على احتمال ارتفاع الخسائر البشرية.
كما أصبحت التكاليف الاقتصادية عاملاً حاسماً في تشكيل المواقف الشعبية. فنظراً إلى أهمية مضيق هرمز في أسواق الطاقة، واحتمال تأثير المواجهة على أسعار النفط والبنزين، باتت تداعيات الحرب مرتبطة بصورة مباشرة بالحياة اليومية للمواطنين الأمريكيين.
ووفقاً لاستطلاع أجراه مركز بيو للأبحاث خلال سبتمبر وأكتوبر 2026، أعرب 73 في المئة من الأمريكيين عن قلقهم إزاء ارتفاع أسعار الوقود، فيما أبدى 71 في المئة قلقهم من إصابة جنود أمريكيين أو مقتلهم. وبذلك لم تعد تكلفة الحرب مقتصرة على الميزانية العسكرية أو حسابات السياسة الخارجية، بل أصبحت قضية ملموسة تمس الأوضاع المعيشية للأسر الأمريكية.
ويرتبط رفض الحرب أيضاً بالانقسام السياسي داخل الولايات المتحدة. فقد أظهر استطلاع «ذي إيكونوميست» و«يوغوف» في يوليو أن 63 في المئة من الجمهوريين يرون أن قرار الدخول في الحرب كان صائباً، مقابل 16 في المئة اعتبروه خاطئاً. وفي المقابل، لم تتجاوز نسبة الديمقراطيين الذين اعتبروا القرار صائباً 5 في المئة، بينما عارضه 89 في المئة منهم.
أما بين المستقلين، فقد بلغت نسبة المعارضين 65 في المئة، مقابل 13 في المئة فقط من المؤيدين. وحتى داخل المعسكر الجمهوري، لم يكن التأييد موحداً؛ إذ أيد 77 في المئة من الجمهوريين المؤيدين لحركة «ماغا» قرار الحرب، في حين اعتبر 51 في المئة من الجمهوريين غير المنتمين إلى هذا التيار أن القرار خاطئ.
وبالتالي، فإن تأييد العملية لم يتحول إلى إجماع حزبي واسع، بل ظل متركزاً في قطاعات من القاعدة السياسية لترامب.
وتؤكد البيانات الأحدث استمرار هذا الانقسام؛ إذ أظهر متوسط استطلاعات الرأي المجمعة في «سيلفر بوليتن» بتاريخ 6 نوفمبر أن نسبة تأييد الحرب بلغت 36 في المئة، مقابل 57 في المئة يعارضونها.
كما أظهر استطلاع لمركز بيو نُشر في 8 أكتوبر أن 65 في المئة من الأمريكيين غير راضين عن طريقة إدارة ترامب للعمليات ضد إيران، مقابل 33 في المئة أعربوا عن رضاهم. ولم تتجاوز نسبة الذين اعتبروا القرار الأولي باستخدام القوة العسكرية صائباً 34 في المئة.
وتشير مجمل هذه البيانات إلى أن مشكلة إدارة ترامب لا تقتصر على تراجع شعبية عملية عسكرية، بل تتعلق بوجود فجوة بين قرارات السياسة الخارجية وتصور المجتمع الأمريكي لضرورة الحرب وأهدافها وتكاليفها.
فالحروب الأمريكية السابقة بدأت عادة بمستويات متفاوتة من التأييد الشعبي، قبل أن تفقد جزءاً كبيراً منه تحت ضغط التكاليف وإطالة أمد المواجهة. أما الحرب على إيران، فقد انطلقت من نقطة مختلفة، دون إجماع شعبي أولي، ومع معارضة تجاوزت التأييد منذ الأيام الأولى.
ومن هذا المنطلق، لا يقتصر التحدي أمام البيت الأبيض على تحقيق الأهداف المعلنة ميدانياً، بل يمتد إلى إقناع مجتمع لا يزال منقسماً بشأن أسباب دخول الولايات المتحدة هذه المواجهة وآفاق إنهائها.
انتهى/

تعليقك