مَـنْـطِـقُ الـطَّـيْـر

یصادف يوم 14 ابریل في التقویم الایراني یوم تکریم ذکرى الشاعر الايراني الكبير الشیخ فرید الدین العطار النیشابوري الذي ولد في مدينة نيسابور في إيران، وأمضى به 13 عاماً من طفولته، التزم فيها ضريح الإمام الرضا علیه السلام ثم أكثر بعد ذلك من الترحال، فزار الري والكوفة ومصر ودمشق ومكة ومدينة والهند.

وکالة مهر للأنباء _ محمود الزيباوي: صاغ كبارُ الشعراء الفرس الكثيرَ من المنظومات البديعة، أشهرها على الإطلاق منظومة منطق الطير لفريد الدين العطار. عاش صاحبُها بين القرنين الثاني عشر والثالث عشر، وألَّف أعمالاً عديدة، قيل إن عددها مساوٍ لعدد سور القرآن الكريم؛ إلا أن هذا العدد يبقى رمزيًّا. وقد أحصى البحاثة المختصون الكثير من أسماء الكتب التي نُسِبَتْ إلى الشاعر النيسابوري؛ لكن الثابت أن الأعمال الصحيحةَ النَّسَبِ إليه تسعةُ كتب تُعتبَر من قمم الأدب الروحاني العالمي. أعظم هذه الأعمال وأكثرها ذيوعًا كتاب منطق الطير؛ وهو منظومة شعرية صوفية رمزية، فاق عددُ أبياتها الأربعة آلاف وستمائة بيت، محورُها رحلةٌ طويلة تقوم بها الطيور المختلفة بقيادة الهدهد بحثًا عن سلطان لها هو السيمُرغ. وفي هذه المنظومة التي تضج بالرموز، ترمز الطيور إلى سالكي الطريق إلى الحضرة الإلهية،  فيما يرمز الهدهد إلى شيخ المريدين؛ أما السيمُرغ المنشود فهو

 [...] السلطان المطلق الدائم، ومائة ألف عالَم، مليئة بالجُند والحَشَم، ليست إلا نملة على باب هذا السلطان الأعظم [...]. (ص 417)

تكلَّم القرآن الكريم على تسبيح الكائنات لله في العديد من آياته: فقد جاء في سورة النور: 

ألم ترَ أن الله يسبِّح له مَن في السماوات والأرض والطير صافَّاتٍ كلٌّ قد عَلِمَ صلاتَه وتسبيحَه والله عليم بما يفعلون. (الآية 41)

وقد جاء في تفسير الجلالين تفسيرًا لهذه الآية: 

{ألم ترَ أن الله يسبِّح له مَن في السماوات والأرض} ومن التسبيح صلاة {والطير} جمع طائر، بين السماء والأرض {صافَّاتٍ} حال، باسطاتٍ أجنحتهنَّ {كلٌّ قد عَلِمَ} الله {صلاتَه وتسبيحَه والله عليم بما يفعلون} فيه تغليب العاقل.

في هذا المعنى، كتب الفيض الكاشاني في تفسير الصافي:

 قال بعض أهل المعرفة: "خلق الله الخلقَ ليسبِّحوه: فنُطقُهم بالتسبيح له والثناء عليه والسجود له."

وقبله، شرح ابن كثير في تفسيره: 

وقوله تعالى {والطير صافَّاتٍ} أي في حال طيرانها تسبِّح ربَّها وتعبده بتسبيحٍ ألهمَها وأرشدَها إليه، وهو يعلم ما هي فاعلة. ولهذا قال تعالى {كلٌّ قد عَلِمَ صلاتَه وتسبيحَه}، أي كلٌّ قد أرشده إلى طريقته ومسلكه في عبادة الله عزَّ وجل.

وفي رسالة الطير، طار ابن سينا مع الطير، وأيقن أن الطريق محفوف بالصيادين الذين يكمنون للطير لاقتناصها في شباكهم. إلا أن الطيور التي تجرَّدت من الأهواء حلَّقت عاليًا وعبرت ثمانية جبال، شوقًا منها إلى الوصول إلى المليك الذي يحرِّرها من شباك النفس الأمارة ورغائبها.

وفي نصٍّ مختصر حمل العنوان نفسه، تحدث أبو حامد الغزالي عن أصناف من الطيور أرادت أن يكون لها ملك، وأجمعت أن العنقاء وحدها دون سواها تصلح لهذا الشأن. وقد استولى سلطانُ الشوق على هذه الطيور، على الرغم من نداء الغيب الذي صعد من وراء الحُجُب محذِّرًا: "ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة" (البقرة 195)، فتركوا الأوكار وعبروا الجبال والبحار، وتعرَّضوا لأقسى المحن،

[...] فهلك مَن كان من بلاد الحرِّ في بلاد البرد، ومات مَن كان من بلاد البرد في بلاد الحر، وتصرفتْ فيهم الصواعق، وتحكَّمتْ عليهم العواصف، حتى خلصتْ منهم شرذمةٌ قليلة إلى جزيرة الملك. (ص 68)

قضى بعض من الطيور في طريق هجرته إلى الملك، فوقع أجرُهم على الخالق، وهم أحياء "قُتِلوا في سبيل الله" (آل عمران 169). وحظي الذين وصلوا إلى الجزيرة المنشودة بكمال العناية،

[...] فاطمأنوا وسكنوا واستقبلوا حقائق اليقين بدقائق التمكين، وفارقوا بدوام الطمأنينة إمكان التلوين. (ص 69)

القريب والبعيد

انطلق فريد الدين العطار، على ما يذهب المستشرق ريتَّر، من رسالة الطير التي وضعها الغزالي، وصاغ ملحمته الشعرية الطويلة التي أضحت دالَّة على اسم مؤلِّفها. خرجت هذه الملحمة الفريدة بعنوان منطق الطير؛ وقد استعار العطار هذا التعبير من سورة النمل:

وورث سليمان داوود وقال: يا أيها الناس عُلِّمنا منطق الطير وأوتينا من كلِّ شيء إن هذا لهو الفضل المبين. (الآية 16)

ونجد في هذه السورة القرآنية حديثًا عن نملة تنطق وتقول:

يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنَّكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون. (الآية 18)

كذلك، يتحدث الهدهد في السورة نفسها عن ملكة سبأ في كلامه إلى النبي سليمان:

أحطتُ بما لم تُحِطْ به وجئتك من سبأ بنبأ يقين. (الآية 22)

وفقًا للتقليد الأدبي الفارسي، استهلَّ العطار كتابَه بالمناجاة، ثم أشاد بمناقب الخلفاء الأربعة الراشدين بعدما مَدَحَ الرسول؛ ثم ذمَّ الشاعرُ تعصُّب أهل السنة والشيعة، ثم أردف بقول في شهادة علي المرتضى، ثم بحديث للنبي، إلى أن ختم مقدمته بالقول في شفاعة النبي من أجل أمَّته.

جاءت منظومة منطق الطير في قالب قصصي مُحْكَم يتألف من 45 مقالة على لسان الطيور، تتخلَّلها مجموعةٌ من 182 حكاية، تختلف طولاً وقصرًا. في هذه القصص، التي توزَّعت تبعًا للمسائل التي تثيرها حواراتُ الطيور، نلتقي بالكثير من الأنبياء والأولياء، والحلاج، رابعة العدوية، إبراهيم بن أدهم، مجنون ليلى، هيپوقراطس المعروف ب"بقراط"، أرسطاطاليس (أرسطو) وتلميذه الإسكندر الذي "مات في طريق الدين".

جاءت منظومة منطق الطير في قالب قصصي مُحْكَم يتألف من خمس وأربعين مقالة على لسان الطيور، تتخلَّلها مجموعةٌ من مائة وإحدى وثمانين حكاية، تختلف طولاً وقصرًا. في هذه القصص، التي توزَّعت تبعًا للمسائل التي تثيرها حواراتُ الطيور، نلتقي بالكثير من الأنبياء والأولياء، ومنهم: إبراهيم، يعقوب، يوسف، موسى، داوود، سليمان، عيسى، الحلاج، رابعة العدوية، إبراهيم بن أدهم، مجنون ليلى، هيپوقراطس ("أبو الطب"، الذي عُرِفَ في التراث الإسلامي باسم "بقراط")، أرسطاطاليس (أرسطو) وتلميذه الإسكندر الذي "مات في طريق الدين" (ص 436).

عرفتْ منطق الطير شهرةً واسعة تخطَّتْ بسرعة حدود العالم الفارسي، ونُقِلَتْ إلى الأُردية والتركية، قبل أن تُترجَم إلى الفرنسية والأسوجية والإنكليزية. وقد وصل هذا الأثر في مرحلة متأخرة إلى العالم العربي في ترجمة متقنة بقلم بديع محمد جمعة، صدرت في القاهرة (1975)، ثم في بيروت (1979).

تبدأ الحكاية باجتماع الطيور التي رغبت في اختيار ملك عليها. وينبري الهدهد ليخبرها أنْ ليس لها من ملك سوى ذلك المقيم خلف جبل قاف:

[...] اسمه السيمُرغ ملك الطيور، وهو منَّا قريب، ونحن منه جد بعيدين. مقرُّه يعلو شجرةً عظيمة الارتفاع، ولا يكف أي لسان عن ترداد اسمه. تكتنفه مئات الألوف من الحُجُب، بعضها من نور، وبعضها من ظلمة، وليس لفرد في كلا العالمَين مقدرة حتى يحيط بشيء من كنهه. إنه الملك المطلق، المستغرق دائمًا في كمال العزة. ولكن كيف يطير الفهم إلى حيث يوجد؟ وكيف يصل العلم والعقل إلى حيث يقيم؟ لا طريق إليه، حتى وإنْ كَثُرَ المشتاقون من الخلق إليه. وإذا كان وصفه بعيدًا عن فعل الروح الطاهرة نفسها، فليس للعقل قدرةٌ على إدراكه. فلا جرم أن يحار العقل، كما أن الروح تحار عن إدراك صفاته، وهكذا تعمى الأبصار [...]. (ص 185-186)

شهادة هدهد الحکیم علی صعوبة الوصول الی السیمرغ

يشدِّد الهدهد الحكيم على صعوبة الوصول إلى السيمُرغ، وينذر الطيور بأنها ستعاني مشقاتٍ قاسيةً ومكابداتٍ عسيرةً قبل الوصول إلى الجمال المطلق والحقيقة التي لا زيف فيها. وعند سماعها حديث الهدهد عن أهوال الرحلة، تحاول بعض الطيور أن تنسحب، وينبري كلٌّ من البلبل والببغاء والطاووس والبطة والحجلة والهما والصقر ومالك الحزين والبومة والصعوة لذكر أعذاره للعدول عن المضيِّ قُدُمًا في هذا الطريق. وتجتمع الأصوات كلُّها في المقالة الثالثة عشرة لتسأل الهدهد:

يا مَن له السبَق في سلوك الطريق، ويا مَن بلغ أوج العظمة والتوفيق، نحن حفنة من الضعفاء والعجزة، وقد عدمنا الريش والجناح والجسد والمقدرة. أنَّى لنا أن نصل إلى السيمُرغ ذي القَدْر الرفيع؟ (ص 211)

وجواب الطائر الحكيم:

[...] أيها المساكين، إلامَ هذا الجهل؟ حقًّا، لا يستقيم العشق وسوء النية! كلُّ مَن له في الطريق عينٌ مبصرة قد أقبل فرحًا وللروح ناثرًا. ولتعلم أنه عندما رفع السيمُرغ النقابَ بدا وجهُه كالشمس مشرقًا، وألقى بمئات الألوف من ظلال الأرض. وهنا أدرك البصر ظلاً محضًا. وما إن نثر ظلَّه على العالم حتى كانت تلك الطيور العديدة التي تبدو كلَّ لحظة. فصورة طير العالم جميعها ما هي إلا ظلُّه [...]. (ص 212)

الأودية السبعة

تختار الطيور الهدهدَ مرشدًا لها، وتطرح عليه السؤال تلو السؤال حول الرحلة العرفانية وأحوالها. وتبدو إجابات الطائر العارف أشبه بالإرشادات الروحية في التجرد من كلِّ ما هو دنيوي ومادي. وتأخذ هذه الإرشادات طابعًا حيًّا عِبْرَ قصص كثيرة تتحدث عمَّن ذاق حلاوة الوصال وبات شهيدًا للعشق الإلهي. يبلغ هذا الإرشاد الذروة في نهاية المقالة الثامنة والثلاثين، حيث يذكر الشاعر، على لسان طائره، الأودية السبعة التي تفصل بين الطيور والأعتاب العليَّة، وهي: وادي الطلب، وادي العشق، وادي المعرفة، وادي الاستغناء عن الصفة، وادي التوحيد المحض، وادي الحيرة الصعب، ووادي الفقر والفناء:

[...] وبعد ذلك لن يكون لك سلوكٌ بالطريق. فإن تدركْ نهايتَه، يتلاشَ مسيرُك، وإن تكن لك قطرةُ ماء، فإنها تصبح بحرًا خضمًّا. (ص 358)

أصغت الطيور إلى الهدهد، ومضت في المسير والطيران نحو ملكها. وقضى عدد كبير منها في هذا الطريق الشاق: منها مَن غرق، ومنها مَن أسلم الروح عطشًا، ومنها مَن اختنق حَرًّا، ومنها مَن أحرقه وهجُ الشمس. وتوقف الكثير ممَّن دهمه التخلف والهجران في طريقه، فلزم كلٌّ منهم مكانَه وكفَّ عن الطلب. ولم ينجح في الوصول إلى الجبل المنشود إلا ثلاثون طائرًا، فقدوا ريشهم وباتوا "محطَّمي القلوب، فاقدي الأرواح، سقيمي الأجساد" (ص 416).

ولعدد 30 في منطق الطير دلالة عميقة: فهو، بلغة النصِّ الفارسي، سي مُرغ، واسم الملك سيمُرغ. وفي هذا الجناس تعبير عن مبدأ وحدة الشهود الذي تقوم عليه تحفةُ العطار.

لم ترَ الطيور الثلاثون المنهكة شيئًا من جلال الحضرة الإلهية في بادئ الأمر، تمامًا كما لم يتعرف أبناء يعقوب إلى أخيهم يوسف الحَسَن حين جاؤوا إلى مصر طلبًا للخبز. وحين استولى اليأس والحسرة على نفوسهم، هتف بهم حاجبُ الحضرة، فاشتعلت نارُ الشوق في قلوبهم من جديد، فعادوا عبيدًا للروح، وتملَّكتْهم حيرةٌ لم يعرفوها من قبل. وحين أضاءت شمسُ القربة من جباههم، رأوا أن السيمُرغ هو الثلاثون طائرًا، كلما نظروا في اتجاهه

[...] كان نفسه الثلاثين طائرًا في ذلك المكان، وكلما نظروا إلى أنفسهم، كان الثلاثون طائرًا هم ذلك الشيء الآخر. فإذا نظروا إلى كلا الطرفين، كان كلٌّ منهما هو السيمُرغ بلا زيادة ولا نقصان. فهذا هو ذاك، وذاك هو هذا. وما سمع أحدٌ قط في العالم بمثل هذا. (ص 421)

فعلى عكس طيور ابن سينا التي عادت أدراجها بعدما حظيت بلقاء الملك، لم تعد طيور العطار من رحلتها بعدما تجلَّتْ بنور الحضرة: فقد فنيت في الذات الإلهية، ولم يعد لها من وجود خارج هذا الفناء، وامَّحت فيه على الدوام "كما ينمحي الظل في الشمس" (ص 422).

ويقول العطار في الخاتمة:

كنت أتكلم ماداموا يسلكون. ولكن ما إن وصلوا، حتى لم يعد للقول بداية ولا نهاية. فلا جرم أنْ نَضَبَ معينُ الكلام هنا، حيث فني السالكُ والمرشدُ والطريق. (ص 422)

الفناء والبقاء

ألهمتْ منظومةُ منطق الطير الكثير من الفنانين على كرِّ العصور. إلا أن المنمنمات التي رافقت بعضًا من نُسَخِها تبقى أقرب هذه الأعمال الفنية إلى هذا الأثر الخالد. ففي منمنمة من مخطوطة أُنجِزَت في العام 1456 – وهي من محفوظات مكتبة برلين – يظهر الهدهد أمام جَمْع مؤلَّف من عشرة طيور في صورة تختزل المقالة الأولى من منطق الطير.

ألهمتْ منظومةُ منطق الطير الكثير من الفنانين على كرِّ العصور. إلا أن المنمنمات التي رافقت بعضًا من نُسَخِها تبقى أقرب هذه الأعمال الفنية إلى هذا الأثر الخالد. ففي منمنمة من مخطوطة أُنجِزَت في العام 1456 – وهي من محفوظات مكتبة برلين – يظهر الهدهد أمام جَمْع مؤلَّف من عشرة طيور في صورة تختزل المقالة الأولى من منطق الطير.

يتكرر المشهد، في حلَّة جديدة، في منمنمة من أصفهان بتوقيع الرسام حبيب الله. في هذه اللوحة يبلغ فن التصوير الإسلامي الفارسي الذروة، وتبدو الحديقة التي شهدت اجتماع الطيور كأنها جنة من جنات عدن. في الجزء الأعلى من التكوين، نرى صيادًا يحدِّق من وراء الصخر في الطيور، رافعًا يده نحو فمه في حركة ترمز إلى الدهشة، فيما يقف الهدهد في ثبات على صخرة صغيرة، والعيون كلُّها متجهة صوبه.

والهدهد هو المرشد والهادي والحكيم، وقد قال الرسول فيه:

لا تقتلوا الهدهد فإنه كان دليل سليمان على قرب الماء وبُعده، وأحبَّ أن يعبد الله ولا يُشرِك به شيئًا في أقطار الأرض،

بحسب ما نقله القزويني في عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات.

وفي مخطوطة من محفوظات المكتبة البريطانية (تعود إلى نهاية القرن الخامس عشر، مصدرها على الأرجح هراة)، يظهر الهدهد في وضعية مماثلة أمام طاووس يتقدم رافعًا قائمته اليسرى في اتجاهه.

منمنمة من مخطوطة هراة (نهاية القرن 15، المكتبة البريطانية).

ونقرأ في مطلع المقالة الخامسة الخاصة بعذر الطاووس:

بعد ذلك، أقبل الطاووس في حلَّة ذهبية، وازدان كلُّ جناح بألف لون. جاء كأنه عروس يوم الجَلْوة، وكل ريشة منه مجلوَّة. (ص 193)

يتقدم أحسن الطيور جمالاً من المرشد، ويسأله أن يعذره عن السفر: فهو ليس من الآملين بالسلطان. يجيبه الهدهد:

يا مَن ضللتَ الطريق بفعل نفسك، إن كلَّ ما تريده هو منزل ذلك السلطان. فلتقلْ: تقدم قريبًا منه. (ص 193)

في صفحة أخرى من مخطوطة مكتبة برلين، نشاهد طيرًا عظيمًا يفتح جناحيه وسط نيران محرقة كبيرة أمام جمع من الحيوانات المتوحشة والأليفة التي اجتمعت من حوله، تحت سماء ذهبية تعبُرها طيورٌ تحني رأسَها لتراقب هذا المشهد الغريب.

تجسِّد المنمنمة حكايةً من الحكايات التي جاءت بعد حديث أحد الطيور عن الموت الذي يُرهِبُ قلبَه ويمنعه من خوض السفر (ص 291). يحكي الراوي قصة "الققنس النادر الجذاب"، رديف طائر الفينيق الشهير. ويمتاز هذا الققنس بمنقاره الصلب الطويل الذي يشبه الناي:

[...] ففيه ما يقرب من مائة ثقب وفتحة [...]. فإن يَنُحْ بكلِّ الثقوب متأوهًا يُفقِدُ السمكَ والطيرَ راحتَها واستقرارَها، ويسيطر الصمتُ على جميع الطيور، وتصبح إزاء صوته فاقدة الشعور. (ص 292)

ناهز هذا الطير، الذي شابه بعزفه أورفيوس، عمر الألف سنة، فشعر بدنوِّ أجَله، فجمع حوله من الحطب مائة كومة، ثم وقف ينوح وسطها مرتعدًا من رهبة الموت:

وأعجب الأيام يومُه: فهو ينزف دمًا من آلام قلبه. وعندما يصل عمرُه إلى آخر زفرة، يرفرف بجناحيه إلى الأمام والخلف، وتتطاير النارُ من جناحه. بعد ذلك تصبح النار كلَّ حاله. وسرعان ما تسقط النارُ في الحطب، فتحرق حطبَه وهو في قمة السرور. ويصبح الطائر والحطب كلاهما جمرةً من نار، ثم تتحول الجمرة بعد ذلك إلى رماد. وما إن يختفي كلُّ شيء، حتى يبدو الققنس طالعًا من الرماد. إن النار تحيل الحطب رمادًا، فكيف يعاود الققنس الظهور بين الرماد؟ (ص 292-293)

يجيب فريد الدين العطار عن هذا السؤال في نهاية منظومته: وصلت الطيور الثلاثون إلى البقاء بعدما أسلمتْ نفسها إلى الفناء الكلِّي،

[...] وليس لأحد قط من المحدَثين أو القدماء أن يتحدث عن ذلك الفناء وذلك البقاء. وهذا الأمر بعيد عندك عن مجال النظر، لأن شرحه بعيد عن الوصف والخبر. ولكن في طريق مثل طريق أصحابنا هل يمكن شرح البقاء بعد الفناء؟ وأين يمكن إتمام ذلك؟ إن هذا يلزمه كتاب جديد. ولكن مَن ذا الذي يدرك أسرار البقاء؟ ومن ذا يكون جديرًا بها؟ (ص 423)

/انتهی/

رمز الخبر 1913604

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • 3 + 3 =