وكالة مهر للأنباء: هذه العبارة، وإن صدرت عن معارضة في المنفى، إلا أنها تعكس مشروعاً أوسع نطاقاً: مشروع إعادة تشكيل نظام الشرق الأوسط من قِبل الولايات المتحدة وإسرائيل. وتكتسب هذه الكلمات أهمية أكبر عندما نعلم أن إشارته المباشرة إلى انضمام قطر إلى "اتفاقيات إبراهيم" تأتي في إطار يهدف إلى تطبيع العلاقات بين الدول العربية وإسرائيل، وتشكيل محور أمني اقتصادي جديد في المنطقة. والسؤال الأهم هو: هل هذا البرنامج مُصمم ضد إيران فقط، أم أنه يشمل المنطقة بأسرها؟
الحيل ليس معارضا في المنفى فحسب
يُعدّ خالد الحيل شخصية ناشطة خارج قطر منذ سنوات، تدعو إلى تغيير النظام السياسي في البلاد. يتهم الحكومة القطرية بدعم الحركات الإسلامية، ويُقدّم نفسه كمدافع عن "الديمقراطية". مع ذلك، فإن نفوذه داخل قطر محدود للغاية، ويقتصر ظهوره في الغالب على وسائل الإعلام الغربية والإسرائيلية.
لكن الأهم ليس الحيل نفسه، بل السياق الذي تُسلّط فيه الأضواء على هذه الأصوات. فقد كان تسليط الضوء على معارضي المغتربين في وسائل الإعلام الغربية جزءًا من نمط ضغط سياسي مُمنهج ضد الحكومات المستقلة في المنطقة لسنوات. وقد لوحظ النمط نفسه في إيران وسوريا، وحتى في العراق في أوقات مختلفة.
مشروع إعادة تشكيل النظام الإقليمي
بدأت مرحلة جديدة من إعادة تشكيل النظام الإقليمي في عام 2020 بتوقيع اتفاقيات إبراهيم. وقد توسطت الإدارة الأمريكية آنذاك في هذه الاتفاقيات، وكان هدفها المعلن "السلام والتعاون"، لكنها في الواقع أرست بنية أمنية جديدة.
في هذه البنية، تُرسّخ إسرائيل مكانتها كلاعب محوري في الأمن الإقليمي، وتتحالف معها الدول العربية المجاورة في مجالات الأمن والتكنولوجيا والاستخبارات. ولا يقتصر هذا الإطار على مواجهة إيران فحسب، بل يهدف إلى إدارة المنطقة بأكملها. من الخليج الفارسي إلى شرق المتوسط.
لا شك أن إيران تُعدّ من الأهداف الرئيسية لهذا المشروع. فبسياساتها الساعية للاستقلال ومعارضتها للهيمنة الغربية في المنطقة، لطالما شكّلت إيران عقبةً جديةً أمام إرساء النظام الذي تنشده واشنطن وتل أبيب. إلا أن تقليل هذا المشروع إلى مجرد "معارضة لإيران" خطأ. فالمسألة الأهم هي تشكيل منطقة لا تستطيع فيها أي قوة مستقلة غير متحالفة مع الغرب أن تلعب دورًا مؤثرًا، سواءً كانت إيران أو قطر أو تركيا أو حتى السعودية إذا انحرفت عن الخطوط القائمة.
لماذا تُعدّ قطر مهمة؟
تُعتبر قطر لاعبًا رئيسيًا في المعادلات الإقليمية نظرًا لموقعها الجيوسياسي، ومواردها الغازية الهائلة، ودورها الإعلامي والسياسي. وقد سعت قطر خلال السنوات الماضية إلى انتهاج سياسة خارجية مستقلة بين إيران والولايات المتحدة وتركيا والفصائل الفلسطينية. ويتعارض هذا الاستقلال مع مشروع التكامل الأمني الإقليمي. لذا، فمن الطبيعي أن تُثار سيناريوهات تغيير سلوكها أو حتى تغيير بنيتها السياسية. وتكتسب كلمات الحيل أهميةً في هذا السياق. يعد بأن قطر ستنضم إلى محور التطبيع "بعد سقوط النظام". وهذا هو النموذج نفسه الذي اتبعته بعض الدول الأخرى في المنطقة.
يقدم مؤيدو اتفاقيات إبراهيم هذه الاتفاقية على أنها مشروع اقتصادي وتنموي، لكن التدقيق يكشف عن بُعدها الأمني الأبرز. فالتعاون الاستخباراتي، وأنظمة الدفاع المشتركة، والتدريبات الإقليمية، وتنسيق مكافحة المقاومة، كلها عناصر أساسية في هذه العملية.
بعبارة أخرى، لا يقتصر الهدف على تبادل السياح ورؤوس الأموال، بل يتعداه إلى إنشاء شبكة أمنية متكاملة، تلعب فيها إسرائيل دور المحور المركزي، وتضطلع الولايات المتحدة بدور الضامن الأمني
تغيير الأنظمة: أداة قديمة
لخطة "تغيير الأنظمة" تاريخ طويل في الشرق الأوسط. فمن العراق إلى ليبيا إلى سوريا، جُرِّبت هذه الفكرة مرارًا وتكرارًا. وفي كثير من الحالات، لم تكن النتيجة استقرارًا، بل زعزعة استقرار واسعة النطاق. والآن، كلما وعدت معارضات الشتات بضم بلدانها إلى النظام الغربي، يبرز التساؤل: هل يُخطط لسيناريو مماثل؟ إذا كان الهدف هو السلام والتنمية فحسب، فلماذا يُصاحب ذلك دائمًا ضغوط وعقوبات وتهديدات عسكرية؟
لطالما اعتبرت الولايات المتحدة أمن إسرائيل أولوية قصوى في سياستها تجاه الشرق الأوسط على مدى العقود الماضية. وأي تغيير في المنطقة، من حروب إلى اتفاقيات، يجب أن يُعزز هذا المبدأ في نهاية المطاف. وفي هذا الإطار، تُعتبر الدولة التي تُطبع علاقاتها مع إسرائيل جزءًا من "بنية أمنية مرغوبة"، بينما تواجه الدولة التي تُعارضها ضغوطًا مُتعددة. لذا، لا تقتصر المشكلة على إيران وحدها، بل إن أي دولة ترفض الانضمام إلى هذا النظام ستتعرض للضغوط. وبالطبع، على الرغم من الضغوط الواسعة، لطالما أثبتت منطقة الشرق الأوسط أنها أكثر تعقيدًا من أن تُوحد بسهولة. تُعيق التنافسات العربية الداخلية، وتضارب المصالح الاقتصادية، والحساسيات التاريخية، تشكيل كتلة متماسكة تمامًا.
حتى أن بعض الدول الموقعة على اتفاقيات أبراهام قد نأت بنفسها عن السياسات الإسرائيلية في منعطفات حاسمة. وهذا يُظهر أن مشروع التكامل يواجه تحديات جسيمة.
الخلاصة: قد تبدو تصريحات خالد الحيل وكأنها موقف شخصي، لكنها في جوهرها ترسم صورة لمستقبل يسعى إليه مُخططوه في واشنطن وتل أبيب منذ سنوات: شرق أوسط مُعاد تشكيله، يتمحور حول إسرائيل، ويتماشى مع السياسات الأمريكية، ويفتقر إلى القوى المستقلة. هذا المشروع ليس مُوجهًا ضد إيران فحسب، بل يشمل أي دولة تخرج عن الإطار المُحدد. إيران في طليعة هذه المواجهة نظرًا لموقفها وسياساتها، لكن القضية الأكبر هي تشكيل نظام يُقيد الاستقلال السياسي والأمني لدول المنطقة. في نهاية المطاف، لا يعتمد مستقبل المنطقة على خطط القوى الأجنبية فحسب، بل أيضاً على إرادة شعوبها وقدرة حكوماتها على تحديد مصالحها المشتركة بمعزل عن الضغوط الخارجية. ويتحقق استقرار الشرق الأوسط عندما يكون أمنه نابعاً من الداخل وقائماً على الحوار بين الدول المتجاورة، لا على التحالفات المفروضة.
تعليقك