ماذا تعني الاحتجاجات في إيران

اشار المفكر المغربي ادريس هاني في مقال نشره على حسابه بموقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" الى الاحداث الاخيرة في ايران معتبرا ان ان الاحتجاجات في حدود المطالب المشروعة وتحت سقف الوطن واحترام القوانين تنتج دينامية داخل المجتمع بل تحمي الطبقة الوسطى- العمود الفقري للتقدم والتنمية من الاضمحلال.

وفيما يلي نص المقال:

وكالة مهر للأنباء ـــ ادريس هاني : الاحتجاجات في حدود المطالب المشروعة وتحت سقف الوطن واحترام القوانين تنتج دينامية داخل المجتمع بل تحمي الطبقة الوسطى- العمود الفقري للتقدم والتنمية من الاضمحلال-غير أنّه وفي كل حركة احتجاجية توجد ثغرات نتيجة انعدام السيطرة على التنظيم مما يجعلها عرضة للاستعمال من دوائر غير وطنية هي في كل الأحوال تتوفّر على إمكانيات الاستعمال أذكى بكثير من هدير الحركات الاحتجاجية غير المنظّمة..تستعمل هذه الدوائر أساليب شديدة التعقيد لكي تبدو الاحتجاجات في وضع تلقائي بينما تحفر تلك الدوائر في سيكولوجيا المحتج ومسار الاحتجاج في انتظار اللحظة التي يخرج منها عن سياقه وتصبح مطالبه مختلفة..تحجّر الدّولة وفوضوية الاحتجاجات وجهان لعملة واحدة: تقويض موقف العدالة..إرادة الشعوب ليست بالضرورة هي إرادة الفوضوية..هذه الأخيرة تصل أحيانا حدّ الانتهازية: أي تمكين الاستعمار للإطاحة بالنظام بحجة الاستبداد..وهنا مكمن المغالطة التاريخية للفوضوية التي تكفر بكل نظام ما دامت لم تحقق مصلحتها في ظلّه..أي ضرب كل المكتسبات من أجل مقامرة غير آبهة بحسابات الجيوستراتيجيا..قلنا الانتهازية لأنّها تحاول أن تطيح حتى بمكتسبات أغلبية الشعب..المفاهيم الطاغية على الفوضوية غارقة في المثاليات الفارغة وهي فعل لا نهائي حيث لو لا وجود تدافع تاريخي لكانت الاحتجاجات تقوم في دنيا المجتمعات للمطالبة بالأطروحة ونقيضها..

الاستهتار بالكيانات يرافقه شعور بالمصالح الشخصية أي تنامي النزعة الأنانية والعودة بالاجتماع السياسي إلى ما قبل عهد العقد الاجتماعي...الاحتجاجات التقدمية تهدف إلى حماية مجتمع ومصالحه..وتبدأ مؤشرات الانحراف في طبيعة الشعارات التي تتسلل إلى قلب الحركة الاحتجاجية..شعارات تتهدد الأمن القومي للدول أو تكشف عن مخزون عنصري أو تأخذ منحى فوضويا..ويبدو الجسم الاحتجاجي هشّا أمام الفيروس الفوضوي..أي أنّه يسلك مسلكا لادولتيا ويستهتر بمكتسبات الاجتماع السياسي..وتسعى دول كثيرة لاستعمال الشارع في بلدان أخرى بديلا عن التّدخل العسكري..شكل من القوة الناعمة للإطاحة بتلك الكيانات..وإذا ما نجحت تلك الخطط تكون هي الشرط الموضوعي لإنهاء الاحتجاجات وتدمير الكيانات، وبينما تكون المطالب محدودة في قطاعات تنشد تحسين أوضاع ما فوق الفقر تصبح المطالب في زمن الخراب تنشد ضروريات تحت خطّ الفقر..ليس كل نظام يمكن إسقاطه بالاحتجاجات كما أنه ليس كل نظام لا توجد فيه احتجاجات يعني أنه نظام مستقر..بعض النظم يستحيل أن تظهر فيها احتجاجات لأنها لا تتحمّل ذلك نظرا لهشاشتها السياسية وغياب الدستور..بينما تتحمل دول أخرى الاحتجاجات مادامت في حدود الدستور..وفي المثال الإيراني هناك من يريد للاحتجاجات أن تكون خارج القانون، يخلطون بين الحق في المطالب الاجتماعية وبين الحق في حماية الدولة والمجتمع..التحليل الكيدي لما يجري في إيران يتجاوز الواقع والموضوعية ويصبح جزء من حرب إعلامية مفضوحة..

جربت المنطقة العربية كلها حراكا احتجاجيا، فلم يصبح الاحتجاج في إيران ثورة، بينما ملايين من الشعب الإيراني لا زالت على عهد ثورتها؟ ينسى المحلل الكيدي نفسه فتراه يخلط بين تمنّياته وتحليلاته، فيصبح التحليل أمنية وحلم يقظة يمتح منطقه من سويداء قلب متورّم بالكراهية والحقد والاصطفاف..من داخل مزارع سياسية لا تتوفر على دستور ينطلق زعيق متشعبط في مفاهيم الديمقراطية التي أطلق ضدها جراد التطرف الذي عاث في الأرض إرهابا..في إيران لازالت الدولة تقوم بواجبها في الإنفاق الاجتماعي..تعليم متقدم..والصحة متقدمة..والصناعة متطورة ..والزراعة قوية..اكتفاء ذاتي في كل المناحي..بعض الفوضويين في إيران لن يفهموا ما معنى الاكتفاء الذاتي لأنّ همّهم ليس حريّة أن تقول: طز في الإمبريالية بل همهم رقصة التويست على مواجع المنطقة..أسميها احتجاجات ما فوق الفقر وليس ما تحت الفقر..كل احتجاج يسعى لإضعاف دولة مقاومة هو تفاهة غير محل إجماع..لكن مقابل ذلك فإنّ الحراك المطلبي مطالب بحماية نفسه من الفوضى، من التسلل، من الشعارات الخاطئة، من هذيان الفوضية الذي ينتهي إلى كيدية الاستعمال..شرعية النظام أكبر من أن يحدد مصيرها حفنة ممن تطالب بتحسين وضعيتها..هذا أمر يقع حتى في أوربا..

لم يحتج الإيرانيون كلهم بل فقط شريحة تطالب ببعض المطالب الاجتماعية..وهذا طبيعي حين يكون هناك من ضاعت ودائعه في بنك خاص وهو يطالب الدولة بالتدخل..بينما قسم يتربّص بأي حادثة لكي يركبه في اتجاه يخدم أجندة معروفة سلفا..شعب يريد الحرية وتؤطره منظّمة إرهابية أمطرت المجتمع الإيراني بالصواريخ وفي كل منعطف يتهدد الأمن القومي الإيراني تجد مقاتلي خلق بمثابة الطابور الخامس..معارضة تستعمل الدبابات والصواريخ والاغتيالات والتفجيرات ضد المجتمع، وتنادي بالحرية والوعد ببيع إيران إلى تل أبيب..

في حين هناك من يجد فرصة لتصريف شعارات ليست محل إجماع الشعب الإيراني ولكنه منطق الاحتجاجات وفوضاها أيضا..كما لم تكن احتجاجاتهم من أجل دستور أو انتخابات أو من أجل حقوق المرأة أو تحسين جودة التعليم أو التقدم العلمي والتقني حيث يتوفقون على مدن الملح، بل كانت مطالب اجتماعية لأنّ الشعب الإيراني يتطور باستمرار ومطالبه تتطور باستمرار..بعض العرب الذين لا يملكون دستورا ولا تقاليد في الانتخابات ويطبقون على شعوبهم حدّ الموت ليسوا في الوضع المناسب ليتحدثوا عن تحرر الشعب الإيراني الذي يتدفّق بسيجيا في ساحات الشرف والحرية والكرامة..البسيج وحده تظاهرة مستدامة في إيران وهو من شباب يؤمن بأهمية نظامه وقوة كيانه..هؤلاء لا ينظرون إلى الوجه الآخر للشعب الإيراني الذي تمثّله فئات واسعة من المواطنين الذين هم على استعداد كامل للدفاع عن نظام تعاديه الإمبريالية وأعوانها فقط لمواقفه الإستراتيجية وانخراطه كمحور أساسي في المقاومة..كل شيء في إيران لا يعجبهم لأنّ كل شيء في إيران مسخّر للمقاومة ومواجهة المشروع الأمريكي والصهيوني في المنطقة..بقدر حبهم لإسرائيل سيكرهون إيران ويصفقون حتى لمعارضتها الإرهابية التي تبدوا هذه الأيام في حالة استنفار عبثا..حركة النفاق في هذه الأمة تبدأ من وكر الأعراب حتى منافقي خلق..العقبة الكؤود التي حالت دون تصفية القضية الفلسطينية..التي أفشلت ربيع أوباما وصيف ترامب..التي ساندت أحرار العرب في قضاياهم العادلة..مع أنّنا مطمئنون إلى أنّ الحدث عارض وهو أقلّ من وقع السيناريوهات التي تطبخ في جماجم الطابور الخامس لمحاور الإمبريالية في المنطقة..فإنّنا نلاحظ المفارقة تحيط بالمكان..الاحتجاجات في البحرين طائفية لكنها في إيران مشروعة..بكل الحسابات عبر قاعدة الثلاثة تضعنا أمام المغالطة التضامنية للنفاق العربي..موقفنا كان واضحا وعلى درجة من الاستقامة: رفض تسليم مكتسبات الأمة وكياناتها للاستعمار وإضعاف الجيوش العربية والإسلامية لصالح المشروع الإمبريالي..بينما من خالفنا يتشقلب على طول المشوار..باء تجرّ هنا وباء لا تجرّ هناك..والثابت الوحيد في المعادلة هو الاصطفاف المبني على الارتزاق لا على المبدأ..تحوّل قادة الرجعية إلى قادة تحرر وطني بعد أن عادوا من حائط المبكى مطبّعين..أصبحوا مثالا لغيفارا أبو "عكال"..بقدر الهرولة إلى تل ابيب يبدو التطاول على طهران هواية من لا هواية له..الحاكمون في إيران أغلبيتهم درسوا السياسة والقانون في معاهد وجامعات بريطانية وأمريكية ويأتي "زعطوط" من مداشرنا يسميهم حكم ملالي بينما جاء بهم الشعب إلى سدة الحكم..والشعب الذي جاء بهم هو في وضعية صفر أمية..وفي السياسة هو على درجة عالية من اليقظة..إيران لا تقاوم العالم بعبيد بل بأحرار..بشعب حيّ..لا شيء في إيران من دون انتخاب..مستوى العيش والذوق والثقافة هناك يفوق ما عليه الوضع في بلدان عربية كثيرة..في سلك الدولة يوجد أطر بكفاءة دولية وخبراء في القانون والسياسة والاقتصاد والاستراتيجيا لا يوجد له مثال في دول أخرى، لكن اللسان الطويل للجهل لا يبقي ولا يذر..إنهم مرضوا مرضا إسمه الإيرانو-بلهارسيا أو التيفويد الإيراني القاتل للضمير والعقل وحتى الأذواق..هل قدر العقل العربي السياسي أن لا يتحرر من تبعات حرب الخليج من المبتدأ إلى الخبر؟ 

من ذاك المدشر الصغير يطلّ عليك فرفر استراتيجي يدوّر المصطلحات ويقدم خلاصة رؤية لمستقبل بلد يتوفّر على آلاف الكفاءات في علوم يعلمها وفي علوم لا يعلمها ولم يسمع بها أحد من مداشرنا..في بيئة فاقدة للحياء والمنطق وكثر فيها الغوغاء وبات القول فيها خفيفا كالهواء يكون من السهل أن تتغذّى فيه هذه المقولات المكررة على أمّية الناس وجهلهم وسذاجتهم، فالذين يعملون ليل نهار على تحريف الوعي هم أنفسهم ضد الشعوب لأنهم يستثمرون في جهل الناس، ويتلقون مقابل زعيقهم الإيرانوفوبي محسّنات من بديع التملّق ومحسنات أخرى من غليظ الأغلفة المالية-كاش من صناديق سوداء من سفارات غيفارا أبو "عكال".."مشاش الزّبّالة" كثروا في مسرح التحليل السياسي..

لنتخيّل سيناريو افتراضيا مما يحلم به بنو قينقاع..هب أنّ تلك الشعارات التي تدعوا إلى وقف دعم القضايا العربية ولا سيما فلسطين وإنهاء هذا النظام والمجيئ ببديل من البهلويات أو من سلطعون خلق قد نجحت..لنتخيل ما الذي يجري: الغرب كله يتحول إلى إيران المحور الإمبريالي الجديد..التخلي الفوري عن محاور مدن الملح لأنها هشّة،حقيرة، محميات لا دستور لها..سمنح إيران حينئذ الصلاحية الكاملة لفرك آذان بني كلاب. والتخطيط لربيع تذوب معه آخر أكواخ مدن الملح...تهرول القبائل العربية لتقديم الولاء والطاعة وتقبيل أقدام التاج الإيراني الجديد..تحويل إيران في الصناعة إلى ما يفوق كوريا الجنوبية..تحول الميديا الغربية وميديا العبيد الأعراب إلى محطّات للتمجيد بفارس..سيصبح كل قول من طهران إشراقة وروح وريحان ينزل عذبا رضيّا على العقول..سيتحوّل يومئد العبيد الأعراب إلى المجوسية باعتبارها ديانة إيرانية قديمة:ديانة إيران في عهد سابور الذي كان يخلع أكتاف بعض الأعراب..يومها فقط سيدرك أحرار العرب أنّ إيران اليوم بوضعها اليوم هي عمقهم الاستراتيجي والأفضل لهم من أي خيار يطلبونه..إسرائيل تتمنّى ذلك الوضع الآخر..الكيديون من الأعراب..ترامب رأس" لكبالة" -الذرى - والمرجفون.. لا يوجد حليف للعرب غير هؤلاء الذين يسمّيهم أولاد مداشرنا بالملالي لأنهم ألفوا تاريخا طويلا من استكبار فارس..فلغة المستضعفين في الأرض لم يأنسوا بها..قسم من تلك الشعارات التي رفعت في الاحتجاجات تدعوا إلى أن تتخلّى إيران عن محيطها العربي، وكسر الحصار بوضع اليد مع الغرب ضدّ العرب وقضاياهم..إيران حالت دون تقطيع المقطع من البلاد العربية..أفشلت سايكس بيكو جديد..عرقلت سياسة تصفية القضية الفلسطينية..منعت التقسيم في العراق وفي سوريا..فعلت أفاعيل كثيرة أزعجت روما وقريش..من الطبيعي أن تكون احتجاجات إيران نهاية لنظامها، وصناعتها مجرد خردة، وتقدمها الصناعي مجرد أوهام، وسياساتها مجرد خداع، وكفاحها تآمر، وإسلامها مجوسي، ونظامها ملالي، وديمقراطيتها استبداد، وشعبها حين يثور على الإمبريالية فهو صفوي وحين يحتجّ ضد العطالة فهو شعب حر ضد الدولة..ودائما يصبح أولاد مداشرنا كلهم جون جاك روسو ومونتسكيو..كلهم قادة فكر حرّ: أرأيت مزرعة البصل..

لكن كل هذه أوهام..هناك نظام مبنيّ على أرضية صلبة وله قضايا تخص التدبير يسوسها مع شعبه ونتمنى لهم الرغد والعيش الكريم، وللغوغاء كفّ عفريت على قفاهم...

رمز الخبر 1879775

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • 2 + 7 =