وكالة مهر للأنباء: في عالم السياسة الدولية المضطرب، حيث تلعب القوة دورًا حاسمًا وتعمل المؤسسات العالمية تحت هيمنة القوى العظمى في كثير من الأحيان، لا يُعتبر الأمن القومي سلعة قابلة للتفاوض. وقد أصبحت قضية القدرة الصاروخية للجمهورية الإسلامية الإيرانية وإصرار طهران على وضعها "غير القابل للتفاوض" أحد أهم محاور الخلاف بين إيران والغرب في السنوات الأخيرة؛ بدءًا من ضغوط إدارة ترامب وصولًا إلى المواقف المنسقة لثلاث دول أوروبية. والسؤال الرئيسي هو: لماذا ترفض إيران بشدة الدخول في مفاوضات بشأن قدرتها الصاروخية؟ يجب البحث عن الإجابة في طبيعة النظام الدولي، وتجارب إيران التاريخية، ومنطق البقاء في بيئة غير مستقرة.
1. عالم بلا ركائز ومبدأ الاعتماد على الذات
في نظرة واقعية للعلاقات الدولية، يُعتبر النظام العالمي "فوضويًا"؛ أي أنه لا توجد سلطة محايدة وقوية قادرة على ضمان أمن أي دولة في حال تعرضها لهجوم. أظهرت الأمم المتحدة ومجلس الأمن في العديد من الأزمات أن قراراتهما تخضع لإرادة الدول التي تتمتع بحق النقض (الفيتو). في مثل هذه الظروف، تتحمل كل دولة حتمًا مسؤولية أمنها وبقائها.
وبناءً على هذا المنطق، فإن الاعتماد كليًا على وعود الأمن من الآخرين قد يكون مكلفًا، بل ومميتًا. لقد كانت تجربة الدول التي اعتمدت على الضمانات السياسية للقوى العظمى، ولكنها تُركت وشأنها في منعطفات تاريخية حاسمة، درسًا للعديد من الحكومات. من هذا المنظور، لا يُعتبر تقليص القدرات العسكرية في بيئة تتسم بتهديدات حقيقية ومستمرة دليلًا على حب السلام، بل نوعًا من السذاجة الاستراتيجية.
2. تجربة الحرب وتشكيل عقيدة الصواريخ
إن إصرار إيران على الحفاظ على قدراتها الصاروخية متجذر في تجربة موضوعية وتاريخية: حربها مع العراق التي دامت ثماني سنوات. في ذلك الوقت، واجهت إيران أشد القيود على التسلح، بينما تمتع نظام صدام بدعم عسكري واسع النطاق. وقد خلّف القصف الصاروخي على المدن، والهجمات الكيميائية، وصمت المجتمع الدولي، تجربة مريرة ودائمة لإيران.
في تلك السنوات، لم تكن إيران تمتلك وسائل ردع فعّالة وردّ بالمثل. وقد غيّر هذا الفراغ الدفاعي تحديدًا النظرة الاستراتيجية للبلاد. وخلص صانعو القرار إلى أنه في ظل العقوبات وانعدام الثقة بالموردين الأجانب، كان من الضروري التوجه نحو الاكتفاء الذاتي الدفاعي. ونظرًا لاستحالة التحديث الشامل للقوات الجوية بشراء مقاتلات متطورة عمليًا بسبب العقوبات والتكاليف الباهظة، تم اختيار تطوير قدرات صاروخية محلية كخيار عملي ومتاح وأقل تكلفة.
تتمتع الصواريخ بعدة مزايا من منظور استراتيجي: تقليل الاعتماد على الدول الأجنبية، وانخفاض تكاليف الصيانة مقارنةً بأسطول جوي حديث، وإمكانية خلق رادع فعّال. لذلك، كان برنامج الصواريخ الإيراني استجابةً لفراغ أمني خطير. ولم يكن العودة إلى حالة الضعف التي كانت عليها إيران في ستينيات القرن الماضي خيارًا واردًا.
3. ردع غير المتكافئ في بيئة غير متكافئة
تقع إيران في منطقة تُعتبر من أكثر المناطق توترًا في العالم. أدى الوجود العسكري الأمريكي المكثف حول إيران، ومشتريات الأسلحة الضخمة التي قامت بها بعض دول الخليج الفارسي، والقدرات العسكرية الإسرائيلية المتقدمة، إلى اختلال التوازن. فالعديد من منافسي إيران الإقليميين مجهزون بأحدث الطائرات المقاتلة وأنظمة الدفاع والمعدات الحديثة.
في ظل هذه الظروف، تتطلب المنافسة المتكافئة مع هذا الكم الهائل من الأسلحة ميزانية ضخمة وحرية الوصول إلى سوق الأسلحة العالمية، وهو أمر لم يكن متاحًا لإيران بسبب العقوبات. ونتيجة لذلك، لجأت إيران إلى استراتيجية "الردع غير المتكافئ"، أي استخدام أدوات تُتيح قدرة ردع مقبولة بتكلفة أقل.
وتُعدّ القدرة الصاروخية منطقية في هذا السياق. فقد صُممت هذه القدرة بحيث يكون الرد بالمثل ممكنًا في حال وقوع هجوم، وترتفع تكلفة أي عمل عسكري ضد إيران بشكل حاد. ففي منطق الردع، لا يكمن الهدف في إشعال الحرب، بل في منعها. ورسالة هذا النهج واضحة: أي هجوم سيُقابل برد.
من وجهة نظر طهران، فإن التفاوض للحد من هذه القدرة في حين تبقى تهديدات الطرف الآخر وتفوقه في الأسلحة قائماً سيُرجّح كفة الميزان ضد إيران. ففي ظل بيئة يسودها انعدام الثقة العميق، قد يؤدي نزع السلاح من جانب واحد أو فرض قيود صارمة إلى وضع خطير يُعرّض إيران للخطر.
4- قضية السيادة وازدواجية المعايير
تصر إيران على أن صواريخها أسلحة دفاعية تقليدية، وليست أسلحة دمار شامل. ومن منظور القانون الدولي، يحق للدول امتلاك أسلحة تقليدية للدفاع عن النفس. وبينما تمتلك القوى الكبرى وبعض دول المنطقة ترسانات صاروخية واسعة، بل وحتى نووية، فإن المطالبة بتقييد القدرات الصاروخية الإيرانية تُعد مثالاً على ازدواجية المعايير من وجهة نظر طهران.
يرتبط هذا الشعور بالتمييز بقضية السيادة الوطنية. فإيران تعتبر نفسها دولة مستقلة لها الحق في تقرير هيكلها الدفاعي. وقبول القيود المفروضة في المجال الدفاعي يعني تقويض مكانة البلاد وقبول نوع من عدم المساواة الهيكلية في النظام الدولي.
بعبارة أخرى، لا تقتصر القضية على الجانب التقني أو العسكري فحسب، بل ترتبط بالكرامة الوطنية والاستقلال السياسي. ولذلك، تُعتبر القدرات الصاروخية في الأدبيات الإيرانية الرسمية ليس فقط أداة عسكرية، بل رمزاً للاكتفاء الذاتي والاستقلال.
٥. تجربة الاتفاق النووي ومخاوف الانزلاق نحو الهاوية
تُعدّ تجربة الاتفاق النووي من أهم الحجج المُعارضة لمفاوضات الصواريخ. فقد قبلت إيران قيودًا واسعة النطاق في ذلك الاتفاق، ولكن مع انسحاب الولايات المتحدة منه وعودة العقوبات، ترسّخت حالة من انعدام الثقة العميق. وقد أوصلت هذه التجربة رسالةً إلى العديد من صُنّاع القرار الإيرانيين مفادها أن حتى التنازلات الكبيرة لا تضمن التزام الطرف الآخر.
من هذا المنطلق، يبرز القلق من "انزلاق إيران نحو الهاوية"؛ أي أنه إذا تفاوضت إيران اليوم بشأن مدى صواريخها أو عددها، فستُثار غدًا مطالب جديدة: مزيد من خفض القدرات الدفاعية، أو الحدّ من النفوذ الإقليمي، أو تغيير في السلوك السياسي. ولذلك، يُنظر إلى وضع خط أحمر واضح على أنه حاجز أمام تصاعد الضغوط.
في هذا الإطار، لا تُعتبر المفاوضات بشأن القدرات الصاروخية حوارًا محدودًا، بل بدايةً لعملية قد تُفضي إلى إضعاف تدريجي لقدرات الردع لدى البلاد.
٦. القوة الصلبة كدعم للدبلوماسية والاقتصاد
من منظور واقعي، لا تُعدّ الدبلوماسية فعّالة دون دعم القوة الصلبة. وتكون المفاوضات فعّالة عندما يعلم الطرف الآخر أن لديك الأدوات اللازمة للضغط والرد. ومن وجهة نظر إيران، تُعزز القوة الصاروخية موقفها التفاوضي وتمنع إجراء المفاوضات من موقع ضعف.
إضافةً إلى ذلك، يُعدّ الأمن شرطًا أساسيًا للتنمية الاقتصادية. ففي منطقة متوترة، إذا تعرّضت البنية التحتية الحيوية، كالمصافي والموانئ ومحطات توليد الطاقة، لتهديد مباشر وغير مُعالَج، فسيتضرر الاستثمار والنمو الاقتصادي بشدة. ويمكن للردع الفعّال أن يُقلّل من احتمالية وقوع هجمات مُكلفة ويُرسّخ استقرارًا نسبيًا. لذا، من وجهة نظر مُؤيدي هذا النهج، يُعتبر الإنفاق الدفاعي بمثابة تأمين على وجود الدولة واقتصادها.
الخلاصة
ينبغي تحليل إصرار إيران على أن القوة الصاروخية غير قابلة للتفاوض في إطار منطق البقاء في نظام دولي غير مدعوم. لقد ساهمت تجربة الحرب، والعقوبات طويلة الأمد، وانعدام الثقة بالضمانات الخارجية، واختلال التوازن الإقليمي، في تشكيل هذا النهج.
ومن هذا المنظور، لا تُعدّ القدرة الصاروخية مجرد أداة عسكرية، بل تُعتبر ركيزة الردع وضمانة لمنع أي مغامرات محتملة ضد البلاد. ومن وجهة نظر طهران، يُشكّل تقليص هذه القدرة أو الحدّ منها، في ظل استمرار التهديدات والمزايا العسكرية من الآخرين، خطرًا استراتيجيًا جسيمًا.
وبناءً على ذلك، فإن الخط الأحمر المُعلن هو نتيجة حسابات أمنية: ففي عالمٍ تُهيمن فيه القوة على كل شيء، وتتراجع فيه الضمانات الأخلاقية أمام ميزان القوى، يُصبح الحفاظ على القدرة الدفاعية الشرط الأول للبقاء. وفي هذا الإطار التحليلي، لا تُعدّ القدرة الصاروخية لإيران خيارًا قابلًا للتفاوض، بل جزءًا لا يتجزأ من بنية الأمن القومي.
/انتهى/
تعليقك