٠٧‏/٠٢‏/٢٠٢٦، ٢:١٧ م

حين تُمسك يدٌ أخرى بمقبض الحرب: قصة التأثير الإسرائيلي على قرار الحرب والسلم الأميركي

حين تُمسك يدٌ أخرى بمقبض الحرب: قصة التأثير الإسرائيلي على قرار الحرب والسلم الأميركي

أي تهديد لإسرائيل بأنه تهديد مباشر للأمن القومي الأميركي، ويخلق مناخًا سياسيًا يجعل أي سياسي يريد السلام يبدو "ضعيفًا"، وأي سياسي يريد التصعيد يبدو "وطنيًا".

وكالة مهر للأنباء:أي تهديد لإسرائيل بأنه تهديد مباشر للأمن القومي الأميركي، ويخلق مناخًا سياسيًا يجعل أي سياسي يريد السلام يبدو "ضعيفًا"، وأي سياسي يريد التصعيد يبدو "وطنيًا".
الفصل الأول: "البداية"، كيف تغيّر مركز القرار

في مطلع التسعينيات، عندما انتهت الحرب الباردة ووجدت الولايات المتحدة نفسها القوة الأعظم الوحيدة في العالم، بدا للوهلة الأولى أن واشنطن وحدها ستكتب قواعد النظام الدولي الجديد. كانت طائراتها تحلق فوق الخليج، وأساطيلها تنتشر في البحار، ودبلوماسيوها يجوبون العواصم كحُكّام غير مُعلنين للعالم.

لكن خلف هذا المشهد المهيب، بدأت تتشكّل قصة أخرى أقل وضوحًا، ولم يعد قرار الحرب والسلم يُصنع فقط في البيت الأبيض أو البنتاغون أو وزارة الخارجية. بل صار يُنسج داخل مثلث معقّد:

مراكز أبحاث تموّلها شبكات سياسية متحالفة مع إسرائيل.

لجان في الكونغرس تتبنى سرديات أمنية قادمة من تل أبيب.

غرف عمليات استخبارية مشتركة تجعل التهديدات الإقليمية تُقرأ بعيون إسرائيلية قبل أن تُقرأ بعيون أميركية.

هنا بدأت الحكاية: قوة عظمى تقود العالم، لكن بوصلتها تُعدَّل باستمرار من خارج حدودها.

الفصل الثاني: "اللوبي الصهيوني"، الدولة داخل الدولة

داخل مبنى الكونغرس الأميركي، لا تُسمع أصوات المدافع، لكن تُصاغ الحروب هناك، وعلى مدى عقود، تشكّل نفوذ سياسي شديد التنظيم يعمل بهدوء وفعالية: يضغط لتمرير قوانين عقوبات ضد دول بعينها.

يربط أي تهديد لإسرائيل بأنه تهديد مباشر للأمن القومي الأميركي، ويخلق مناخًا سياسيًا يجعل أي سياسي يريد السلام يبدو "ضعيفًا"، وأي سياسي يريد التصعيد يبدو "وطنيًا".

بمرور الوقت، لم يعد السؤال في واشنطن: ما الذي يخدم المصالح الأميركية؟ بل أصبح أحيانًا: كيف ستُقرأ هذه الخطوة في تل أبيب؟ هكذا تحوّل الكونغرس من مساحة نقاش سيادي إلى ساحة صراع سرديات، حيث تمتلك الرواية الإسرائيلية أفضلية واضحة.

الفصل الثالث: "الإعلام"، حين تتحول الحرب إلى قصة جاهزة

في الشاشات الأميركية الكبرى، تُروى الحروب غالبًا بصيغة بسيطة: "حليف ديمقراطي مهدّد" مقابل “قوى إقليمية خطِرة وغير عقلانية”.

هذا السرد لا يأتي من فراغ؛ مراكز بحث، صحف، معلقون، ومنصات رأي، جميعها تشارك في صياغة صورة ذهنية واحدة:

أن أمن إسرائيل = أمن أميركا.

والنتيجة؟

عندما تلوّح طبول الحرب، لا تُسأل أسئلة صعبة مثل:

هل تخدم هذه الحرب الأميركي العادي؟

هل ستُنهك الاقتصاد الأميركي؟

هل ستُغرق واشنطن في مستنقع جديد؟

بدلًا من ذلك، يصبح النقاش أخلاقيًا أكثر منه استراتيجيًا: "علينا الوقوف مع حليفنا مهما كان الثمن."

الفصل الرابع: "الاستخبارات"، العدسة التي تُرى بها التهديدات

في الكواليس، حيث لا تصل الكاميرات، يتشابك الأمن الأميركي والإسرائيلي بشكل عميق:

تبادل معلومات يومي.

تقييمات مشتركة.

تدريبات متداخلة.

وتحليلات ميدانية تُنتج في غرف عمليات واحدة.

لكن هنا تكمن المفارقة الخطيرة:

عندما ترى إسرائيل تهديدًا وجوديًا، تميل دوائر أميركية كثيرة إلى تبنّي الرؤية ذاتها حتى لو كانت المصالح الأميركية لا تستدعي التصعيد، وبذلك، تتحول القراءة الأمنية من: ما الذي يهدد أميركا؟

إلى: ما الذي يهدد إسرائيل؟

وهذا التحول يصنع سياسات أكثر حدّة، وأقل دبلوماسية، وأكثر استعدادًا للحرب.

الفصل الخامس: من ردع إلى استباق، "التحوّل خطير"

نتيجة هذا النفوذ المركّب، تغيّر منطق الأميركية في الشرق الأوسط:

من الدفاع إلى الضربة الوقائية

بدل انتظار التهديد، أصبحت واشنطن تميل إلى الضرب أولًا وشرح الأسباب لاحقًا.

من الحوار إلى العقوبات

صارت العقوبات الاقتصادية هي اللغة الأولى، لا الأخيرة، حتى عندما تكون المفاوضات ممكنة.

من السلام الإقليمي إلى إدارة الفوضى

بدل بناء نظام أمني إقليمي مستقر، تُدار الأزمات عبر صراعات منخفضة الشدة، وحروب بالوكالة، وتوازن رعب دائم.

وهذا الوضع يخدم التفوق العسكري، لكنه يقتل فرص السلام.

الفصل السادس: الثمن الذي تدفعه أميركا

من منظور نقدي، هذا المسار لا يخدم واشنطن على المدى الطويل:

استنزاف مالي هائل في حروب لا تخص المواطن الأميركي مباشرة.

تآكل الهيبة الأخلاقية لدى دول الجنوب العالمي التي ترى أميركا طرفًا منحازًا لا وسيطًا.

فقدان القدرة على صنع تسويات كبرى لأنها تبدو جزءًا من الصراع لا حكمًا بين أطرافه.

بكلمات أخرى:

أميركا تكسب معارك قصيرة، لكنها تخسر مواقع استراتيجية طويلة.

الفصل السابع: من يمسك المقود؟

القصة ليست مؤامرة سرية، بل بنية نفوذ راسخة:

تحالف عميق، مصالح متشابكة، ضغط سياسي منظم، وسرد إعلامي متماسك.

هذه البنية تدفع واشنطن نحو:

مزيد من المواجهة، ومزيد من العقوبات، وأقل قدر من السلام الحقيقي.

وفي النهاية، يبقى السؤال الأكبر معلقًا: هل تقود أميركا الحرب في الشرق الأوسط، أم تُقاد إليها؟

في نهاية القصة كلها، بعيدًا عن أروقة الكونغرس اللامعة، وبعيدًا عن غرف العمليات المعقمة، وبعيدًا عن الاستوديوهات التي تبرّر القصف بصوتٍ هادئ. هناك شخصية غائبة لكنها حاضرة في كل فصل من فصول هذه الحكاية:

المواطن الأميركي العادي.

هو لا يجلس على طاولة صنع القرار.

لا يوقّع على العقوبات.

لا يضغط على الأزرار التي تطلق الصواريخ.

ومع ذلك، هو من يدفع الثمن كاملًا عن:

كل قاعدة عسكرية، كل منظومة صواريخ، كل حاملة طائرات، كل صفقة سلاح تُرسل إلى الشرق الأوسط، كل حرب تُخاض باسم "الأمن المشترك".

تخرج في النهاية من جيبه، تخرج من ضرائبه التي كان يمكن أن تبني:

مدارس أفضل، مستشفيات أرقى، طرقًا أحدث، ورعاية اجتماعية أوسع، ولكنها بدل ذلك تُحوَّل إلى ميزانيات دفاع متضخمة، وحروب بعيدة، وصراعات لا تنتهي.

وهنا تكمن المفارقة الأخلاقية الكبرى:

السياسة تُصاغ في واشنطن، والاستراتيجيات تُبرَّر في تل أبيب، لكن الفاتورة تُدفع في بيوت الأميركيين البسطاء.

إنها حرب تُدار باسمهم، لكنها تُخدم مصالحهم.

"بقلم: سبطين الجبوري، الخبير الأول في الشؤون السياسية و الدولية"

/انتهى/

رمز الخبر 1968181

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha